رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التطبيع المؤجل: لماذا تبقى سوريا خارج مسار أبراهام رغم التحولات الإقليمية؟

أحمد الشرع مع الرئيس
أحمد الشرع مع الرئيس ترامب

مع تزايد المؤشرات على ترتيبات إقليمية جديدة ودور أمريكي متزايد في الشرق الأوسط، تبرز تساؤلات حول إمكانية انضمام سوريا إلى مسار التطبيع الرسمي مع إسرائيل في المستقبل، ورغم أن دمشق ترفض حاليًا أي حديث عن علاقات مع تل أبيب، إلا أن تغير موازين القوى، وضغوط ما بعد الحرب، وملف إعادة الإعمار قد تفتح الباب أمام تحولات تدريجية في هذا الاتجاه. 

ردًّا على سؤال حول احتمال انضمام دمشق إلى اتفاقيات "أبراهام" مع إسرائيل، لم يرفض أحمد الشرع الرئيس السوري صراحة، مؤكدًا أن الظروف السورية تختلف جذريًا عن أوضاع الدول التي انخرطت في تلك الاتفاقيات، مشيرًا إلى أن بلاده ما زالت على تماس مباشر مع إسرائيل التي تحتل مرتفعات الجولان منذ عام 1967. 

ولفت الشرع إلى أن الرئيس دونالد ترامب قد يسهم في التوصل إلى تفاهم أمني جديد مع إسرائيل، آملًا أن يتم إحياء اتفاق فصل القوات الموقع بين الجانبين عام 1974.

سيناريوهات محتملة لتطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل

الرئيس السوري أحمد الشرع
الرئيس السوري أحمد الشرع

ويمكن تلخيص احتمالات انضمام دمشق إلى معاهدة أبراهام في أربعة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول:

يتمثل في تطبيع سوري–إسرائيلي بعيد المدى، وذلك سيكون مشروطًا ومؤجلًا إلى ما بعد تسويات سياسية كبرى في المنطقة، إذ يعتمد هذا السيناريو على انسحاب تدريجي للقوات الإيرانية من الأراضي السورية، مقابل حوافز اقتصادية واعمارية تقدمها واشنطن ودول الخليج، كما قد يشمل ترتيبات خاصة بهضبة الجولان تضمن لإسرائيل الأمن الحدودي، مقابل اعتراف محدود بحقوق سورية رمزية أو اقتصادية في المنطقة.

 السيناريو الثاني:

 يتعلق بتعاون اقتصادي دون تطبيع سياسي، وهو أن تسلك دمشق طريقًا براجماتيًا يجلب لها الاستثمارات، فمن المحتمل أن تنفتح على مشاريع مشتركة مع دول موقعة على اتفاقات أبراهام، من دون أن تصل إلى مرحلة التطبيع الكامل مع إسرائيل، ويضمن هذا للنظام السوري الاستفادة من التمويل الخليجي والغربي مع الحفاظ على موقفه السياسي المعلن الرافض للاعتراف الرسمي بإسرائيل.

السيناريو الثالث:

يتوقع أن ترضخ سوريا لضغوط واشنطن وتنضم إلى الاتفاقيات الإبراهيمية بوساطة دولية وإقليمية، وذلك في إطار إعادة تشكيل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، وقد تلعب موسكو دورًا في تسهيل هذا السيناريو من خلال ضمان مصالحها ومصالح إيران داخل سوريا، مقابل موافقة جزئية على تطبيع تدريجي بين دمشق وتل أبيب. هذا المسار يعتمد على صفقة متعددة الأطراف تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية.

الرئيس ترامب أمام حائط المبكى -أرشيفية
الرئيس ترامب أمام حائط المبكى -أرشيفية

السيناريو الرابع:

 أن ترفض دمشق التطبيع استنادًا إلى عوامل داخلية تتعلق بالشرعية الوطنية وموقف الرأي العام من الاحتلال الإسرائيلي للجولان، إضافة إلى استمرار التحالف الوثيق بين دمشق وطهران. في هذه الحالة، ستستمر سوريا في الانخراط في علاقات غير مباشرة عبر وسطاء إقليميين، دون الانتقال إلى مستوى الاعتراف أو التطبيع. 

التقارب السوري–الأمريكي.. بوابة للسلام الإبراهيمي

ترتبط الحالة السورية بشبكة معقدة من التحالفات والمصالح المتداخلة، تشمل الولايات المتحدة وإيران وروسيا ودول الخليج، وتسهم التطورات السياسية المتسارعة في المنطقة في ترجيح فكرة التطبيع كورقة تفاوض مستقبلية تستخدمها دمشق لتحسين موقعها الإقليمي والحصول على مكاسب اقتصادية ودبلوماسية في مرحلة ما بعد الحرب.

نتنياهو
نتنياهو

ومع محاولات إعادة صياغة المشهد الإقليمي بعد سنوات من العزلة والعقوبات، فإن أي تقارب محتمل بين الجانبين قد يشكل مدخلًا سياسيًا لتسهيل خطوات تطبيع تدريجية بين سوريا وإسرائيل، في حال توافرت ضمانات دولية واقتصادية كافية تضمن مصالح النظام السوري وتخفف من الضغوط الإقليمية عليه.

وتعد الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على تقديم ضمانات سياسية وأمنية حقيقية لدمشق في حال سلكت طريق التطبيع مع إسرائيل، وتشمل هذه الضمانات تخفيف العقوبات الاقتصادية، ودعم جهود إعادة الإعمار، إضافة إلى فتح قنوات تمويل دولية عبر المؤسسات المالية الغربية. كما يمكن لواشنطن أن تلعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين دمشق وتل أبيب حول ملفات شائكة، أبرزها الوضع في الجولان والأمن الحدودي وترتيبات ما بعد الحرب السورية.

تحديات مسارات التطبيع

مع الحديث عن اتفاق أمني مرتقب بين دمشق وتل أبيب، فلا يزال الداخل السوري عائقًا أمام أي قرار سريع للتطبيع، إذ تبقى القضية الإسرائيلية خطًا أحمر سياسيًا وشعبيًا، حيث ارتبط الموقف الرسمي الرافض للتطبيع بتاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي واحتلال الجولان.

ترامب ونتنياهو واتفاقية إبراهام
ترامب ونتنياهو واتفاقية إبراهام

أي خطوة في هذا الاتجاه ستحتاج إلى تهيئة داخلية طويلة الأمد، وإطار سياسي يربط التطبيع بحل القضايا العالقة، مثل الانسحاب من الجولان وضمان الحقوق الفلسطينية؛ لذلك لن تقدم دمشق على اعتراف رسمي بإسرائيل إلا ضمن صفقة إقليمية كبرى تضمن مكاسب واضحة على المستوى الداخلي والدولي.

بالإضافة إلى ما سبق، ورغم ما قد يوفره التقارب الأمريكي من مكاسب، إلا أن النفوذ الإيراني والروسي في سوريا يمثل العائق الأكبر أمام أي مسار تطبيعي مع إسرائيل، فكل من طهران وموسكو تنظران إلى سوريا باعتبارها ساحة نفوذ استراتيجي، وترفضان أي اتفاق قد يهدد مصالحهما أو يقلص وجودهما العسكري.

لكن، رغم العقبات القائمة، يمكن أن يمهد التقارب السوري–الأمريكي لتفاهمات غير معلنة تفتح الباب أمام اتفاقات جزئية في مجالات اقتصادية أو إنسانية كمرحلة أولى نحو انخراط أوسع في مسار التطبيع الإقليمي. ومع ذلك، تبقى فرص تحقيق هذا السيناريو مرهونة بمدى استعداد واشنطن لتقديم حوافز ملموسة، وقدرة دمشق على الموازنة بين مصالحها مع إيران وروسيا ورغبتها في الخروج من العزلة السياسية والاقتصادية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء