رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ميانمار في مواجهة العالم: عزلة متزايدة وارتباط متعمّق بالمحور الآسيوي

يواجه النظام العسكري في ميانمار عزلة دولية شديدة، إذ فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على قادته، بينما تواصل الصين وروسيا دعمه بالسلاح والمعدات العسكرية، ما يمنحه القدرة على الصمود ميدانيًا، حيث أدخلت موسكو وبكين مروحيات وطائرات حربية إلى الخدمة بقواتها الجوية، فيما تواصل الدولتان تزويد الحكومة التي يديرها الجيش بالمعدات رغم الضغط الدولي لإنهاء الحرب الأهلية الدموية.

وتُعد صفقات السلاح التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات مؤشرًا على استمرار انقسام المواقف الدولية تجاه الأزمة، وعلى دخول الصراع في مرحلة طويلة الأمد تتجاوز البُعد المحلي إلى منافسة جيوسياسية بين الشرق والغرب في جنوب شرق آسيا.

خلفية تاريخية.. جذور الصراع بعد الاستقلال

أعلنت ميانمار، المعروفة سابقًا باسم بورما، استقلالها عن بريطانيا عام 1948، لكنها ورثت دولة متعددة الأعراق تضم أكثر من 130 جماعة إثنية؛ لذلك سرعان ما اندلعت نزاعات مسلحة بين الحكومة المركزية والمجموعات العرقية المطالِبة بالحكم الذاتي، مثل الكاشين والشان والكارين، وشهدت البلاد أول انقلاب عسكري عام 1962 بقيادة الجنرال ني وين، الذي فرض نظامًا عسكريًا اشتراكيًا استمر لعقود، وأقصى الأحزاب المدنية وأغرق البلاد في عزلة اقتصادية وسياسية.

رئيس المجلس العسكري في ميانمار والرئيس الصيني 
رئيس المجلس العسكري في ميانمار والرئيس الصيني 

وفي عام 1988، خرجت احتجاجات طلابية وشعبية واسعة للمطالبة بالديمقراطية، قمعتها المؤسسة العسكرية بعنف مفرط، ما أدى إلى مقتل الآلاف، وبرزت في تلك الفترة أونغ سان سو تشي كرمز للمعارضة المدنية، وحازت لاحقًا جائزة نوبل للسلام عام 1991، ورغم فوز حزبها في انتخابات 1990، رفض الجيش الاعتراف بالنتائج واستمر في الحكم بقبضة حديدية.

ومع حلول عام 2011، أجرى الجيش بعض الإصلاحات الشكلية فسمح بانتخابات برلمانية ودخول المعارضة إلى الحياة السياسية، ثم تولّت أونغ سان سو تشي رئاسة الحكومة المدنية عام 2016، لكن الجيش احتفظ بسيطرة كبيرة على وزارات الدفاع والداخلية.

تصاعد التوتر بين الجانبين، خاصة بعد اتهام الحكومة المدنية للجيش بارتكاب جرائم إبادة ضد مسلمي الروهينجا عام 2017، ما زاد من عزلة البلاد دوليًا.

ثم نفذ الجيش انقلابًا عسكريًا أطاح بحكومة أونغ سان سو تشي بزعم تزوير الانتخابات عام 2021، أعقب ذلك موجة احتجاجات واسعة واجهها الجيش بالقمع والاعتقالات، لتتحول البلاد تدريجيًا إلى حرب أهلية مفتوحة بين الجيش وميليشيات المقاومة المدنية والعرقية.

ومنذ ذلك الحين، يعيش أكثر من ربع سكان ميانمار في مناطق نزاع، مع انهيار الخدمات الإنسانية وتزايد التدخلات الخارجية.

دعم روسي–صيني لكسر عزلة ميانمار

تعيش ميانمار حالة من عزلة دولية متصاعدة منذ الانقلاب العسكري الذي نفّذه الجيش في فبراير 2021، ونتج عن هذا الانقلاب إدانة واسعة من المجتمع الدولي، تبعتها عقوبات سياسية واقتصادية فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، شملت قادة المجلس العسكري وشركات تابعة له، إلى جانب تجميد الأصول المالية وفرض قيود على حركة الاستثمارات الأجنبية. 

وأدّت هذه العقوبات إلى تراجع العلاقات الدبلوماسية لميانمار مع معظم دول العالم، حيث علّقت رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) مشاركة قادة الجيش في اجتماعاتها، فيما رفضت الأمم المتحدة منح ممثل النظام العسكري مقعد البلاد، كما انسحبت شركات طاقة واتصالات كبرى من السوق الميانمارية، مما زاد من تدهور الاقتصاد المحلي وتفاقم الأوضاع الإنسانية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس المجلس العسكري في ميانمار 
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس المجلس العسكري في ميانمار 

ورغم هذه العزلة، لا تزال ميانمار تحتفظ بعلاقات وثيقة مع الصين وروسيا، اللتين تمثلان نافذتها الأساسية نحو العالم الخارجي، إذ واصلت الدولتان دعم المجلس العسكري سياسيًا وعسكريًا، عبر تزويده بالمعدات الحربية وتوقيع اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية.

ومن المتوقع أن يؤدي استمرار هذا الدعم إلى إطالة أمد الصراع الداخلي ويحدّ من فاعلية الضغوط الدولية الرامية لإعادة الحكم المدني إلى البلاد.

عقوبات اقتصادية وقيود دبلوماسية

منذ الأيام الأولى للانقلاب، أصدرت الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وكندا، واليابان بيانات إدانة شديدة اللهجة، مطالبة بإطلاق سراح الزعيمة المدنية أونغ سان سو تشي وجميع المعتقلين السياسيين. كما دعا مجلس الأمن الدولي إلى وقف فوري للعنف ضد المدنيين وعودة البلاد إلى المسار الديمقراطي، غير أن اعتراض كلٍّ من الصين وروسيا حال دون صدور قرارات عقابية ملزمة تحت الفصل السابع.

لجأت كلٌّ من واشنطن وبروكسل إلى سلسلة من العقوبات المالية والتجارية على كبار قادة الجيش وشركاته الاقتصادية، شملت تجميد أصول، ومنع سفر، ووقف صادرات الأسلحة والتكنولوجيا ذات الاستخدام العسكري. كما علّقت العديد من الدول الغربية التعاون التنموي مع حكومة نايبيداو، في حين سحبت شركات عالمية كبرى استثماراتها من البلاد، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية.

الزعيمة المدنية أونغ سان سو تشي
الزعيمة المدنية أونغ سان سو تشي

على المستوى الإقليمي، تبنّت رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) نهجًا متدرجًا، إذ منعت قادة الجيش من حضور قممها، لكنها أبقت على قنوات الاتصال لأغراض إنسانية وسياسية. ومع ذلك، واجهت آسيان انتقادات بسبب عجزها عن اتخاذ خطوات حازمة، بينما تحافظ الصين وتايلاند والهند على مقاربة أكثر براغماتية لحماية مصالحها الحدودية والاقتصادية.

رغم كل هذه الضغوط، لم يبدِ المجلس العسكري أي استعداد للتراجع أو التفاوض مع المعارضة، ما جعل ميانمار تغرق أكثر في العزلة الدولية. وفي المقابل، استغلّت كلٌّ من الصين وروسيا هذا الفراغ لتوسيع نفوذهما عبر صفقات السلاح ومشاريع البنية التحتية، ما جعل الصراع في ميانمار يتحول إلى قضية جيوسياسية دولية تتجاوز حدودها الوطنية.

ختامًا:

تكشف أزمة ميانمار عن توازن هش بين الضغوط الدولية والدعم الشرقي، إذ لم تؤدِّ العقوبات الغربية والعزلة السياسية إلى إضعاف قبضة المجلس العسكري بقدر ما دفعته إلى توثيق تحالفاته مع الصين وروسيا. وبينما يزداد الوضع الإنساني تدهورًا وتتعمّق الانقسامات الداخلية، يبدو أن البلاد دخلت مرحلة طويلة من الجمود السياسي والصراع المستمر، في ظل غياب توافق دولي على آلية حاسمة لإنهاء الأزمة.

وهكذا تبقى ميانمار اليوم نموذجًا صارخًا لكيفية تحوّل الأزمات الداخلية إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، يدفع ثمنها الشعب قبل أي طرف آخر.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء