رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تصدّع في تنظيم القاعدة: هل تنقلب القيادات الميدانية على سيف العدل؟

تنظيم القاعدة في
تنظيم القاعدة في اليمن - أرشيفية

تعرض تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب"، خلال الساعات الماضية، لحالة من الانشقاق من قبل عدد من القيادات الرئيسية في عدد من فروعه في اليمن وسوريا والعراق وأفغانستان، على رأسهم الشيخ سند الوحيشي، شقيق ناصر الوحيشي، أحد مؤسسي تنظيم "القاعدة في اليمن"، ورياض العسيري، وأبو سليمان التعزي، وإسماعيل الجولحي، بالإضافة إلى أكثر من 30 قياديًا ميدانيًا، يمثلون جناحًا كبيرًا رافضًا لتوجهات وسياسات التنظيم الحالية، في مواجهة مباشرة مع القيادات العسكرية والحركية للتنظيم، والتي يمثلها محمد صلاح زيدان، المكنى بـ"سيف العدل"، الذي يتولى قيادة تنظيم القاعدة منذ نهاية يوليو 2022.

سيف العدل زعيم تنظيم القاعدة 
سيف العدل زعيم تنظيم القاعدة 

وأصدر المنشقون عن التنظيم بيانًا شديد اللهجة يوم 14 نوفمبر الجاري، اتهموا فيه القيادة الحالية بـ"الانحراف عن المبادئ التي قام عليها تنظيم القاعدة"، ودعوا إلى الاحتكام إلى "محكمة مستقلة" للنظر في قضايا الجرائم والفساد والخلافات الداخلية بين عناصر وقيادات التنظيم.

ونُشر البيان عبر إحدى القنوات المشفرة على تطبيق "التلجرام" وروابط على شبكة "الدارك ويب"، وانتقد المنشقون "الانحرافات التنظيمية"، خاصة التوسع غير المنضبط نحو التحالفات مع جماعات إقليمية أخرى، والتركيز على الاستقرار الداخلي في اليمن وسوريا بدل "الجهاد العالمي المباشر ضد الغرب"، و"التخاذل أمام الضغوط الاستخباراتية الدولية"، وتقليص العمليات المسلحة خارجيًا. ودعا البيان إلى العودة إلى "الجذور السلفية" كما كانت في عهد أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، محذرًا من تفكك التنظيم إذا لم يتم الالتزام بالمبادئ الأصلية.

بيان المنشقين عن تنظيم القاعدة في اليمن
بيان المنشقين عن تنظيم القاعدة في اليمن

جماعة نصرة الإسلام

ويرى الكثير من المحللين أن هذا الانشقاق يعد مؤشرًا على حالة عميقة من الانقسام الداخلي وهشاشة البنية التنظيمية، قد تهدد استقرار تنظيم "القاعدة" تحت قيادة سيف العدل وقيادات الفروع الأخرى، في وقت يدور الحديث عن الإعلان عن دولة للتنظيم في منطقة الساحل والصحراء بإفريقيا بعد محاصرة العاصمة المالية "باماكو" على يد جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" القاعدية، بقيادة إياد أغ غالي.

تنظيم القاعدة في اليمن - أرشيفية
تنظيم القاعدة في اليمن - أرشيفية

وعلى مدار السنوات الأخيرة، مرّ تنظيم القاعدة بعدد كبير من الانشقاقات، لاسيما في ظل حالة التنافس بينه وبين تنظيم داعش، الذي تمدد في قلب القارة الآسيوية تحت مسمى "داعش خراسان"، وتمكن من استقطاب عدد كبير من قيادات القاعدة التي تمردت على خلافة الظواهري ومن ورائه سيف العدل، بجانب الخلافات التي ضربت أركان التنظيم من الداخل، جراء الخلافات النفسية والتنظيمية، فضلًا عن التمرد الأيديولوجي والمنهجي فيما يخص الانتقال من استراتيجية "العدو القريب والعدو البعيد" أو المهادنة مع بعض الدوائر السياسية في المناطق التي يرتكز فيها التنظيم بهدف صناعة حواضن مجتمعية تسمح له بفرصة البقاء والتمدد.

هواجس الجاسوسية

ويرى المحللون أن أزمة الانشقاقات الداخلية، والتي زادت منذ عام 2018، ناجمة عن خلافات جوهرية في سياسة تنظيم "القاعدة"، ونتيجة انتشار هواجس الاختراقات الداخلية، وأعقبها إصدار سلسلة من الإصدارات بعنوان "هدم الجاسوسية"، والتي تم على أساسها إعدام الكثير من عناصر التنظيم، ما دفع الكثير منهم إلى الانشقاق والخروج خشية اتهامهم بالتجسس لصالح الأطراف الخارجية التي ترغب في تصفية وتفكيك التنظيم وفروعه سواء داخل اليمن أو في سوريا والعراق وأفغانستان، أو التي يتم توجيهها لتصفية الحسابات الشخصية بين قيادات التنظيم وعناصره.

