«اليهود الملحدون في إسرائيل».. تمرد ناعم يضرب عمق الرواية الصهيونية
يُعد اليهود الملحدون في إسرائيل، خطرًا متصاعدًا على الدولة التي تحاول تصدير صورتها للعالم بأنها دولة دينية يهودية صلبة الهوية وذلك رغم أن داخل المجتمع الإسرائيلي صراعًا متصاعدًا حول معنى اليهودية نفسها.
وبالرغم من المحاولات للسيطرة على هذا الصراع الذي من شأنه تدمير الاحتلال الصهيوني، فإن تزايد أعداد اليهود غير المتدينين والملحدين بات يشكل تهديدًا لعودة الصراع.
صراع اليهود الملحدين في إسرائيل مع النظام الحاخامي
هذه الطائفة التي تسيطر على الشباب الإسرائيليين تُعد تحديًا مباشرًا لنفوذ الحاخامية الأرثوذكسية التي تسيطر على مفاصل الحياة اليومية في إسرائيل، بدءًا من الزواج والطلاق والدفن، وصولًا إلى قوانين الهوية والمواطنة.

ولكن تزايد أعداد اليهود الملحدين واللادينيين في إسرائيل هو تحولًا كبيرًا ويعكس أزمة وجودية عميقة تهدد الأساس الذي قامت عليه إسرائيل باعتبارها “وطنًا قوميًا لليهود”.
ووفق القانون الإسرائيلي، فاليهودي هو من ولد لأم يهودية أو اعتنق اليهودية وفق الشريعة"، ولكن هذا التعريف الديني يتصادم مع واقع أن أكثر من 45% من اليهود في إسرائيل لا يلتزمون بالشعائر الدينية، وفق إحصاء لمركز “بيو” الأمريكي عام2022.
36% من الإسرائيليين من "اليهود الملحدين"
تكشف الأرقام في الداخل الإسرائيلي حدة الانقسام، إذ يُقدر نسبة اليهود المتشددين بنحو 12% - وهي فئة ترفض الدولة العلمانية وتدعو إلى دولة دينية كما أنها ترفض التجنيد داخل صفوف الجيش الإسرائيلي.
يبلغ تعداد اليهود المتدينون (من التيار الديني القومي) نحو 14% – وهو تيار يؤمن بالدولة الإسرائيلية ويتبع قوانينها، وأحيانًا يُطلق عليهم اليهود الإصلاحيين.
أما نسبة اليهود التقليديون (وهم بين الدين والحداثة) نحو 38% من نسبة الإسرائيليين، وفي المرتبة الثانية تأتي طائفة اليهود العلمانيين أو الملحدين وتمثل نحو 36% من إجمالي المجتمع.
بينما تشير تقديرات أخرى (داخل الجامعات والجيش) إلى أن ما بين 13-18% من اليهود الشباب يُعرفون أنفسهم “ملحدين تمامًا”.

لماذا يتمرد الشباب اليهود على الدين؟
هناك عدة أسباب رئيسية تجعل الشباب الإسرائيلي يهرب إلى الإلحاد، على رأسها التجنيد الإجباري، فالعلمانيون يخدمون في الجيش الإجباري، بينما يُعفى الحريديم المتدينون من الخدمة.
يولد هذا النظام شعورًا بالظلم الطبقي، ما يجعل الشباب ينقلبون على المؤسسة الدينية.
كما أن غلاء المعيشة وسيطرة الحاخامية في عدد من الأمور الحياتية يجعل الشباب اليهود في حالة استياء من المؤسسات الدينية، إذ يتدخل الحاخام في عقود الزواج والطلاق وتفاصيل الحياة اليومية والطعام وطرق الدفن وغيرهم من الأمور.
وهذا يُشعر الشباب بالنفور من مدى نفوذ رجال الدين على الحياة اليومية.

تمرد ناعم يضرب عمق الصهيونية
الملحدون في إسرائيل لا يتحركون كحركة منظمة، لكنهم يستخدمون أدوات ثقافية مثل الزواج المدني في قبرص (للهروب من الحاخامية)، والذهاب إلى المطاعم “غير كوشير” – أي الطعام بها ليس حلال كونه لا يُخالف الشريعة اليهودية.
كما يلجأ الملحدون إلى مبادرات دفن مدني، ويروجون لما يُعرف بموسيقى “الروك اليهودي المعاصر” والمهرجانات المضادة للأعياد الدينية.
يعتبر المراقبون هذا على إنه تمرد ناعم، لكنه يضرب أعمق نقطة في الرواية الصهيونية، فإذا كانت اليهودية ليست دينًا، فما الذي يبقي اليهود كشعب واحد؟
وبالطبع، تخشى المؤسسة الصهيونية من اتساع هذه الظاهرة لعدة أسباب منها تفكك الهوية اليهودية وتراجع الولاء للمؤسسة العسكرية وهما عاملان قادران على خنق الدولة اليهودية التي ستتآكل شرعيتها مع تآكل مبادئها الرئيسية.

