الرمح الجنوبي: قراءة في حسابات الإستراتيجية الأمريكية ونفوذها في الكاريبي
أعلن وزير الحرب الأمريكي بيت هيجست بدء عملية "الرمح الجنوبي" العسكرية في أميركا اللاتينية، التي تستهدف تجار المخدرات الإرهابيين، بحسب وصفه، موضحًا أن الهدف من هذه المهمة الدفاع عن الولايات المتحدة وحمايتها من المخدرات التي تقتل الشعب الأمريكي، ولم يتطرق هيجست لأي تفاصيل إضافية حول الاختلاف بينها وبين الضربات التي بدأت قبل أسابيع واستهدفت عدة قوارب في مياه البحر الكاريبي.
وتتزامن تصريحات وزير الحرب مع التصعيد الأمريكي بين واشنطن وفنزويلا، إذ نشرت واشنطن قدرات جوية وبحرية، أبرزها حاملة الطائرات "جيرالد فورد"، التي استقرت قبالة سواحل أمريكا اللاتينية في 11 نوفمبر الجاري، وهو ما ردت عليه كراكاس بنشر جيشها بكثافة في كافة أرجاء البلاد للرد على ما أسمته الإمبريالية الأمريكية، بالإضافة إلى تجهيز وسائل برية وجوية وبحرية ونهرية، وصواريخ، وأنظمة أسلحة، ووحدات عسكرية، و"ميليشيا بوليفارية" تضم مدنيين وعسكريين سابقين يشكلون قوات لتعزيز الجيش والشرطة.

دوافع وأهداف "الرمح الجنوبي" في الكاريبي
تتبنى الإدارة الأمريكية سردية معلنة عن استهداف شبكات تهريب المخدرات التي تراها واشنطن تهديدًا مباشراً لأمنها القومي، إذ تؤكد وزارة الحرب الأمريكية أن العملية تأتي ضمن سياسة الضربات الاستباقية ضد الجماعات التي تصفها بأنها منظمات إرهابية مرتبطة بتهريب المخدرات، في إطار توسيع نطاق الحرب على شبكات التهريب في أمريكا اللاتينية.
وفق البيانات الرسمية، تعتبر واشنطن أن المنطقة المحاذية للسواحل الفنزويلية واحدة من أكثر الممرات نشاطاً للاتجار غير الشرعي. ومع ذلك، يرجح أن العملية تتجاوز الهدف المعلن، إذ تأتي في سياق ضغوط متواصلة تمارسها الولايات المتحدة على حكومة نيكولاس مادورو منذ أعوام.

وتعتبر هذه التحركات العسكرية جزءاً من استراتيجية أوسع لتقييد نفوذ كراكاس، سواء عبر تشديد العقوبات أو دعم المعارضة أو تعزيز الوجود العسكري في الجوار، وتُقرأ الإجراءات الأمريكية والتصعيدات الأخيرة على أنها رسالة واضحة بأن واشنطن مستعدة للانتقال من الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية إلى خيارات أكثر صرامة، ربما تصل إلى تنفيذ ضربات عسكرية داخل كراكاس.
كما تسعى واشنطن، من خلال العملية، إلى تعزيز موقعها الجيوسياسي في منطقة الكاريبي، في وقت تتزايد فيه المنافسة مع قوى دولية مثل الصين وروسيا داخل أمريكا اللاتينية، وترى الإدارة الأمريكية أن فرض الحضور العسكري قرب فنزويلا يعيد تثبيت نفوذها التقليدي في "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة.
حدود الرد الفنزويلي والحلفاء
تؤد السلطات الفنزويلية أن أي اعتداء أمريكي سيُواجه برد متناسب ومباشر، لكن خيارات كراكاس تبقى محدودة عسكريًا مقارنة بالقوة التي تمتلكها واشنطن، والمنتشرة في الكاريبي منذ أشهُر. ومع ذلك، بدأت حكومة مادورو في رفع حالة التأهب داخل القوات المسلحة، وتعزيز الدفاعات الساحلية، ونشر وحدات إضافية من البحرية، في محاولة لإظهار الجاهزية وردع أي تصعيد محتمل.

