رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

غزة بين الإعمار والهيمنة: قراءة في مشروع التقسيم الأمريكي–الإسرائيلي

مشروع تقسيم غزة
مشروع تقسيم غزة

في خضم الصراع الراهن وإعادة الإعمار بعد الحرب، يظهر ما يُعرف إعلاميًا بـ مشروع "غزة الجديدة"، مع مؤشرات جادة على بناء "جدار جديد" أو حد أمني واضح داخل القطاع، غالبًا ما يُشار إليه بـ "الخط الأصفر". هذا المشروع يثير مخاطر كبيرة تتعلق بالتقسيم الجغرافي والديموغرافي والإداري لغزة، ما قد يعيد رسم مستقبلها بعواقب استراتيجية كبيرة.

ما هو مشروع "غزة الجديدة"؟

وفق تقارير دولية، هناك مقترح أمريكي – مدعوم من بعض الجهات الإسرائيلية – لإقامة مناطق سكنية وتجديد بنى تحتية في الجزء الشرقي من قطاع غزة، تحديدًا خلف "الخط الأصفر" الذي يحدد السيطرة العسكرية. 

مناطق الخط الأصفر في غزة
مناطق الخط الأصفر في غزة

تقضي الخطة إنشاء حوالي ست مناطق سكنية في هذا الجزء الشرقي لاستقبال نحو مليون فلسطيني، أي نحو نصف سكان غزة، هذا المشروع لا يقتصر على البناء السكني فقط، بل يتضمن أيضًا خطابًا أمنيًا للسيطرة، وإعادة هيكلة سياسيّة محتملة، لتقليل نفوذ حماس في تلك المناطق. 

"الخط الأصفر"– الجدار الفاصل وتقسيم غزة

"الخط الأصفر" هو حد أمني تم تحديده منذ وقف إطلاق النار، ويُخبر أن نحو 53% من مساحة غزة قد تكون تحت سيطرة إسرائيل الآن، وهناك مخاوف أن يتحول هذا الخط من "خط وقف نار مؤقت" إلى حد فاصل دائم أو ما شبه حد سياسي، أي ما يُشبه "جدار برلين الجديد". 

خريطة مناطق الخط الأصفر في غزة
خريطة مناطق الخط الأصفر في غزة

بعض المحللين يقولون إن هذا التقسيم قد يقود إلى غزتين: شرق غزة، حيث إعادة إعمار واسعة وتحكم أمني أكثر، وغرب غزة، الذي قد تبقى فيه سيطرة حماس وشعور بعدم الاستقرار الاقتصادي، وقد تم الإيفاد عن وجود تحصينات مادية من أسلاك شائكة، ومواقع دبابات، ونقاط مراقبة لتثبيت هذا الخط، في المقابل ثمة تحذيرات دولية وأخرى من بعض الدول العربية تقول إن هذا المسار قد يؤدي إلى "تقسيم دائم" للقطاع، وليس مجرد إعادة إعمار مؤقتة. 

وبينت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، تلقت تعليمات من واشنطن، تقضي بالسماح ببدء بناء "غزة الجديدة"، وتمت الموافقة عليها من قبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بحيث يتم إعادة إعمار مدن في المناطق الخاضعة لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي من "الخط الأصفر" المنصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار.

 خريطة مناطق الخط الأصفر في غزة
 خريطة مناطق الخط الأصفر في غزة

ونقلت صحيفة هآرتس عن مسؤولين كبار في الجيش الإسرائيلي، لم تسمهم، قولهم إن "هناك غموضًا متزايدًا بشأن الخطط الأمريكية المستقبلية في غزة، والتي حظيت بموافقة الحكومة في محادثات سرية دون مشاركة المستوى الأمني، وأن منصب رئيس الأركان ورئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) أصبحا غير ذي صلة، ويُطلب منهما اتخاذ خطوات استراتيجية كبرى وفقًا للمستوى السياسي، دون مناقشة الأضرار الأمنية، حيث تجري تحركات استراتيجية في غزة أمام أعيننا، ولها تداعيات على مستقبل البلاد، دون أن يكون لإسرائيل، وبالأخص للمؤسسة الأمنية، أي تأثير على هذه العملية".

وقالت الصحيفة إن "مصر تحول نقل المسؤولية إلى السلطة الفلسطينية أو إلى حركة فتح، بينما يرفض المستوى السياسي لدى الاحتلال، غير أن المستوى الأمني يفضّله إذا كان الاحتلال سيُمنح مسؤولية كاملة عن المنطقة".

