التحالف التكتيكي أم المقايضة الأخلاقية؟ مأزق المعارضة الإيرانية في الرهان على إسرائيل
منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تصاعدت العداوة الأيديولوجية والسياسية بين طهران وتل أبيب، وفي المقابل بدأت إسرائيل في تبني استراتيجية تستند إلى إضعاف هذا النظام الثيوقراطي، الذي يمثل برأيها تهديدًا وجوديًا. في هذا السياق، يبرز التساؤل حول صحة التعاون بين المعارضة الإيرانية، خصوصًا في الخارج، مع الكيان الصهيوني في إطار إسقاط مشروع "دولة الفقيه"، ضمن تنسيق حقيقي تتقاطع فيه المصالح السياسية والأمنية.
تغيير النظام الديني
ونشرت وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات منسوبة إلى "آذر منصوري"، رئيس جبهة الإصلاح والمحرك الرئيسي لقوى الإصلاحيين في إيران، حول قيام عدد من قوى المعارضة بإجراء مراسلات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والأمم المتحدة، وقدّموا مقترحات تهدف إلى منع اندلاع حرب بين إيران وإسرائيل، ووضع آليات للخروج منها، فضلًا عن تقارير أخرى تحدثت عن قيام عدد من الشخصيات المعارضة بتوجيه رسالة سرية إلى إسرائيل، عبّروا فيها عن دعمهم لتغيير النظام الديني واستعدادهم للتعاون والخلاص من سيطرته.
تزامنت تقارير التعاون بين المعارضة الإيرانية والكيان الصهيوني مع مطالبات بالإفراج عن السجناء، وزيادة هامش الحريات، وضمان العملية السياسية.
وخلال الأشهر القليلة الماضية، صعّدت السلطات الإيرانية من حملات الاعتقال ضد الأقليات وقوى المعارضة، على خلفية تقارير أمنية تحدثت عن تواطؤ بعضهم مع جهاز الموساد، وضلوعهم في خرق المنظومة الأمنية من خلال تهريب أسلحة ومواد متفجرة.
وقد شهد الأشهر الماضية زيادة بنسبة 50% في عدد الاعتقالات مقارنة بشهر ما قبل مايو 2025، حيث تم توقيف ما لا يقل عن 168 شخصًا، من بينهم 77 كرديًا، و50 بلوشيًا، و25 امرأة، و16 طفلًا، و7 من المعلمين أو الطلبة. وتم ترحيل نحو 450 ألف مهاجر أفغاني منذ مطلع يونيو 2025، في واحدة من أوسع حملات الإبعاد القسري التي شهدتها الدولة الإيرانية.

حركات علمانية
لا ترتبط المعارضة الإيرانية الليبرالية والعلمانية بإسرائيل عسكريًا أو أمنيًا، لكنها تتقاطع معها في الرؤية السياسية، مثل رضا بهلوي، الذي أعرب في أكثر من مناسبة عن أن "إيران المستقبل" يجب ألا تكون معادية لأحد، بمن فيهم إسرائيل.
كما أن بعض مؤتمرات المعارضة في واشنطن تضم شخصيات قريبة من دوائر اللوبي الصهيوني مثل "إيباك"، وتعوّل هذه المعارضة على الضغط الإسرائيلي داخل دوائر صنع القرار الأمريكي لتقويض نفوذ طهران في المنطقة.
وتتعدد أطياف المعارضة الإيرانية في الخارج، ويتم تقسيمها إلى ثلاث فئات رئيسية، أهمها المعارضة السياسية العلمانية والملكية، مثل أنصار رضا بهلوي (نجل الشاه الراحل)، وحركات علمانية ليبرالية تطالب بدولة مدنية، وتمركزها الأساسي في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وبعض الدول الأوروبية، ويتقاطع خطابها جزئيًا مع الرؤية الغربية والإسرائيلية في ضرورة إسقاط النظام الديني الحالي.

حركات انفصالية
وثانيها الحركات الانفصالية، والتي تشمل حركات كردية وبلوشية وتركمانية وعربية (مثل حركة تحرير الأحواز)، ولها امتدادات ميدانية داخل إيران، وارتباطات مع دول إقليمية، وهناك اتهامات بتلقي دعم أمني خارجي، من ضمنه إسرائيل.
وتتصدرها الحركة الأحوازية، التي تسعى إلى فصل إقليم خوزستان (ذي الأغلبية العربية)، والتي تتهمها السلطات الإيرانية بأنها ممولة ومدعومة من إسرائيل ماديًا ولوجستيًا، فضلًا عن الجماعات الكردية التي تراها إسرائيل حليفًا استراتيجيًا على الحدود الغربية، لاسيما في ظل دعمها للحركات الكردية في العراق، ما يفتح الباب أمام امتداد هذا الدعم إلى أكراد إيران، رغم عدم وجود علاقات معلنة بين الطرفين.
كما لم تستبعد السلطات الإيرانية الأقلية البلوشية التي تتمركز في الجنوب الشرقي، ويمثلها تنظيم "جيش العدل" السني، من تهمة التعاون سرًا مع الموساد الإسرائيلي، لا سيما أن الكيان الصهيوني يعمل على اختراق مناطق نفوذ الحرس الثوري عند الحدود الباكستانية.
منظمات مسلحة
وثالثها المنظمات المسلحة، وتعد منظمة "مجاهدي خلق" أبرز هذه التنظيمات، وقد تم نقل مقرها من العراق إلى ألبانيا، وتحظى بدعم سياسي وإعلامي في واشنطن وباريس، ولها تاريخ في التفاعل مع جهات معادية لطهران، أبرزها إسرائيل. تُعتبر منظمة "مجاهدي خلق" (MEK) اللاعب الأبرز في هذا الملف، وقد اتُهمت مرارًا بالتعاون مع إسرائيل في تنفيذ عمليات تخريبية داخل إيران.

منظمة مجاهدي خلق
وفق تقارير أمريكية (2012–2015)، ذكرت أن الموساد درّب عناصر من "مجاهدي خلق" على عمليات اغتيال، أبرزها استهداف علماء نوويين إيرانيين بين عامي 2010 و2012، كما أن صحيفة NBC نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن "إسرائيل" موّلت وسلّحت "مجاهدي خلق" في عمليات داخل إيران. وفي عام 2012، قدّمت المنظمة معلومات دقيقة عن منشأة "نطنز" النووية، وهو ما اعترف به مسؤولون إسرائيليون لاحقًا بتورط الموساد في تزويدهم بها.
تسعى منظمة "مجاهدي خلق" إلى الإطاحة بالنظام الإيراني بأي ثمن، وترى في التعاون مع إسرائيل وسيلة تكتيكية، وتعتبر تل أبيب المنظمة أداة ضغط مؤثرة داخل إيران، خصوصًا بعد إدراجها في قوائم الإرهاب سابقًا، ثم رفع اسمها لاحقًا من قبل أوروبا وأمريكا.
استراتيجية التخوين
استراتيجية التخوين يحرص النظام الإيراني دائمًا على اتهام كل معارض بالتبعية لإسرائيل أو أمريكا حتى إن لم توجد أدلة، خاصة أن خطابات المرشد الأعلى والحرس الثوري تستخدم مصطلحات مثل: "أدوات الصهيونية"، و"عملاء الموساد"، و"جواسيس تل أبيب"، وتُستخدم هذه التهم لتبرير حالة التضييق السياسي، إلا أن المبالغة في هذه الخطابات جعلت الكثير من الإيرانيين يشككون في صدقيتها.

استراتيجية الظل
استراتيجية الظل لا تُنكر إسرائيل أنها تعمل على تفكيك النفوذ الإيراني من الداخل، لكنها لا تعلن رسميًا عن طبيعة علاقاتها مع المعارضة، إذ تركز على العمل مع أجهزة استخباراتية غربية لتنسيق الجهود، وتعتمد على حرب سيبرانية (مثل فيروس "ستوكسنت") بالتعاون مع عناصر من المعارضة لتخريب البرامج النووية، لا سيما أن لديها أولويات تكتيكية في منع حصول إيران على السلاح النووي، وتفكيك شبكات الحرس الثوري داخل سوريا ولبنان، ودعم المعارضة بهدف إسقاط النظام دون تدخل عسكري مباشر.
المأزق الأخلاقي
المأزق الأخلاقي يطرح التعاون المشترك بين المعارضة الإيرانية والكيان الصهيوني إشكالات أخلاقية وشعبية، أبرزها فقدان المصداقية لدى الشعب الإيراني الذي نشأ على خطاب "العداء للصهيونية"، وإمكانية استغلال النظام لذلك لشيطنة المعارضة، فضلًا عن ارتباك المعارضة في تبرير علاقاتها مع دولة الاحتلال المتهمة باغتيال العلماء الإيرانيين.
وترى بعض فصائل المعارضة أن التواصل مع "الشيطان" أهون من بقاء دولة "ولاية الفقيه"، وأن التحالف بين المعارضة وإسرائيل حالة مؤقتة وذات طابع تكتيكي، لكن لا شك أن أثمانه السياسية والشعبية قد تكون باهظة على المدى البعيد، خصوصًا إذا استُخدم لتبرير تدخل خارجي عسكري أو لإعادة إنتاج نماذج استعمارية تحت لافتة "التحرر الوطني".
بات المشهد الإيراني معقدًا ومتداخلًا، خاصة منذ الحرب الأخيرة، ويخضع لحسابات إقليمية ودولية كبرى. فبينما تسعى إسرائيل لإسقاط النظام خدمةً لأمنها القومي، ترى بعض أطراف المعارضة أنها لن تستطيع بلوغ غاياتها دون الاستعانة بقوى كبرى، حتى لو كانت مثيرة للجدل، لكن المؤكد أن مستقبل هذا التواصل يعتمد على المتغيرات التالية: مدى قدرة المعارضة على بناء مشروع سياسي جامع يتجاوز الولاءات الخارجية، ونجاح إسرائيل في تحقيق اختراقات استراتيجية داخل إيران، وتغير الموقف الدولي، خاصة الأمريكي، تجاه النظام الإيراني.