وتشير تقديرات أولية إلى أن فنزويلا قد تعتمد تكتيكات دفاعية غير مباشرة مثل استهداف مسارات الإمداد وإطالة أمد المواجهة، إذ يعوّل مادورو على الضغط الدولي لإبطاء الاندفاعة الأمريكية ومنح حكومته مساحة للمناورة.
وفي موازاة الخطوات العسكرية، تتحرك كراكاس على المستوى الدبلوماسي لإدانة العملية الأمريكية وطرحها كتهديد لسيادة دولة مستقلة، في محاولة لحشد دعم إقليمي ودولي، وتعمل فنزويلا على التواصل مع دول منظمة "ألبا" وحلفاء في أمريكا اللاتينية لإصدار مواقف تضامنية، إلى جانب محاولة حشد موقف داخل الأمم المتحدة ضد ما تصفه بالعدوان الإمبريالي.
أما على صعيد الحلفاء الدوليين، فمن المتوقع أن تتحرك موسكو وبكين دبلوماسيًا لدعم فنزويلا دون التورط في مواجهة مباشرة مع واشنطن، ومن المحتمل أن يشمل الدعم تعزيز التعاون الاستخباراتي، وتوفير معدات مراقبة أو تقنيات دفاع إلكتروني، إضافة إلى مواقف سياسية رافضة للتصعيد في مجلس الأمن.
المساندة الرمزية أو التقنية من الدول الحليفة ستمنح كراكاس هامش قوة، لكنها لن تغيّر موازين القوى بشكل يسمح بخوض مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.

مسارات محتملة: بين ضغط عسكري محسوب وتهدئة دبلوماسية مؤجلة
تتزايد احتمالات استمرار التصعيد العسكري المحدود بين الولايات المتحدة وفنزويلا، مع تركيز واشنطن على الضربات البحرية والجوية التي تستهدف ما تصفه بشبكات تهريب المخدرات.
من المحتمل أن يميل البيت الأبيض في المرحلة الحالية إلى تجنب انزلاق العملية إلى مواجهة شاملة، والاكتفاء بسياسة الضغط العسكري المحسوب لإبقاء كراكاس تحت ضغط دائم دون التورط في حرب طويلة، ويُتوقع أن تواصل القوات الأمريكية نشاطها في الكاريبي مع مراقبة دقيقة لأي تحركات فنزويلية.
وفي المقابل، قد تتجه فنزويلا إلى تعزيز دفاعاتها ورفع كلفة أي تدخل أمريكي، وهو ما قد يفتح بابًا لسيناريو الحرب منخفضة الشدة، حيث تستمر المناوشات البحرية والجوية دون إعلان حرب رسمية.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في إمكانية التوصل إلى تهدئة دبلوماسية، سواء عبر وساطة دولية أو عبر ضغوط إقليمية من دول الجوار التي تخشى من أي صراع مفتوح في الكاريبي، وقد تدفع المخاوف الاقتصادية والسياسية عدداً من الحكومات الإقليمية إلى الضغط على الطرفين لوقف التصعيد، خصوصًا أن استمرار العملية قد يعطل مسارات التجارة والطاقة في المنطقة.

في ضوء التوازنات الحالية، تبدو المنطقة مقبلة على فترة من التوتر المحسوب، حيث تسعى واشنطن لتأكيد نفوذها دون الانجرار إلى حرب، بينما تحاول فنزويلا إثبات قدرتها على الردع رغم محدودية إمكانياتها.
ختامًا:
تتوقف مآلات العملية على قدرة الطرفين في إدارة الخطوط الحمراء وتجنب الانفجار، ما يجعل السيناريوهات مفتوحة بين تصعيد تدريجي أو تسوية دبلوماسية إذا ما توافرت الإرادة السياسية.
في ضوء ما سبق، يتضح أن عملية "الرمح الجنوبي" تمثل أكثر من مجرد مواجهة ضد شبكات المخدرات؛ فهي أداة استراتيجية أمريكية لتعزيز النفوذ في الكاريبي وفرض قواعد اللعبة في مواجهة تحديات دولية وإقليمية متزايدة. في المقابل، تُظهر فنزويلا قدرة على المناورة الدفاعية والردع السياسي رغم محدودية قدراتها العسكرية، مستندة إلى تحالفاتها الإقليمية والدولية. تبقى مآلات العملية مرهونة بمدى ضبط الطرفين لخطوطهما الحمراء، وما إذا كانت الضغوط العسكرية والدبلوماسية ستقود إلى تصعيد محدود أو فتح طريق لحل دبلوماسي يحفظ الاستقرار ويجنب المنطقة مواجهة شاملة.



