الغضب الصيني يتصاعد: الانفتاح الأوروبي على تايوان يهدد المصالح الاقتصادية
أثارت مشاركة هسياو بي-كيم، نائبة رئيس تايوان، في القمة السنوية للتحالف البرلماني الدولي المعني بالصين، والتي عُقدت في البرلمان الأوروبي في بروكسل، جدلًا واسعًا حول ظهور اتجاه عالمي معاكس لسياسة الصين الواحدة، من خلال دعم انفصال تايوان، إذ أعربت بعثة بكين عن غضبها معتبرة أن تلك الخطوة تمثل تدخلًا خطيرًا في الشؤون الداخلية، وتقوّض بشدة الثقة السياسية المتبادلة بين الصين والاتحاد الأوروبي.
تعكس زيارة هسياو إلى بروكسل تحولًا تدريجيًا في الموقف الأوروبي من قضية تايوان؛ فرغم أنه لم يصل بعد إلى حد إعلان دعم صريح لاستقلال الجزيرة، إلا أنه يسير نحو بناء شراكة أوثق معها في المجالات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وتبعث هذه المقاربة برسالة مزدوجة إلى بكين مفادها أن أوروبا باتت مستعدة لتجاوز الخطوط التقليدية التي كانت تحكم تعاملها مع تايوان.
أوروبا ومرحلة التحالف القيمي
عادةً، يزور وزراء خارجية تايوان أوروبا وأجزاء أخرى من العالم التي لا تربطها علاقات رسمية مع تايبيه، إلا أنه من النادر أن تقوم مسؤولة رفيعة المستوى مثل نائبة الرئيس بذلك، خشية رد فعل الصين، التي تعتبر تايوان جزءًا من أراضيها، ضد الدولة المضيفة؛ لذلك اعترضت بعثة بكين معتبرة أن السماح لما وصفتهم بالشخصيات الانفصالية المؤيدة لاستقلال تايوان بدخول مبنى البرلمان والمشاركة في الاجتماع السنوي وممارسة أنشطة انفصالية، جاء رغم المعارضة القوية والاحتجاجات الرسمية من جانب الصين.

وتنظر الصين إلى هذا الإجراء باعتباره يضر بشكل خطير بالمصالح الجوهرية للصين، وينتهك مبدأ الصين الواحدة، فيما اعتبرت نائب الرئيس التايواني بعد عودتها من الرحلة الدبلوماسية التاريخية إلى أوروبا، أن تايوان ليست وحدها، ولديها المزيد من الأصدقاء في جميع أنحاء العالم، وستواصل إظهار عزمها للعالم.
وبهذا، يبدو أن الاتحاد ينتقل من نهج تجنّب الصدام مع الصين إلى سياسة جديدة تقوم على التحالف القيمي، ما من شأنه أن يعزز موقع تايوان في النظام الدولي، التي لا يعترف بها رسميًا سوى 13 دولة في العالم، ويعيد رسم موازين النفوذ في منطقة مضيق تايوان وما حولها.
ولا تزال بكين تمارس ضغوطًا دبلوماسية كبيرة على واشنطن والدول الأخرى لعدم الاعتراف بتايوان أو القيام بأي شيء يُلمّح إلى هذا الاعتراف، وترفض الحديث إلى الرئيس التايواني لاي تشينغ ته أو أيٍّ من إدارته باعتبارهم شخصيات انفصالية. وتحاول في الوقت نفسه الوصول إلى توافق دولي عام، يكون فيه مبدأ الصين الواحدة قاعدة أساسية في العلاقات الدولية، وأن يكون الأساس المسبق لإقامة وتطوير العلاقات الدبلوماسية بين الصين والاتحاد الأوروبي.

تحديات ومخاطر التحول الأوروبي تجاه تايوان
يواجه الاتحاد الأوروبي جملة من التحديات والمخاطر مع تصاعد انفتاحه التدريجي على تايوان، في ظل حساسية الموقف الصيني من أي خطوة تُفسَّر على أنها مساس بمبدأ الصين الواحدة، فبكين تعتبر تايوان جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وقد حذرت مرارًا من "التدخل الخارجي" في شؤونها الداخلية.
التقارب الأوروبي–التايواني يمكن أن يفتح جبهة توتر جديدة في العلاقات الأوروبية–الصينية، خاصة إذا ما رأت بكين في هذه التحركات دعمًا غير مباشر للاستقلال التايواني. إلى جانب ذلك، يمكن أن يؤدي أي تصعيد سياسي إلى تعريض المصالح الاقتصادية للخطر، إذ يعتمد الاتحاد الأوروبي بشكل كبير على السوق الصينية في مجالات التجارة، والتكنولوجيا، وسلاسل التوريد الصناعية.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فإن التحول في الموقف الأوروبي يضع بروكسل أمام معادلة دقيقة بين الدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تمثلها تايوان، وبين الحفاظ على قنوات التعاون الاستراتيجي مع الصين في قضايا عالمية كالمناخ والأمن الإقليمي. هذا التوازن الدقيق يفرض على الاتحاد انتهاج سياسة "المسافة المحسوبة" التي تمنع الصدام المباشر، لكنها لا تتخلى عن الدعم الرمزي للجزيرة.
وفي البعد الأمني، يؤدي الانخراط الأوروبي المتزايد في ملف تايوان إلى إدخال أوروبا في قلب التوترات الآسيوية، وهو ما قد يتجاوز قدراتها العسكرية والسياسية الراهنة. فبينما تسعى واشنطن إلى حشد الحلفاء حولها في مواجهة الصين، تبدو أوروبا حذرة من أن تتحول إلى طرف في صراع قد يهدد استقرارها الاقتصادي والسياسي في المدى الطويل.

غضب صيني مقابل طموح تايواني
يمكن أن يحمل رد الفعل الصيني في طياته تهديدات غير مباشرة بإمكانية اتخاذ إجراءات اقتصادية ضد دول أو شركات أوروبية قد تُظهر دعمًا لتايوان، إذ تمتلك بكين أدوات ضغط واسعة، بدءًا من القيود التجارية والتدقيق في الاستثمارات، وصولًا إلى استخدام نفوذها في الأسواق الآسيوية لمعاقبة شركاء تعتبرهم منحازين إلى تايبيه.
في المقابل، تواجه أوروبا مأزقًا حقيقيًا بين الحفاظ على مصالحها الاقتصادية الضخمة مع الصين، التي تُعد شريكها التجاري الأكبر، وبين التمسك بخطابها الداعم للديمقراطية وحقوق الإنسان. كما يمكن أن يؤدي التصعيد الصيني إلى تبريد العلاقات الثنائية في ملفات حيوية مثل الطاقة النظيفة والتكنولوجيا والبيئة، وهو ما قد يفرض على الاتحاد الأوروبي إعادة ضبط إيقاعه الدبلوماسي بين بكين وتايبيه لتجنّب مواجهة مفتوحة لا يريدها أي من الطرفين.
لكن تايوان أيضًا تعد من اللاعبين الرئيسيين في صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية، التي تمثل العمود الفقري للعديد من الصناعات الأوروبية مثل السيارات والإلكترونيات والطاقة المتجددة؛ لذلك فإن تعزيز التعاون مع تايوان يتيح لأوروبا تنويع مصادر هذه التكنولوجيا وتقليل الاعتماد على الصين، مما يزيد من أمنها الصناعي والاقتصادي.
كما تُعتبر تايوان شريكًا مهمًا في مواجهة التهديدات السيبرانية، فهي تمتلك خبرات كبيرة في حماية البنية التحتية الرقمية. التعاون معها يمكن أن يعزز قدرات الاتحاد الأوروبي في الدفاع عن بياناته ومؤسساته الحيوية من الهجمات السيبرانية، خصوصًا في ظل التهديدات المستمرة القادمة من مجموعات مدعومة من دول منافسة.

ويتيح التعاون التجاري معها فتح قنوات للاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة والابتكار الصناعي، ما يعزز الشراكات البحثية والعلمية ويمنح الشركات الأوروبية فرصًا جديدة للنمو والتوسع.
وأخيرًا، يواجه الاتحاد الأوروبي تحديًا معقدًا في الموازنة بين دعمه التدريجي لتايوان والحفاظ على علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية مع الصين، التي تمثل أكبر شريك تجاري له. وتتجه بروكسل إلى اتباع سياسة دقيقة تقوم على "التحرك الحذر"، إذ تُظهر دعمها لتايوان في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية دون تقديم اعتراف رسمي بالاستقلال، ما يتيح لها الالتزام رسميًا بمبدأ الصين الواحدة.



