5 حالات هزّت البرلمان.. «الحصانة» ليست صك غفران
الحصانة البرلمانية.. صمام الأمان الذي تحوّل لـ"قيد" على ضمير العدالة
في قلب أي نظام ديمقراطي، يقف البرلمان ممثلاً للإرادة الشعبية، حاملاً لواء التشريع والرقابة.
ومنذ أن أشرق فجر الحياة النيابية في مصر مع تأسيس مجلس شورى النواب عام 1866، كان الهدف الأسمى هو ضمان حرية المشرّع في أداء دوره دون خوف من مطاردات كيدية تعرقل مهمته.
من هذا المبدأ النبيل وُلدت الحصانة البرلمانية كضمانة تاريخية لحماية العمل النيابي، لا لحماية شخص النائب من المساءلة.
ولكن، مع استمرار الجدل حول تشكيل المجالس التشريعية، تعود القضية الأزلية لتطرح نفسها بقوة: هل بقيت الحصانة سيفاً لحماية الوطن أم تحوّلت إلى درع شخصي فوق عباءة القانون؟ بين حق النائب في العمل وحق المجتمع في سيادة القانون، تكمن الحقيقة، وهذا الذي نطرحه ونجاوب عنه في هذا التقرير عبر إيجبتكِ.
رحلة قرن ونصف من الحماية من "إسماعيل" إلى "مجلس الشيوخ"
لم تكن الحصانة البرلمانية مادة قانونية عابرة، بل هي جزء أصيل من البنية التأسيسية للبرلمان المصري.
لقد أدخلت هذه الحماية في عهد الخدييوي إسماعيل لتمكين النواب من مناقشة القضايا الوطنية بحرية.
وعلى مر التاريخ السياسي، تطورت هذه الحصانة لتصبح جزءاً لا يتجزأ من النظام التشريعي، لكنها لم تكن يوماً حاجزاً منيعاً، بل ظلت عنواناً لجدل مستمر حول حدودها، إذ أثبتت وقائع تاريخية حاسمة أن الحصانة تُرفع متى ما تجاوز النائب دوره أو أخل بواجبه، لتبقى سيادة القانون هي الكلمة العليا.
ضوابط رفع "سيف الحصانة" متى يصبح النائب تحت طائلة القانون؟
في خضم استمرار الإجراءات الدستورية لتشكيل الغرفتين التشريعيتين (النواب والشيوخ)، تُصبح الضوابط القانونية للحصانة البرلمانية محل تدقيق.
فالحصانة ليست مطلقة، بل محكومة بشروط صارمة تضمن عدم تحولها إلى مظلة للهروب من القانون:
الأصل في الحماية: لا يجوز اتخاذ أي إجراء جنائي (تحقيق، ضبط، إلخ) ضد عضو مجلس الشيوخ أو النواب في مواد الجنايات والجنح إلا بإذن مسبق من المجلس.
الاستثناء الوحيد: ترفع الحصانة مباشرة في حالة واحدة فقط، وهي التلبس بالجريمة.
خلال الإجازة البرلمانية: إذا كانت الهيئة التشريعية في إجازة، يتولى مكتب المجلس مهمة البت في قرار رفع الحصانة، مع إخطار المجلس في أول انعقاد بما تم اتخاذه.
البت السريع: ألزم القانون المجلس بالبت في طلب رفع الحصانة خلال 30 يوماً، وإلا عُدّ الطلب مقبولاً لضمان سير العدالة وعدم تعطيلها.
وقائع إسقاط القبة 5 حالات هزّت البرلمان.. الحصانة ليست صك غفران
يُثبت تاريخ الحياة النيابية المصرية أن الحصانة ليست دائمة ولا تشكّل جداراً منيعاً أمام المساءلة القانونية أو السياسية. فمنذ عقود، كانت قاعة البرلمان مسرحاً لوقائع إسقاط عضوية نواب بارزين، ما رسخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون:
مكرم عبيد باشا سيف الاستجواب الذي أسقط صاحبه (مايو 1943)
السبب: توجيه استجواب عنيف لرئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا كال فيه اتهامات باستغلال النفوذ، في خلاف سياسي حاد بين زميلي الكفاح السابقين.
النتيجة: بعد جدل دام 3 أيام، قرر المجلس فصل مكرم عبيد بأغلبية 208 أصوات مقابل 17، لتكون واحدة من أشهر وقائع تصفية الحسابات السياسية تحت القبة.
السبعينيات.. تصفية عبد الفتاح حسن وأبو العز الحريري
السبب: إسقاط عضوية النائبين البارزين في جلسة واحدة (يونيو 1978) استناداً إلى قوانين حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي، لأسباب تتعلق بإفساد الحياة السياسية قبل الثورة (حسن) وقيادة مظاهرات ومهاجمة النظام (الحريري).
محمد أنور السادات.. الحط من "قدر" المجلس
السبب: توجيه تهم تتعلق بـ"الحط من قدر" مجلس النواب وإهانة مؤسسات الدولة وإفشاء أسرار المجلس، بعد تقارير سلبية أرسلها للاتحاد البرلماني الدولي.
الإجراء: تم رفع الحصانة وإسقاط العضوية في تأكيد على خضوع الأعضاء لمعايير الانضباط الأخلاقي والمهني أمام هيئتهم.
توفيق عكاشة.. استضافة كلّفت منصبه الوطني
السبب: اتخاذ قرار إسقاط العضوية بعد قيام النائب باستضافة سفير إسرائيل في منزله دون تنسيق، وهو ما اعتبره المجلس إخلالاً بالواجبات الوطنية ومساساً بـ"الأمن القومي".
الإجراء: ذهب المجلس مباشرة إلى إسقاط العضوية في قضية أثارت ضجة واسعة.
التوازن الدقيق.. البرلمان يرفض رفع الحصانة في قضايا "الكيدية"
في المقابل، تؤكد الوقائع الحديثة أن المجالس التشريعية لا ترفع الحصانة بسهولة، خاصة إذا رأت "الكيدية" في البلاغات المقدمة، أو أنه لم تستوفِ الطلبات الشروط اللائحية:
الكيدية المالية: رفض مجلسا النواب والشيوخ رفع الحصانة عن عدد من الأعضاء في قضايا تتعلق بتحرير شيكات بدون رصيد أو ديون مالية، معتبرين أن الطلبات غير مستوفاة أو تحمل شبهة "الكيدية".
قضايا الفساد: رفض مجلس الشيوخ رفع الحصانة عن النائب عبد المنعم سعيد في اتهامه بالاعتداء على المال العام إبان رئاسته لمؤسسة الأهرام، نظراً لكيدية البلاغ.
مرتضى منصور نموذجاً: رفض مجلس النواب في دورة سابقة 15 طلباً لرفع الحصانة عن النائب مرتضى منصور، مشيراً إلى حق اللجنة التشريعية في البت في وجود شبهة الكيدية في حالة السب والقذف.
الحصانة بين الحرية والمسؤولية
تظل الحصانة البرلمانية في مصر أداة توازن دقيقة، تمنح النائب "صمام أمان" لأداء دوره دون خوف من القوى التنفيذية، لكنها تضع في الوقت ذاته "سيف العدالة" فوق رأسه. إن إسقاط العضوية في تلك الحالات يمثل لحظات حاسمة يوازن فيها النظام السياسي بين حماية حرية التعبير والرقابة، وضرورة التزام النائب بسيادة القانون والمسؤولية الأخلاقية والوطنية. فـ"الحصانة حماية للدور لا للشخص"، وتبقى سيادة القانون هي المبدأ الحاكم في أي نظام ديمقراطي.