تنظيم القاعدة في اليمن - أرشيفية
تنظيم القاعدة في اليمن - أرشيفية

ومن قبلُ، تم انشقاق القيادي أبو عمر رياض النهدي، الذي أعلن تمرده على تنظيم "القاعدة"، وأسس كيانًا سياسيًا تحت مسمى "تيار التغيير والتحرير" في حضرموت، والمعروف بعلاقته الوثيقة بـ"أبي محمد الجولاني" أثناء سيطرة التنظيمات الإرهابية على أجزاء واسعة من العراق.

نجل سيف العدل

ووفق العديد من التقارير اليمينة المحلية فإن سيف العدل، زعيم تنظيم "القاعدة" الحالي، منح نجله المكنى بـ"ابن المدني" مساحة كبيرة للمشاركة في إدارة فرع التنظيم في اليمن منذ عدة سنوات ويتمتع بنفوذ كبير، بجانب قائد فرع التنظيم في اليمن سعد بن عاطف العولقي ،  ويُعتبر أحد الأذرع التي يحركها "الحرس الثوري" في ظل بقاء سيف العدل في الداخل الإيراني، الذي يؤمن بأن طهران تمثل قلب العالم الإسلامي، وفق "متلازمة طهران" التي طرحها مُنظّر مشروع مصطفى حامد (أبو الوليد المصري)، مؤرخ تنظيم القاعدة وصهر سيف العدل، والتي تتمحور حول فكرة ضرورة تطويع التنظيمات الجهادية المسلحة للمشروع الإيراني.

أبو عمر رياض النهدي
أبو عمر رياض النهدي

ويرى المحللون أن البيان قد يؤدي إلى ظهور فرع مستقل للتنظيم، على غرار انشقاق جبهة النصرة عام 2016، ورفض التحالفات الضمنية مع جماعات مثل طالبان، وزيادة التنافس الداخلي بين الأجنحة المنشقة. ويسلط البيان الضوء على الصراع بين الجناح التقليدي الرافض للتحولات البراجماتية، والقيادة المركزية التي تسعى للحفاظ على الهيكل التنظيمي.

الخلافات الداخلية

يبدو مستقبل تنظيم "القاعدة في اليمن" محكومًا بقدر كبير من التآكل الداخلي، إذ إن الانقسامات التي تعصف به منذ سنوات لم تعد مجرد خلافات عابرة على التكتيكات أو إدارة العمليات، بل تحولت إلى صراع بنيوي يضرب أسس التنظيم من الداخل. لقد أدت حالة الاستنزاف المستمرة—عسكريًا وأمنيًا وفكريًا—إلى إضعاف مركزية القيادة، واهتزاز شرعية "أمراء" التنظيم، وتنامي النزعات المحلية لدى الكثير من العناصر الذين لم يعودوا يرون في القيادة الحالية مرجعية صالحة للحفاظ على كيان التنظيم أو تحقيق أهدافه.

فمع تعدد الانشقاقات، وصعود مجموعات متمردة على قرارات القيادة، وتزايد الاتهامات المتبادلة بين الصفوف، أصبح التنظيم يعيش مرحلة تفكك تدريجي تُنذر بتحوله إلى شبكات صغيرة متناثرة أكثر منها منظومة جهادية موحدة. كما أن الصراع على الموارد وشح التمويل وتراجع التأييد الشعبي، إضافة إلى الضغط الأمني وتعاظم دور الطائرات المسيّرة، كلها عوامل تجعل قدرة التنظيم على إعادة إنتاج نفسه أو شن عمليات نوعية أمرًا بالغ الصعوبة.

وفي ظل هذا المشهد، من المرجّح أن يتجه التنظيم خلال السنوات المقبلة إلى واحد من مسارين:

إما الانكماش الكامل وتحوّله إلى خلايا منعزلة تعمل بصورة محدودة وبدون تأثير استراتيجي،

وإما محاولات اندماج ظرفي مع جماعات مسلحة أخرى في الجنوب أو الشمال، لكن تحت قيادة ضعيفة ومن دون رؤية موحدة، ما يجعل أي تحالف هشًا وقصير العمر.

في المحصلة، مستقبل تنظيم القاعدة في اليمن يسير نحو التحلل التدريجي أكثر من إعادة التمكين، ما لم تحدث تحولات إقليمية أو فوضى أمنية عميقة تمنحه فرصة لإعادة بناء وجوده، وهي فرصة تبدو في الوقت الراهن بعيدة جدًا.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء