رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الفهود السود.. أسطورة «الوطن» في وجه مأساة اليهود السفارديم

اليهود السفارديم:
اليهود السفارديم: الفقر والواقع المعيشي

اليهود السفارديم – المزراحيم – شوكة في ظهر السردية الإسرائيلية، بأن إسرائيل  “وطن ديمقراطي موحد لليهود من كل الأصول”.

فالواقع الداخلي لتلك الطائفة التي تمثل نحو 20% من إجمالي السكان تكشف انقسامًا اجتماعيًا واقتصاديًا حادًا بين اليهود الأشكناز القادمين من أوروبا، واليهود السفارديم أو المزراحيم القادمين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

والسفارديم أو المزراحيم هم يهود الشرق الذي هاجروا من الدول العربية إلى إسرائيل. 

 

مأساة "اليهود السفارديم" تحطم سردية "الوطن" في إسرائيل

وراء واجهة الاندماج، يعيش مئات الآلاف من السفارديم في دوائر الفقر والتهميش، في بلدات الأطراف ومدن التطوير التي أقيمت منذ الخمسينيات لتوطينهم بعيدًا عن مراكز النفوذ في تل أبيب وحيفا والقدس.

<span style=
مأساة "اليهود السفارديم" تحطم سردية "الوطن" في إسرائيل

وبحسب تقرير مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلي لعام 2023، يعيش أكثر من 1.98 مليون شخص تحت خط الفقر، أي نحو 20.7% من سكان إسرائيل، وتُعد النسبة بين العائلات السفاردية أعلى من المتوسط الوطني. 

وتُظهر دراسات متعددة أن أبناء المزراحيم يشغلون النسبة الأكبر من الشرائح ذات الدخل المنخفض، وأن الفجوة بينهم وبين الأشكناز لا تزال قائمة رغم مرور ثلاثة أجيال على تأسيس إسرائيل.

والتمييز ليس مجرد رقم في الإحصاءات، بل واقع يومي يتجلى في فرص التعليم والعمل والسكن، وحتى في النظرة الثقافية التي ما زالت تنظر إلى “اليهودي الشرقي” كأقل شأنًا من “اليهودي الأوروبي".

اليهود السفارديم: أبناء الشرق وجذور التهميش

منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948، شجعت الحركة الصهيونية هجرة اليهود من العالم العربي وشمال أفريقيا إلى الدولة الجديدة، غير أن استقبال هؤلاء القادمين الجدد تم في ظروف قاسية.

نُقل أبناء الشرق إلى معسكرات مؤقتة، ثم إلى ما عُرف بـ«مدن التطوير» في النقب والجليل، بعيدًا عن المدن الساحلية الغنية التي سكنها الأشكناز القادمون من أوروبا الشرقية والغربية.

ولم يكن التمييز مادياً فقط، بل ثقافياً أيضًا، فقد فرضت النخبة الأشكنازية هيمنتها على مؤسسات الدولة، والتعليم، والإعلام، والجيش، فيما جرى تهميش الثقافة السفاردية واللغات العربية والفارسية والمغاربية التي جاء بها المهاجرون الشرقيون.

وحتى منتصف السبعينيات، ظل أبناء المزراحيم يمثلون الطبقة العاملة الفقيرة، فيما احتكر الأشكناز المناصب الإدارية والأكاديمية. 

وظهرت في تلك الفترة احتجاجات “الفهود السود” في القدس عام 1971، والتي طالبت بإنهاء التمييز الطبقي والاعتراف بمعاناة اليهود الشرقيين.

<span style=
اليهود السفارديم: الفقر والواقع المعيشي

اليهود السفارديم: الفقر والواقع المعيشي

رغم التطور الاقتصادي الذي شهدته إسرائيل خلال العقود الأخيرة، فإن الفوارق بين السفارديم والأشكناز ما زالت واضحة.

تشير دراسات صادرة عن مركز Adva Center إلى أن متوسط أجور الأشكناز أعلى بنحو 40 إلى 45% من أجور المِزراحيم. 

كما تُظهر بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي أن معدلات الفقر في المدن التي يتركز فيها السفارديم مثل ديمونة، كريات شمونة، وبيت شيمش، تتجاوز 25%، بينما تنخفض إلى أقل من 10% في المدن ذات الغالبية الأشكنازية مثل هرتسليا ورعنانا.

إضافة إلى ذلك، فإن نسب البطالة الجزئية والعمل غير المستقر أعلى بين أبناء العائلات المِزراحية، وغالبًا ما يشغلون وظائف في قطاعات الصناعة والخدمات ذات الدخل المنخفض.

وأشار تقرير «تاوب سنتر» لعام 2022 أيضًا إلى أن النساء من أصول شرقية هن أقل توظيفًا من نظيراتهن الأشكنازيات، خاصة في الفئات المتزوجات والمطلقات، ما يعكس فجوة مزدوجة قائمة على النوع الاجتماعي والأصل العرقي.

<span style=
اليهود السفارديم: الفقر والواقع المعيشي

فجوات التعليم وضعف الحراك الاجتماعي

يُعد التعليم أحد أهم المؤشرات التي تكشف عمق الفجوة بين المجموعتين، فبحسب دراسة أُجريت عام 2019 في جامعة تل أبيب، فإن نسبة الحاصلين على درجة جامعية بين أبناء الجيل الثالث من الأشكناز بلغت 56.4%، مقابل 36% فقط بين المِزراحيم.

وفي التعليم الثانوي، تظهر الفوارق مبكرًا؛ إذ تُسجل المدارس في المناطق ذات الأغلبية المِزراحية معدلات إنجاز أدنى في امتحانات البجروت (شهادة الثانوية الإسرائيلية)، مقارنة بالمناطق التي تسكنها أغلبية من الأشكناز.

ويُضاف إلى ذلك دراسة لمعهد الديمقراطية الإسرائيلي (IDI) أوضحت أن احتمالية انتقال أبناء المزراحيم من الطبقة الفقيرة إلى الطبقة المتوسطة خلال جيل واحد أقل بكثير من أبناء الأشكناز، ما يعني أن الفقر في المجتمعات الشرقية ينتقل وراثياً.

<span style=
اليهود السفارديم: الفقر والواقع المعيشي

الفهود السود: التمييز الثقافي والمؤسسي

الشعور بالاغتراب الثقافي هو المأساة الحقيقية لليهود السفارديم، فالسردية الرسمية التي صاغتها الحركة الصهيونية الأولى - ذات الجذور الأوروبية - جعلت من “اليهودي الشرقي” نموذجًا أدنى، وصورته في الأدب والدراما على أنه تقليدي، صاخب، وغير متحضر.

ولا تزال آثار هذا التمثيل قائمة في الإعلام والسينما الإسرائيلية الحديثة، رغم محاولات بعض الفنانين من أصول مِزراحية قلب الصورة.

وعلى مستوى المؤسسات، يشير تقرير لـ«تايمز أوف إسرائيل» إلى أن نسبة الأشكناز في المراكز القيادية بالجيش، والجامعات، والقطاع القضائي تفوق تمثيلهم السكاني، في حين يُستبعد السفارديم من مواقع النفوذ.

كما أظهرت شهادات في فيلم وثائقي بعنوان “Israel’s Great Divide” أن كثيرين من أبناء السفارديم يضطرون إلى “تغيير لهجتهم أو مظهرهم” لتسهيل اندماجهم في المؤسسات الإسرائيلية الكبرى.

<span style=
اليهود السفارديم: الفقر والواقع المعيشي

التوزيع الجغرافي والحرمان البنيوي

الخرائط الاجتماعية في إسرائيل تكشف أن السفارديم يتركزون في أطراف المدن والمناطق البعيدة عن المراكز الاقتصادية.

فمنذ الخمسينيات، وُضِعوا في ما يُعرف بـ«مدن التطوير» التي افتقرت إلى البنى التحتية وفرص الاستثمار، مثل ديمونة وسدرود ونتيفوت. 

ومع مرور العقود، أصبحت هذه المناطق معزولة اقتصاديًا وتعليميًا، مما صعب على أبنائها الانتقال إلى المراكز الحضرية.

وفي المقابل، بقيت المدن الكبرى التي يقطنها الأشكناز - مثل تل أبيب وحيفا ورعنانا - تستحوذ على أغلب الاستثمارات وفرص العمل والتعليم، ما عمّق الفجوة المكانية والاجتماعية.

والنتيجة أن “المكان” أصبح جزءًا من هوية الفقر، وأن الانتماء الجغرافي يحدد إلى حدّ كبير نوعية التعليم وفرص العمل والمستقبل الاقتصادي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء