رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التراث الأمريكية.. تقود تحالفًا يمينيًا لإعادة تشكيل السياسة الغربية

قيادات اليمين الأرووبي
قيادات اليمين الأرووبي - أرشيفية

نظمت مؤسسة التراث الأمريكية، إحدى أبرز المراكز اليمينية في واشنطن، سلسلة فعاليات سياسية تهدف إلى تعزيز التعاون والتنسيق مع أحزاب اليمين في أوروبا، وتركزت الاجتماعات على تبادل الخبرات في السياسات الاقتصادية والقومية، بالإضافة إلى مناقشة الاستراتيجيات المشتركة لمواجهة الهجرة والسياسات الليبرالية في الغرب.

وتسعى المؤسسة لتوسيع شبكتها الدولية، وربط القوى اليمينية عبر الأطلسي بهدف تشكيل رؤية سياسية موحدة تدافع عن الهوية الوطنية والقيم التقليدية، إذ عقدت المجموعة خلال الأشهر الـ12 الماضية سبعة اجتماعات مع أعضاء البرلمان الأوروبي، مقارنة باجتماع واحد فقط خلال السنوات الخمس السابقة.

مؤسسة التراث الأمريكية 
مؤسسة التراث الأمريكية 

خلفية التعاون وحدود العولمة المضادة

أصبح لافتًا التنسيق بين التيار اليميني الأمريكي، الذي يمثله الجناح الشعبوي داخل الحزب الجمهوري بقيادة الرئيس ترامب، وبين الأحزاب اليمينية في أوروبا التي تتبنى خطابات مشابهة تقوم على القومية والهوية الدينية ومعاداة العولمة.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان

لم يعد هذا التقارب مجرد تبادل أفكار أو دعم إعلامي، بل تطور إلى شبكة تنسيقية عابرة للأطلسي تتشارك في التمويل، والتدريب، والتأثير في الرأي العام عبر المنصات الرقمية ومراكز الأبحاث المحافظة.

يظهر التنسيق بين اليمين الأمريكي والأوروبي في الفعاليات التي تعقدها المنظمة الأمريكية المحافظة في عدة أقطار، منها بودابست ومدريد ووارسو بين عامي 2022 و2025، بمشاركة شخصيات من الصف الأول في اليمين الأوروبي مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وزعيمة اليمين الفرنسي مارين لوبان، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، إذ تحولت هذه المؤتمرات إلى ما يشبه المنتدى العالمي لليمين الشعبوي حيث تُطرح رؤى موحدة حول قضايا الهجرة، والهوية، ومواجهة الليبرالية التقدمية التي تُتهم بتقويض القيم التقليدية.

ويلعب اليمين الأمريكي دورًا مركزيًا في بناء هذا التحالف الأيديولوجي، من خلال تسهيل تنسيق العمل السياسي بين الأحزاب اليمينية في أوروبا، وقد وفّر هذا الإطار منصة استراتيجية لتبادل الخبرات الانتخابية وأساليب التأثير الإعلامي، إضافة إلى دعم تقني لحملات رقمية مؤثرة على مواقع التواصل.

مما سبق، نجد أن هذا التعاون يمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة اليمين الغربي؛ إذ تجاوزت هذه الأحزاب حدودها القُطرية لتصبح جزءًا من مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تعريف القيم الغربية نفسها؛ فبعد أن كانت هذه التيارات تنتقد العولمة الاقتصادية فقط، باتت اليوم تسعى لتشكيل ما يشبه العولمة المضادة، التي تدافع عن القومية الثقافية والسيادة الوطنية ضد المؤسسات فوق القومية مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ما ينذر بإعادة رسم الخريطة السياسية داخل الغرب ذاته.

دلالات التعاون وأثره على الوحدة الأوروبية

لم يعد التفاعل بين اليمين الأمريكي والأوروبي يقتصر على المجاملة السياسية أو التنسيق الانتخابي، بل بات يمثل محاولة لبناء محور أيديولوجي موحد يسعى إلى إعادة صياغة النظام الليبرالي الغربي من الداخل. دعا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان إلى إنشاء تحالف عالمي للمحافظين، لمواجهة ما وصفه بـ"الاستبداد الليبرالي"، فيما رد عليه السيناتور الأمريكي جي دي فانس، أحد أبرز حلفاء ترامب، قائلاً إن المعركة من أجل القيم الغربية الحقيقية تبدأ بتعاوننا عبر الأطلسي.

 رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني
 رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني

على الصعيد السياسي، تتقاطع المصالح بين الطرفين في ثلاث قضايا رئيسية: الهجرة، والهوية الثقافية، وموقفهما من المؤسسات فوق القومية، فالأحزاب الأوروبية مثل التجمع الوطني الفرنسي وإخوة إيطاليا والبديل من أجل ألمانيا تتبنى الخطاب نفسه الذي يطرحه الجمهوريون الشعبويون في واشنطن، القائم على رفض سياسات اللجوء واتهام النخب الليبرالية بتقويض سيادة الدول، وقد أدى هذا التناغم الخطابي إلى تشكيل جبهة فكرية متكاملة تستفيد من الدعم الإعلامي الأمريكي عبر منصات مثل "فوكس نيوز".

إعادة بناء المحور الغربي المحافظ

من الناحية الجيوسياسية، يبدو أن التعاون يسعى إلى إعادة تعريف التحالف الغربي نفسه. فبينما ترى إدارات ديمقراطية سابقة أن وحدة الغرب تقوم على الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية، يطرح اليمين الأمريكي والأوروبي بديلًا يقوم على الحضارة الغربية المسيحية بوصفها الرابط الأساسي.

قيادات اليمين الأرووبي - أرشيفية
قيادات اليمين الأرووبي - أرشيفية

وقد تجلى ذلك في لقاء مغلق جمع مستشارين من حملة ترامب 2025 بممثلين عن أحزاب يمينية أوروبية في بروكسل منتصف العام ذاته، لمناقشة رؤية مشتركة للسياسة الخارجية تجاه أوكرانيا وروسيا والشرق الأوسط، وتعبر هذه الخطوات عن محاولة بناء محور محافظ عبر الأطلسي يوازن النفوذ الليبرالي في المؤسسات الغربية، ويحاول فرض أجندة جديدة في القضايا العالمية.

لكن استمرار هذا التقارب قد يُعمق الانقسام داخل أوروبا نفسها، خصوصًا بين الدول التي ترى في واشنطن نموذجًا محافظًا جديدًا وتلك التي تخشى من تحول هذا التعاون إلى أداة لإضعاف الاتحاد الأوروبي ومؤسساته.

مآلات التحالف اليميني عبر الأطلسي

يُتوقع أن يشهد العالم الغربي خلال السنوات القليلة المقبلة تعزيزًا ملحوظًا للتنسيق بين قوى اليمين في أوروبا والولايات المتحدة، بالتزامن مع الولاية الثانية لدونالد ترامب وتوسّع نفوذ الأحزاب اليمينية داخل البرلمان الأوروبي؛ إذ ينعكس هذا التعاون في مواقف أكثر تحفظًا تجاه الهجرة، وازدياد النزعة القومية الاقتصادية، إلى جانب تراجع الثقة بالمؤسسات الدولية مثل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

قيادات اليمين الأرووبي - أرشيفية
قيادات اليمين الأرووبي - أرشيفية

وعلى المدى المتوسط، يُرجح أن يتبلور ما يشبه محورًا يمينيًا عبر الأطلسي يقوم على رؤية مشتركة لحماية الهوية الغربية في مواجهة صعود الصين وروسيا، لكنه قد يواجه صعوبات في توحيد المواقف بسبب تضارب المصالح القومية بين واشنطن وعواصم أوروبا.

كما قد يدفع هذا التحالف باتجاه سياسات أكثر تشددًا في ملف الطاقة والبيئة، ورفض أوسع لسياسات العولمة والانفتاح الاقتصادي.

أما على المدى البعيد، فقد يهدد بتآكل الإجماع الديمقراطي التقليدي، وقد تُحدث هذه الموجة تحولًا في هوية الغرب من مشروع ليبرالي عالمي إلى مشروع قومي–حضاري أكثر انغلاقًا، يعيد رسم خريطة العلاقات الدولية خلال العقود المقبلة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء