أكبر مجزر بشري بالشرق الأوسط.. تاريخ إسرائيل الأسود في سرقة أعضاء الشهداء
في تحقيق موسّع تحت عنوان: تاريخ إسرائيل في سرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيين، استعرض عربي بوست، وقائع، شهادات، وأدلة على تلك الدولية التي أصبحت أكبر مجزر بشري بالشرق الأوسط.
وبالرغم من تاريخ إسرائيل الطويل في سرقة أعضاء الشهداء، إلا أن حرب غزة 2023، كانت محطة فارقة في تلك التجارة البشرية القذرة.
تاريخ إسرائيل بسرقة أعضاء الشهداء الفلسطينيين
في نوفمبر 2023، ومع اشتداد العدوان الإسرائيلي على غزة، أعلنت منظمات فلسطينية وحقوقية أن قوات الاحتلال نقلت عشرات الجثامين من مستشفيات شمال القطاع إلى مواقع مجهولة.

ووثق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان حالات تسليم جثث فلسطينية ناقصة لأهاليها، وطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية حول احتمال تعرضها لسرقة أعضاء.
وأعرب المرصد عن قلق بالغ بعد اطلاع أطباء في غزة على بعض الجثث المُفرج عنها، حيث أظهرت الفحوص السريعة فقدان القوقعة والقرنية، إضافة إلى أعضاء حيوية كالكبد والكلى والقلب، في مؤشرات وُصفت بأنها "أدلة أولية" على عمليات نزع أعضاء.
وفي 26 ديسمبر 2023، اتهم المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسرائيل بسرقة أعضاء من 80 جثمانًا لفلسطينيين من شمال القطاع، داعيًا إلى لجنة تحقيق دولية مستقلة في الحادثة، ومؤكدًا أن الاحتلال يتعامل مع الجثامين خارج كل المعايير الإنسانية والطبية.
وتواصلت الاتهامات خلال حرب الإبادة على غزة، ففي 25 أبريل 2024، أعلن جهاز الدفاع المدني في غزة وجود شبهات قوية بتعرض عدد من الضحايا في ثلاث مقابر جماعية مكتشفة داخل مجمع "مستشفى ناصر" لسرقة أعضائهم.
وجاء ذلك بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من المستشفى في 7 أبريل، وخلال مؤتمر صحفي، عرض مدير إدارة الإمداد والتجهيز بالدفاع المدني محمد المغير، مقطع فيديو يُظهر جثثًا بدت عليها آثار التعذيب والتكبيل بقيود بلاستيكية.
وأكد المغير، أن طواقم الدفاع المدني وجدت جثثًا مربوطة الأيدي وبطونها مفتوحة ومخاطة بطريقة غير مألوفة في قطاع غزة، ما أثار شبهات حول اختفاء أعضاء بشرية من داخلها.
"للقصة بقية" تحقيق للجزيرة يوثق الوقائع
وبعد توقف الحرب، عاد الملف للواجهة بقوة، ففي 4 نوفمبر 2025، بث برنامج "للقصة بقية" على قناة الجزيرة صورًا حصرية لجثامين فلسطينيين أعيدت من سلطات الاحتلال وعليها خياطات دقيقة في الرأس والصدر، بما يشير إلى عمليات نزع أعضاء داخلية.
واستضاف البرنامج أطباء أكدوا أن تلك العلامات لا يمكن أن تكون ناتجة عن إصابات حرب، بل تدل على تشريح كامل للجسد.
وأكد الجراح الفلسطيني غسان أبو ستة، بعد فحص الصور أن الجثامين التي وصلت من مناطق رفح وخان يونس كانت "مفرغة تمامًا من الأعضاء الحيوية"، واصفًا ما يحدث بأنه "نهب منظم للأجساد الفلسطينية".

مقابر الأرقام.. سرقة ممنهجة لأعضاء الجثث الفلسطينية
في تقرير سابق، أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن لإسرائيل تاريخًا طويلاً في احتجاز جثامين الفلسطينيين داخل "مقابر الأرقام"، الواقعة شمالاً قرب الحدود الأردنية، والممنوع على العامة دخولها.
ووفقًا للمرصد، تُخزن إسرائيل الجثث فيما تُسميه "مقابر المقاتلين الأعداء"، وتدفنها دون أي علامات سوى صفائح معدنية، في ظروف حرارية تصل أحياناً إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر، وهو ما يسمح ـ حسب المرصد ـ بإخفاء أي تلاعب بالأعضاء.
وأضاف المرصد أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تحتجز جثث من تقتلهم بشكل ممنهج، وتُصنف باعتبارها أحد أكبر مراكز التجارة غير المشروعة بالأعضاء البشرية، تحت ذرائع "الردع الأمني"، في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية.
الجذور الأولى للاتهامات: معهد أبو كبير
تعود أولى الشهادات الموثقة عن هذه الممارسات إلى منتصف التسعينيات داخل معهد الطب الشرعي "أبو كبير" في تل أبيب، حيث بدأت تتسرب شهادات عن نزع أعضاء من جثث فلسطينيين دون علم ذويهم عقب المواجهات العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وفي عام 2009، فجرت صحيفة Aftonbladet السويدية القضية عالميًا عبر تحقيق بعنوان: "أبناؤنا نُهبت أعضاؤهم"، نقل شهادات لشبان فلسطينيين من الخليل وجنين تحدثوا عن تسليم جثث أقاربهم بعد أيام من احتجازها وعليها ندوب جراحية غير مألوفة.
وبعد نشر التحقيق بأسابيع، ظهرت مقابلة صوتية للبروفيسور يهودا هيس، مدير معهد أبو كبير، سجلت عام 2000، تحدث فيها لمدة ساعة تقريبًا عن العمليات الجراحية التي أجريت على الجثث - بما فيها جثث فلسطينيين - دون علم الأهالي.
واعترف بأن المعهد احتفظ بأعضاء من جثامين فلسطينيين وإسرائيليين "لأغراض علمية"، بما في ذلك القرنيات والأعضاء الحيوية والجلد البشري.
وأوضح هيس في المقابلة أن العاملين في المعهد كانوا يلصقون جفون الجثث لمنع اكتشاف إزالة القرنيات.

شهادات من داخل إسرائيل: "على جثثهم"
لاحقاً، كشفت الطبيبة الشرعية الإسرائيلية ميرا فايس في كتابها "على جثثهم" أن الأعضاء التي أُخذت من الفلسطينيين استخدمت في أبحاث طبية في كليات الطب الإسرائيلية، وزُرعت في أجساد مرضى يهود دون علم عائلات الضحايا.
وقالت فايس: "شاهدتُ كيف كانوا يأخذون أعضاءً من جسد فلسطيني، ولا يفعلون ذلك مع الجنود، كانوا يأخذون قرنيات وجلودًا وصمامات قلبية".
وأكدت أن المهنيين كانوا يضعون مواد بلاستيكية مكان القرنيات، ويأخذون الجلد من مناطق غير ظاهرة كي لا يلاحظ الأهالي شيئًا.
وعلى الرغم من أن الاحتلال ادعى لاحقا توقفه عن هذه الممارسة، فإن اشتراطه المستمر عدم تشريح الجثامين قبل تسليمها أثار تساؤلات واسعة بين أهالي الشهداء.
شهادات سياسية ورسمية فلسطينية
كشف رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض، أن قوات الاحتلال كانت تُجبر عائلات الشهداء خلال الانتفاضة الأولى على دفن أبنائهم ليلاً، ومنعهم من فتح الأكفان أو رؤية الجثث، ما اعتبره فياض دليلاً على احتمال نزع أعضاء قبل إعادة الجثث.
وفي يوليو 2022، اتهم رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، إسرائيل باستخدام جثامين الشهداء المحتجزة في مختبرات الطب بالجامعات الإسرائيلية، داعياً لفرض مقاطعة أكاديمية على تلك المؤسسات، والضغط للإفراج الفوري عن الجثث.
وفي نوفمبر 2015، وجه السفير الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور، رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك بان كي مون، اتهم فيها إسرائيل بسرقة أعضاء الشهداء، مؤكداً أن الفحوص الطبية على عدد من الجثامين العائدة أظهرت "فقدان أعضاء كاملة".

شبكات تجارة الأعضاء ودور إسرائيلي بارز
ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في تحليل نشرته عام 2014، حول قضايا الاتجار بالأعضاء منذ عام 2000، أن الإسرائيليين لعبوا "دورًا غير متناسب" في تجارة الأعضاء، وأن وسطاء زراعة الأعضاء في إسرائيل حصلوا على أرباح ضخمة.
وفي تحقيق نشرته هآرتس عام 2018، وُصفت إسرائيل بأنها إحدى المراكز النشطة عالميًا في تجارة الأعضاء غير المشروعة، مع ازدياد الانخراط الإسرائيلي في هذا المجال خلال العقدين الأخيرين.
وكشفت الصحيفة عن شبكات اتجار بالأعضاء جرى كشفها داخل إسرائيل دون اتخاذ إجراءات رسمية حاسمة، مشيرة إلى محاكمة عام 2003، التي حاولت فيها النيابة العامة إدانة شبكة إسرائيلية بتهم تتعلق بتزوير الوثائق وانتهاك قانون التشريح، لكن المحكمة رفضت معظم هذه المحاولات.