مناطق الخط الأصفر في غزة
مناطق الخط الأصفر في غزة

الأبعاد الاستراتيجية والسياسية للمشروع

يستهدف المشروع إضعاف قوة حركة "حماس" وتقليل نفوذها تدريجيًا، من خلال وضع جزء كبير من قطاع غزة  تحت السيطرة الإسرائيلية، بجانب وجود أربع ميليشيات محلية داخل غزة تدعم الفكرة، وتتلقى دعمًا إسرائيليًا لوجستيًا وعسكريًا، وتعد جزءًا من المشروع ذاته، كونها تعمل في مناطق قريبة من الخط الأصفر بالتنسيق جزئيًا مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، فضلًا عن أن الخطة الأمريكية تهدف إلى إدارة مرحلة إعادة الإعمار، مع وجود "قوة دولية للاستقرار" أجنبية (ISF) ، ما يمنح واشنطن نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا في ظل  تنفيذ "إعادة الإعمار" في فترة زمنية قد تستغرق سنوات طويلة .

مناطق الخط الأصفر في غزة
مناطق الخط الأصفر في غزة

منافسات دولية وإقليمية

بعض دول الخليج (مثل مصر والسعودية والإمارات) أبدت تحفظات على المشروع، خاصة على فكرة التقسيم، أو أن تصبح السيطرة طويلة الأجل لإسرائيل أو النفوذ الأمريكي، ويعترون أن المشروع محاولة لإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني بطريقة تقلل من سلطة الفصائل الحالية، وتفتح نافذة لاستثمارات إعادة إعمار تُركّز على جزء من القطاع فقط.

الأبعاد الإنسانية والديموغرافية

إذا تم نقل جزء كبير من سكان غزة إلى المناطق الجديدة شرقي الخطّ الأصفر، هذا قد يكون تهجيرًا جزئيًا، حتى لو وصف بأنه "اختياري" أو مؤقت، ويخلق التقسيم الجغرافي فوارق كبيرة في الخدمات والبنية التحتية بين "غزة الجديدة" والمناطق التي تبقى تحت سيطرة حماس، ما يزيد التفاوت الاجتماعي والاقتصادي.

المخاطر على المدى البعيد

أ) التقسيم الدائم:

 إذا ظل "الخط الأصفر" كحد استراتيجي، فقد لا يكون مجرد خط وقف نار، بل حد سياسي وثابت، يعيد رسم خارطة غزة بديمومة.

ب) شرعنة احتلال:

 بعض المحللين يرون أن إعادة إقامة مناطق سكنية تحت الإشراف الإسرائيلي أو الدولي قد تكون بمثابة "ضم فعلي" للجزء الشرقي من غزة، أو احتلال مستتر.

ج) استنزاف فلسطيني: 

من الناحية الديموغرافية، يمكن استخدام الحوافز الاقتصادية لإغراء السكان بالانتقال إلى "غزة الجديدة" على حساب المناطق الأخرى، وهو ما قد يؤدي إلى تقويض النسيج الوطني الفلسطيني لمنع المقاومة أو تقليص سلطة الفصائل مثل حماس.

د) رفض داخلي: 

من المرجّح أن تواجه الخطة مقاومة فلسطينية من فصائل، وكذلك من المدنيين الذين لا يثقون في أن إعادة الإعمار ستخدمهم دون تدمير هويتهم أو حقهم في تقرير مستقبلهم.

مناطق الخط الأصفر في غزة
مناطق الخط الأصفر في غزة

ختامًا:

مشروع "غزة الجديدة" و"الخط أصفر" ليس مجرد خطة إعادة إعمار بعد الحرب، بل يحمل في طياته مخاطر استراتيجية كبيرة، قد تؤدي إلى تقسيم فعلي ومستدام لقطاع غزة. هذا التقسيم يجمع بين:

بعد أمني يضمن لإسرائيل نفوذًا دائمًا في جزء من القطاع، وبعد سياسي واقتصادي عبر إعادة بناء مناطق تحت سيطرة متغيرة، وبعد ديموغرافي من خلال تغيير توزيع السكان وربما نفوذ الفصائل، وإذا تحقّق هذا المشروع، فستكون غزة أمام فصل جديد من تاريخها، ليس فقط فيزيائيًا عبر الجدار، ولكن سياسيًا وجغرافيًا عبر إعادة رسم خريطتها ومستقبلها.

 في المقابل، يتحتم على المجتمع الدولي، وعلى الفصائل الفلسطينية، أن يكونوا يقظين تجاه هذه المقترحات، لأنها قد تغيّر موازين القوى في قطاع غزة إلى ما بعد إعادة الإعمار بكثير.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء