عبد الناصر قنديل: الناخب أصدق من الحزب.. والتحالفات لا تجمع الفرقاء|حوار
فى الوقت الذى تترقب فيه الأوساط السياسية، النتائج الرسمية للمرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب 2025، كشفت المؤشرات الأولية للحصر العددي عن تحولات لافتة قد تُعيد تعريف شكل المنافسة النيابية، وتُثير تساؤلات حول فعالية الأداء الحزبي في مواجهة قوة المرشح الفردي المستقل.
وفي هذا السياق، يصف الخبير البرلماني وأمين الشؤون النيابية بحزب التجمع، عبد الناصر قنديل، في حوار لـ "إيجبتكِ"، حال التحالفات الحزبية الأخيرة بأنها أشبه بـ "الطريق الحر" الذي لا يجمع فرقاءه على فكر أو موقف سياسي موحد، وطريق تتسابق فيه المركبات دون قيود، لكنه لا يجمع الفرقاء على فكر أو موقف سياسي موحد.
وشدد قنديل على أن ما كشفته نتائج الفرز الأولية هو صعود غير متوقع لقوة المرشح الفردي المستقل، لتؤكد أن "الوعي والصدق كان موجودًا عند الناخب أكثر منه عند المرشح وعند الحزب".
تؤكد رؤية قنديل، أن المشهد التنافسي فرض ملامح خريطة جديدة، أبرزها: صعود غير مسبوق للمرشحين المستقلين على حساب القوائم والأحزاب التقليدية، في مقابل تراجع مقلق في تمثيل المرأة داخل الدوائر الفردية.
هذه المؤشرات الأولية، رغم أنها ليست نهائية، تمهد لجولة إعادة "شديدة التنافسية" ستكون حاسمة في تشكيل التوازنات البرلمانية القادمة.
"تحالفات الفرقاء".. طريق حر لـ "المراهقة الانتخابية"
يُقدم قنديل رؤية نقدية حادة لطبيعة التحالفات المعلنة، مشيرًا إلى أنها ليست تحالفات "مطلوبة" فحسب، بل هي تحالفات "الفرقاء"، ويُبرر هذا الوصف بثلاثة أسباب رئيسية تكشف هشاشة التجربة الحزبية:
- غياب الوحدة الفكرية: التحالفات لم تعبر عن فصيل إيديولوجي أو فكري موحد تتآزر قواه للدفاع عن فكرة مركزية والوصول بممثلين متنوعين لها إلى البرلمان.
- غياب الوحدة الموقفية: لا توجد مواقف سياسية جامعة بين أعضاء هذه التحالفات، بل على العكس، "بعضهم يكن عداءً شديدًا لباقي الفصائل والتيارات الموجودة في الداخل".
- المراهقة الانتخابية: وصف قنديل سلوك هذه التحالفات بأنه "يحمل نسقًا من المراهقة الانتخابية"، حيث لم يُرَ أي تأزر أو تنسيق للمواقف على أرض الواقع. بل شوهد مرشحون من التحالف الواحد يخوضون المعركة في مواجهة بعضهم البعض على مقعد واحد، وبعض التحالفات قدمت اثنين أو ثلاثة مرشحين على المقعد الوحيد.
انهيار التحالفات المُعلنة ورصد الأداء الهزيل
أشار قنديل إلى أن 3 تحالفات رئيسية أُعلنت (بالإضافة إلى التحالف المركزي لأحزاب مستقبل وطن وحماة الوطن والجبهة الوطنية)، وهي: الحركة المدنية، والطريق الحر، وتحالف المصري الديمقراطي مع العدل والإصلاح والتنمية، بالإضافة إلى تحالف "حق الناس" الذي لم يكتمل.
وانتقد قنديل بشدة أداء بعض الأحزاب، خاصةً التي أعلنت كمسميات دون أن تتحول إلى حركة فعلية.
واستشهد بحزب التحالف الشعبي الذي قرر الانسحاب من المعركة رغم أن كل ما لديه هو مرشح وحيد (زهدي الشامي)، معتبرًا هذا "استخفافًا بالعملية الانتخابية" ودلالة على أن هذه الأحزاب "تعيش في كوكب موازٍ" بعيدة عن استشعار اللحظة وقراءة الواقع.
وشدد على أن هذا "الأداء الهش والهزيل" للأحزاب يؤكد أن التجربة الحزبية المصرية تحتاج إلى "إعادة نظر وتقويم حقيقي" لتليق بالنص الدستوري (المادة 5) الذي ينص على أن أساس النظام السياسي هو التعددية الحزبية والسياسية.
المستقلون يحصدون.. وتراجع تاريخي لتمثيل المرأة
وأوضح أن القراءة الأولية لمؤشرات الحصر العددي أكدت تحولات درامية في خريطة التصويت:
صعود لافت للمستقلين (70 مقعدًا تقريبًا): كشفت المؤشرات عن ميل تصويتي متزايد نحو المرشحين المستقلين على حساب ممثلي الأحزاب السياسية، في تحول عن انتخابات 2020.
هذا التقدم القوي، لا سيما لأحزاب الوسط والأقلية، يعكس "اتساع مساحة الثقة الشعبية في المرشح الفردي"، مما يؤكد أن المزاج التصويتي لم يعد مرهونًا بالانتماء الحزبي فقط. الأرقام تشير إلى أن المستقلين قد يحصدون ما يقارب 70 مقعدًا، في مقابل نحو 214 مقعدًا لصالح الأحزاب.
89 دائرة تُعادي المرأة: أشارت المؤشرات الأولية إلى تراجع ملحوظ ومقلق في فرص مرشحات المرأة للوصول إلى جولة الإعادة، مقارنة بالدورة السابقة.
وبرز وجود 89 دائرة لا تحمل أي مؤشرات تدعم فرص وصول المرشحات.
ويُرجع قنديل هذا التراجع إلى استمرار التحديات البنيوية والاجتماعية أمام تمكين النساء، إضافة إلى قصور في قدرة الحملات النسائية على تجاوز قواعد الحشد القبلي والحزبي التقليدية.
صمود "النور": على النقيض من تراجع أحزاب أخرى، حافظ مرشحو حزب النور على حضورهم، حيث تأهل منهم اثنان إلى الإعادة من أصل ثلاثة في الجولة الأولى.
سقطات "الوفد والمصري الديمقراطي" تدعو لـ "طبيب نفسي"
انتقد قنديل بشدة "الذهنية" وراء اختيار مرشحي بعض الأحزاب الكبرى، معتبرًا أن هناك حاجة "لطبيب نفسي يفسر لنا ذهنية المسؤولين عن اختيار المرشحين" في الوفد والمصري الديمقراطي بسبب قرارات غير رشيدة:
- سقطة الوفد السياسية: قدم حزب الوفد مرشحين اثنين باسم الحزب في دائرة مقعد واحد في "الحمام" بمرسى مطروح، وهي "سقطة سياسية" حيث ألغى المرشحان فرص بعضهما البعض.
- تذييل المصري الديمقراطي: قدم الحزب مرشحين اثنين في دائرة البدرشين المخصص لها مقعدان، متجاهلاً حلفاءه في التحالف، مما أدى إلى تذيّل مرشحيه لزيل النتيجة بأقل عدد من الأصوات.
في المقابل، أشاد قنديل بـ "الذكاء في إدارة وتخطيط الحملة" لحزب العدل في دائرة العمرانية، حيث استغلوا خروج محمد فؤاد للقائمة الوطنية من أجل مصر وقاموا بتقديم مرشح ذو عصبية قبلية من الصعيد (حسين غيته)، لينجح في الوصول إلى جولة الإعادة.
الناخب غيّر قواعد اللعبة.. العبرة بالشعبية لا التنظيم
خلص الحوار مع قنديل، إلى أن النتائج تؤكد أن هذه الانتخابات هي "واحدة من أصدق العمليات في التعبير عن إرادة الناخبين"، وأن أصوات الناخبين غيّرت كثيرًا من معطيات المشهد:
- الشعبية تحسم مبكرًا: المرشح الذي كانت له شعبية ذاتية بالإضافة إلى قوة وانضباط التحالف استطاع حسم المعركة من الجولة الأولى، مثل خالد خلف الله في نجع حمادي وسناء برغش في دمنهور.

- العبرة بكفاءة المرشح: أكد قنديل أن العبرة النهائية هي "بكفاءة المرشح"، ونجاحه في نقل إحساس الناخب بقدرته على الفوز. فمجرد التنظيم الحزبي "مش هيعرف يحشد لوحده".
- الانسحاب من الإعادة: كشف قنديل عن ظاهرة تحدث لأول مرة، وهي انسحاب مرشحين وصلوا لجولة الإعادة (عماد الغنيمي، المرشح على المقعد الفردي، في الدائرة الثامنة والتي تضم مركزي إيتاي البارود وشبراخيت، ومرشح لحماة الوطن بالإسكندرية)، مرجعًا ذلك إلى إدراكهم أنهم ذاهبون إلى "خسارة مؤكدة" بسبب قوة التنافسية.
- واختتم بالإشارة إلى أن البعض "يبني حساباته على مجد السوشيال ميديا أكثر مما يكون قارئًا حقيقيًا لواقع مصادر قوته وتواجده على الأرض".
وفي إطار متصل بحالات الانسحاب، أشار قنديل إلى أن قرار النائبة نشوى الديب بالانسحاب من دائرة إمبابة كان قراراً أخرق، خاصة وأنها أعلنت انسحابها بعد ربع ساعة من فتح صناديق الاقتراع، وكانت نتائجها اللاحقة تظهر أنها حصلت على 12 ألف صوت، أي أنها ربما كانت ستفوز لو خاضت الحملة بجدية. ونوه إلى أن الديب حاولت بناء مجد سياسي على حساب الانسحاب من المعركة.
خاتمة ودلالات.. المرحلة الثانية ستكون "نارية"
يرى قنديل أن هذه المؤشرات، على الرغم من كونها أولية، تعكس حجم التحول في السلوك الانتخابي المصري وتؤكد أن النتائج المتكشفة ستجعل المرحلة الثانية "أكثر سخونة وتركيزًا".
وأشاد الخبير البرلماني بمصداقية إدارة الهيئة الوطنية للانتخابات وجهودها في "حياد الجهاز الإداري" وكفاءة الفرز، مشددًا على أن ذلك يؤكد أن "العبرة بالتواجد والانتشار على الأرض وكفاءة إدارة الحمل"، وليس بأي دعم حزبي أو تنظيمي شكلي.





