صفقة الدين والسياسة في الكنيست: الحريديم في مواجهة التجنيد الإجباري
استفحلت الأزمة الديموغرافية في إسرائيل خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة وجنوب لبنان وإيران، فإسرائيل تاريخيًا تعاني من ضعف بنيتها الديموغرافية، الأمر الذي يحول دون دخولها في حروب طويلة الأجل، فوفقًا لدائرة الإحصاء الإسرائيلية يبلغ تعداد سكان إسرائيل حوالي 9.9 ملايين نسمة، منهم فقط 7.247 ملايين يهودي.
لذا تعاني إسرائيل من انخفاض في الكثافة السكانية، فمثلًا تعداد سكان مدينة القاهرة يفوق 10 ملايين نسمة، أي أكثر من تعداد سكان إسرائيل ذاتها، وعليه تتأثر جميع القطاعات الاقتصادية والخدمية في إسرائيل بانخفاض تعداد السكان، الأمر الذي يدفعها دومًا إلى اتخاذ تكتيكات واستراتيجيات من شأنها تقليل الاعتماد على العنصر البشري والاستخدام الكبير للآلة الصناعية لتعويض النقص البشري.
ومن أبرز تلك القطاعات يبرز الجيش الإسرائيلي، الذي تبلغ قوته حوالي 170 ألف جندي عامل، وما يقارب 450 ألف جندي في قوة الاحتياط، ولذلك اعتمدت تل أبيب في حروبها ما قبل 7 أكتوبر على أسلوب قتالي أشبه بتكتيك «حرب البرق» الذي اعتمدت عليه ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، والقائم على توجيه ضربات وغارات جوية مكثفة على أهداف حيوية للعدو، مصحوبة بهجوم مكثف من الدبابات والمدرعات القتالية، وتقليل الاعتماد بشكل كبير على كتائب المشاة خشية تعرضها لخسائر بشرية كبرى.
لذا، خلال الحروب الماضية أي قبل 7 أكتوبر، عمدت تل أبيب إلى الموازنة بين عملية تعبئة الاحتياط خلال الحروب وتوفير العمالة المناسبة للأنشطة الاقتصادية والزراعية والصناعية، لذا كانت حروبها خاطفة لا تتجاوز الشهر الواحد أو شهرين على أقصى تقدير، حتى لا تتأثر اقتصاديًا نتيجة سحب الأيدي العاملة والتحاقها بالجيش.

حرب غزة وتعميق الأزمة الديموغرافية
تعد حرب غزة الأخيرة ليست كباقي الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ نشأتها، فلأول مرة تُجبر تل أبيب على خوض معارك طويلة الأجل (730 يومًا تقريبًا)، وإن كانت على نطاق جغرافي ضيق، الأمر الذي كشف عمق الأزمة الديموغرافية بها، وعدم قدرتها على تعبئة الاحتياط لفترات زمنية طويلة، الأمر الذي فتح الباب والنقاش في الدوائر السياسية الإسرائيلية حول الفئات المعفاة من التجنيد مثل العرب وأبناء الطائفة الحريدية.
بداية الأزمة
بلغت الحرب ذروتها إبان حرب الاثني عشر يومًا بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025، إذ اضطر الجيش وقتها إلى اتخاذ تدابير وإجراءات غير معهودة، فمثلًا تم تقديم مشروع قانون بتمديد مدة الخدمة الإلزامية من سنتين إلى ثلاث سنوات.
كما تم استدعاء تشكيلات الاحتياط خلال الحرب الماضية بمدد أكثر مما نصت عليه القوانين التي كانت تحدد أيامًا محدودة في السنة للاستدعاء إلى قوة الاحتياط، إلا أن «عملية السيوف الحديدية» المعنية بالاقتحام البري لقطاع غزة هي من ساهمت في أزمة استدعاء الاحتياط لفترات طويلة وأبرزت مشاكل تجنيد الحريديم.

وفي سبتمبر الماضي، خلال اجتماع «لجنة رقابة الدولة» في الكنيست، أوضح اللواء دادو بار كليفا، رئيس شعبة القوة البشرية في الجيش الإسرائيلي، وجود عجز بشري في الجيش يصل إلى 12 ألف جندي، منهم على الأقل 7 آلاف مقاتل، وأن عدد المتخلفين والمتهربين من أداء الخدمة العسكرية يصل إلى 17 ألف متخلف، بعضهم يمتلك ثغرات قانونية تسمح له بالتهرب، ولعله يقصد هنا أزمة تجنيد الحريديم.
ونتيجة لذلك، برز مشروع قانون في الكنيست يوصي بتجنيد أبناء طائفة الحريديم في الجيش نظرًا لحاجة الجيش إلى ذلك، وعليه حدثت انشقاقات وتوترات داخل الكنيست والائتلاف الحاكم.
بدأت الأزمة في يونيو 2025 حينما فشل اجتماع جمع بين رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست «يولي إدلشتاين» و«موشيه غفني» رئيس الكتلة البرلمانية لحزب «يهوديت هتوراه» الحريدي، وهو الأمر الذي دفع رئيس طائفة الحريديم «دوف لاندو» إلى مطالبة الأحزاب الحريدية بالانسحاب من الائتلاف ودعم قانون حل الكنيست.
ولأجل حل الأزمة وقتها وعدم تعرض الائتلاف الحاكم للتفكك، لجأ نتنياهو إلى التسويف والمماطلة وتأجيل مناقشة القانون لما بعد العطلة الصيفية، أي سيتم مناقشته في الدورة الشتوية للكنيست، وهو ما ستتم مناقشته يوم الخميس 30 أكتوبر 2025.
وحاليًا يبدو حزب الليكود متناقضًا في مواقفه، ففي الوقت الذي يتشدد فيه يولي إدلشتاين، رئيس لجنة العلاقات الخارجية والأمن، في مسألة القانون، اندفع العديد من المحسوبين على الليكود إلى التضامن مع موقف الحريديم، مثل وزير الاتصالات «شلومو كرعي» الذي أعلن تضامنه مع الحريديم واستعداده للمشاركة في مظاهراتهم المتوقعة في 30 أكتوبر، وواصفًا القانون بأنه اضطهاد لدارسي التوراة.
جهود الجيش الإسرائيلي لاستقطاب الحريديم
خلال الفترة الماضية سعى الجيش الإسرائيلي إلى اتباع العديد من السياسات لتعويض النقص البشري في صفوفه، أبرزها تمديد فترة الخدمة الإلزامية إلى أكثر من ثلاث سنوات، وتمديد عدد فترات استدعاء الاحتياط في السنة، إلا أن ذلك ولد غضبًا لدى قطاعات عديدة في المجتمع الإسرائيلي الذي بات ينظر إلى عدم المساواة بين أفراد المجتمع الواحد، ففي الوقت الذي تُمدد فيه فترات الخدمة الإلزامية يوجد متهربون ومعفيون من التجنيد.
لذا اتخذ الجيش سياسات أخرى لأجل تجنيد المتخلفين طوعًا وكرهًا، مثل إطلاقه مبادرة «مبتدئون من جديد» التي هدفت إلى استدعاء 15 ألف متخلف من الخدمة من خلال تقديم حوافز كالمحو من السجلات الإجرامية.

أزمة عقائدية
تعيش إسرائيل اليوم أزمة عقائدية كبرى قد تساهم في انشقاق وتشرذم المجتمع الإسرائيلي بين ما يسمى أبناء الحركة الصهيونية وأبناء طائفة الحريديم، فالحركة الصهيونية تنظر إلى ذاتها على أنها علمانية الطابع، نجحت بفضل أفكار مؤسسيها تيودور هرتزل وحاييم وايزمان وليو بيكنر في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين دون الانتظار للوعد الإلهي، أما طائفة الحريديم (13% من سكان إسرائيل)، أو ما يسمى الأرثوذكس اليهود، فنظرتهم غير ذلك تمامًا، إذ ينظرون إلى ضرورة انتظار الوعد الإلهي من أجل العودة إلى أرض إسرائيل وإنشاء مملكة داوود، وأن أفكار رواد الحركة الصهيونية تعد معادية للدين اليهودي.
واستنادًا إلى الموقف العقائدي المعقد في إسرائيل، سعى الحريديم إلى إعفاء أبناء الطائفة من التجنيد في الجيش الإسرائيلي منذ عام 1948، تحت دعوى التفرغ لدراسة التوراة والدين اليهودي (الهالاخاه)، وأن دراسة الهالاخاه مقدمة على الالتحاق بالجيش وحرب الأعداء، علمًا بأن دارس الهالاخاه قد يصل إلى سن الأربعين وهو ما زال يدرسها.
وتاريخيًا عقدت الأحزاب المعبرة عن التيار الحريدي (حزبا شاس ويهدوت هتوراه) صفقة تاريخية مع الأحزاب اليمينية سواء الصهيونية أو الدينية من خلال التحالف الانتخابي وتشكيل الائتلافات الحاكمة، فعلى سبيل المثال تُمثل الأحزاب الحريدية في الكنيست بـ18 مقعدًا، وهو رقم كبير، الأمر الذي مكّن نتنياهو من تشكيل الحكومة في عام 2022.
وفي مقابل دعم الأحزاب الحريدية لليكود، حصلت تلك الأحزاب على العديد من المزايا، أبرزها إعفاء أبناء الطائفة من الخدمة الإلزامية والتجنيد الإجباري، وأيضًا تقديم هبات ومعونات مالية لدارسي التوراة والتلمود قد تصل وفق بعض الدراسات إلى 8500 دولار للطالب الواحد في السنة.

غضب علماني
تنظر القوى العلمانية داخل الكنيست بغضب شديد إلى مسألة إعفاء الحريديم من التجنيد، معتبرة ذلك إخلالًا بمبدأ المساواة في المجتمع الإسرائيلي، فعلى سبيل المثال طالب رئيس الوزراء الأسبق وعضو الكنيست الحالي «يائير لابيد» بضرورة حرمان المتخلفين عن الالتحاق بالتجنيد من حقوقهم في التصويت في الانتخابات العامة، مما يعني إخراج الأحزاب الحريدية من سياق العملية السياسية والانتخابات في إسرائيل.
والمحكمة العليا الإسرائيلية كانت لها جولات أيضًا في هذا الاتجاه، إذ ألغت قانونًا سُنّ عام 2015 يقضي بإعفاء الحريديم، إذ اعتبرته يمس مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، إلا أنها في ذات الوقت تركت الباب مفتوحًا أمام وزير الدفاع في مسألة حجم تجنيد أبناء المدارس الدينية.
سيناريوهات مستقبلية
في يونيو الماضي لجأ نتنياهو إلى التسويف والمماطلة من أجل تمرير الأزمة وعدم حل الكنيست نظرًا لظروف الحرب المتصارعة في ذلك الوقت، أما اليوم فالوضع أصبح معقدًا من نواحٍ كثيرة، فنتنياهو يريد بكل الطرق استمراره في الحكم خلال الأشهر المقبلة ريثما يتمكن من ترتيب أوضاع سياسية تمكنه من الفوز في الانتخابات المقبلة، وفي حال حل الكنيست في الوقت الحالي فإن حظوظه قد تكون متأرجحة بعض الشيء، لذا قد يلجأ إلى عدد من السيناريوهات، أبرزها:
إقالة يولي إدلشتاين من رئاسة لجنة الأمن نظرًا لموقفه المتعنت ضد رغبات الأحزاب الحريدية، وهو ما قد يهدئ من ثورة غضب الأحزاب الحريدية.
حشد نواب حزب الليكود والأحزاب الحريدية وأحزاب اليمين المتطرف من أجل وقف تمرير القانون وتلبية رغبات الحريديم، وفي ذلك الحال ستطال نتنياهو اتهامات بعدم المساواة والانحياز للحريديم، وقد تلجأ أحزاب المعارضة لاستغلال تلك النقطة انتخابيًا.
قبول انسحاب الأحزاب الحريدية من الائتلاف الحاكم دون التصويت على مشروع حل الكنيست لتصبح حكومة نتنياهو حكومة أقلية، على أمل إيجاد ثغرات قانونية تتيح لليكود التملص من اشتراطات القانون كما كان يحدث في السابق، إذ أُحيل أمر تجنيد الحريديم إلى موافقة شخصية من وزير الدفاع.


