"بيت الأمة" في مهب الريح.. أزمات متتالية وانتخابات رئاسية تُهدد تاريخ حزب الوفد|تقرير
يعيش حزب الوفد، أقدم الأحزاب السياسية في مصر، واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا وحساسية في تاريخه الحديث، فالحزب الذي كان يومًا ما رمزًا للنضال الوطني والديمقراطية الليبرالية، بات اليوم غارقًا في صراعات داخلية عمميقة وانقسامات حادة بين قياداته.
هذا التقرير عبر إيجبتكِ يطرح تساؤلات حول مستقبل حزب الوفد ودوره الفعلي في المشهد السياسي الراهن، خاصة مع اقتراب موعد انتخاب خليفة سعد زغلول على كرسي الحزب.
الأزمة تهدد بتآكل ما تبقى من رصيده التاريخي والجماهيري
الانفراد بالقرار يُفجّر أزمة لجنة الانتخابات الرئاسية
تفجّرت أحدث فصول الأزمة مع إعلان الدكتور عبد السند يمامة، رئيس الحزب، عن دعوة الجمعية العمومية لحزب الوفد للانعقاد يوم الجمعة 23 يناير 2026 لانتخاب رئيس جديد للحزب، وتشكيل لجنة للإشراف على الانتخابات.
اعتذار "منصور" المُدوّي
لم تمر ساعات على القرار حتى أعلن المهندس حسين منصور، نائب رئيس الحزب والمقرر المختار للجنة الإشراف، اعتذاره ورفضه المشاركة.
تهمة الانفراد
برر "منصور" موقفه بأنه اعتراض على النهج الانفرادي والمتعسف الذي يتبناه رئيس الحزب في اتخاذ القرارات، مؤكدًا أن "يمامة" يُصدر قراراته دون التشاور مع الهيئات الحزبية المعنية (كالمكتب التنفيذي والهيئة العليا)، وهو ما يهدد مؤسسية الحزب.
الخلفية التنظيمية
اللجنة المُشكّلة للإشراف كانت تضم أسماء بارزة هي: المهندس حسين منصور (مقررًا ثم اعتذر)، والنائب ياسر قورة، وكاظم فاضل، وحازم رسلان، وصفوت عبد الحميد، وحمادة بكر، وأيمن محمد سيد.
تراجع التمثيل السياسي صدمة الشيوخ والنواب
ترافقت الأزمات الإدارية مع تراجع واضح في النفوذ السياسي للحزب، ما أثار غضب القواعد الوفدية:
• صدمة انتخابات مجلس الشيوخ 2025
شعر الأعضاء بتقليص دور الحزب بعد أن اقتصر تمثيله على عدد محدود من المرشحين ضمن القائمة الوطنية "من أجل مصر"، وضعف المنافسة على المقاعد الفردية، ما أثار دعوات لعقد جمعية عمومية غير عادية لبحث الثقة في القيادة، قبل أن يتراجع "يمامة" عن طرح الثقة في نفسه.
• "مزاد" انتخابات النواب
تجدد التوتر مع بداية الاستعدادات لانتخابات مجلس النواب، حيث طالبت قيادات بـاستقالة "يمامة" الفورية متهمينه بالفشل الإداري والمالي.
"صفقة الترشح" المزعومة: أشعلت أزمة استبدال المرشح علاء غراب برجل الأعمال ياسر عوض (عضو الهيئة العليا بحزب مستقبل وطن)، الجدل، وسط مزاعم عن صفقة مالية بلغت 20 مليون جنيه مقابل خطاب الترشح، ما دفع قيادات لاعتبار المشهد أشبه بـ"المزاد السياسي" الذي يتعارض مع قيم الوفد.
شرط الشيكات: زاد منسوب الغضب إلزام بعض المرشحين بتقديم شيكات بمبالغ مالية ضخمة كشرط للترشح.
جريدة الوفد ساحة للاحتجاج ومأزق التمويل
امتدت حالة الاضطراب إلى المؤسسة الإعلامية العريقة للحزب، "جريدة الوفد" وموقعها الإلكتروني.
• اعتصام الصحفيين: دخل موظفو الجريدة في اعتصام مفتوح منذ 30 سبتمبر 2025 احتجاجًا على عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور وتأخر تنفيذ القانون رقم 14 لسنة 2025.
• اتهامات خطيرة: تفاقم الموقف بعد اتهامات لرئيس الحزب بمحاولة دهس عدد من الصحفيين بسيارته أثناء تواجدهم بالمقر، وهو ما أثار صدمة في الوسط الإعلامي.
• تدخل النقابة: انتهت الأزمة بتدخل مباشر من الكاتب الصحفي خالد البلشي، نقيب الصحفيين، ومجلس النقابة، حيث تم الاتفاق رسميًا مع الإدارة على تلبية مطالب المعتصمين.
انتخابات رئاسية مُلغّمة.. و100 ألف جنيه تبرع شرط الترشح
حدد القرار رقم (49) لسنة 2025 يوم 23 يناير 2026 موعداً لانتخاب رئيس جديد لحزب الوفد لمدة 4 سنوات، لكن القرار حمل بنودًا أثارت الجدل:
• الترشح مقابل تبرع: نص القرار على فتح باب الترشح من 13 ديسمبر 2025 وحتى 18 ديسمبر 2025، بشرط أن يُرفَق الطلب بإيصال سداد مبلغ 100 ألف جنيه كتبرع غير قابل للاسترداد للحزب.
• النصاب المعطَّل: في سياق متصل، كشفت مصادر عن عدم اكتمال النصاب القانوني لاجتماع الهيئة العليا الذي كان مقررًا له يوم الاثنين 3 نوفمبر 2025، بسبب عدم حضور الأعضاء عمدًا. ويُشتبه في أن هذا التعطيل مقصود لعدم الكشف عن مصير الأموال الخاصة بأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، والتي طالب "الوفديون" بكشف حسابها.
• أبرز المرشحين المحتملين: تبرز أسماء مثل الدكتور هاني سري الدين، وفؤاد بدراوي (سكرتير الحزب السابق)، والمهندس حسين منصور (الذي قد يترشح بعد اعتذاره عن اللجنة) ود. ياسر حسان أمين الصندوق، ود. السيد البدوي الرئيس الأسبق للحزب.
الأزمات المتتالية، بدءًا من التراجع الانتخابي ووصولًا إلى أزمة التمويل والشفافية المالية داخل مؤسسة الحزب (كمصير أموال نواب الشيوخ والنواب ومقترح بيع جزء من مقر الحزب الذي تم رفضه)، إضافة إلى "الشللية" التي اشتكى منها رئيس الحزب نفسه، كلها عوامل تُشير إلى أن حزب الوفد يواجه أزمة كيان قبل أن تكون أزمة قيادة.
ويُتوقع أن تكون انتخابات يناير 2026 مفصلية، فإما أن تُعيد للحزب جزءًا من تماسكه المؤسسي، أو تُعمّق الانقسامات لتزيد من ابتعاده عن دوره التاريخي كـ"بيت الأمة".

