رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

وسط توترات أوروبية: ترامب يعفي المجر من العقوبات على النفط الروسي

  ترمب مع رئيس الوزراء
ترمب مع رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان

في وقت تتصاعد فيه المنافسة بين القوى الكبرى على الطاقة والنفوذ، قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعفاء المجر من العقوبات المفروضة على واردات النفط الروسي، وهي خطوة توصف بأنها ليست مجرد استثناء اقتصادي، بل تجسيد عملي لتحول أوسع في مفهوم العقوبات من وسيلة ردع جماعي إلى أداة إدارة انتقائية للتحالفات والمصالح. 

لطالما جادلت المجر بأنها بحاجة إلى الطاقة الروسية لأنها دولة غير ساحلية لا تملك منفذًا إلى البحر أو للموانئ الثانوية، ومع ذلك كان الاتحاد الأوروبي يضغط على الدول الأعضاء لإيجاد طرق ومزودين بديلين للاستغناء عن الطاقة الروسية بشكل كامل لأنها تدر دخلاً لموسكو لمواصلة حربها على أوكرانيا، واليوم تنجح بودابست في الخروج من المأزق الاقتصادي والوصاية الأوروبية بقرار من واشنطن.

وبين الردع والبرجماتية، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من دبلوماسية الاستثناءات، حيث تتحول العقوبات من آلية ضغط إلى لغة تفاهم بين القوى الكبرى، تُرسم بها حدود النفوذ أكثر مما تُفرض بها العقوبات.

الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

العقوبات الانتقائية بين النجاح والفشل

يجسد قرار إعفاء المجر من العقوبات بقرار من الولايات المتحدة إحدى الأدوات الأقدم في السياسة الدولية، التي استخدمتها القوى الكبرى منذ منتصف القرن العشرين كوسيلة للضغط دون اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة. وقد تطورت هذه العقوبات من نمط شامل يستهدف اقتصاد الدول بكامله، إلى نمط أكثر دقة يستهدف كيانات محددة، مثل شركات أو أفراد أو قطاعات بعينها، في محاولة لتحقيق التأثير السياسي المطلوب بأقل تكلفة إنسانية واقتصادية ممكنة.

ظهر هذا النهج بوضوح بعد الحرب الباردة، عندما تبنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سياسة العقوبات الذكية ضد أنظمة وكيانات اعتبروها مهددة للأمن الدولي، مثل العراق في التسعينيات، وإيران خلال العقد الأول من الألفية، ثم روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم عام 2014.

الهدف المعلن كان دائمًا حرمان تلك الأنظمة من الموارد الحيوية دون معاقبة الشعوب أو تعطيل الأسواق العالمية، غير أن فاعلية العقوبات الانتقائية ظلت موضع جدل واسع، فبينما حققت بعض النتائج في ملفات محددة، كما في الضغط على طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات النووية عام 2015، فإنها فشلت في أخرى، مثل ردع موسكو عن سياساتها التوسعية، إذ تترك العقوبات الانتقائية، بطبيعتها، ثغرات يمكن لبعض الدول أو الشركات استغلالها لتجاوز القيود.

رئيس المجري تاماس سوليوك
رئيس المجري تاماس سوليوك

الآن، تعود هذه السياسة إلى الواجهة بصيغة أكثر تعقيدًا، فالعقوبات لم تعد فقط وسيلة لمعاقبة الخصوم، بل أداة لإعادة رسم التحالفات وتوجيه الرسائل السياسية، وبذلك تتحول الانتقائية من سمة تقنية إلى استراتيجية بحد ذاتها، تكشف كيف بات الاقتصاد أحد أهم ميادين النفوذ في عالم يتغير بسرعة.

اختبار تماسك الاتحاد الأوروبي في مواجهة موسكو

من المحتمل أن يقوض هذا القرار وحدة الموقف الأوروبي تجاه موسكو؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه بروكسل إلى الحفاظ على جبهة موحدة ضد روسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، يأتي الإعفاء الأمريكي ليمنح بودابست مساحة للتحرك خارج الإطار الجماعي للاتحاد، ما يساهم في تعميق الانقسام بين الدول الأعضاء حول كيفية التعامل مع الكرملين.

في الوقت ذاته يُنظر إلى إعفاء المجر باعتباره يضعف مصداقية العقوبات الغربية كأداة ضغط، إذ تمنح دولة عضو في الاتحاد الأوروبي استثناءً من أهم أدوات الردع الاقتصادي ضد روسيا. فهذا التباين يمكن أن يشجع دولًا أخرى تعاني من أزمات طاقة مشابهة على المطالبة بمعاملة مماثلة، ما يهدد بتفكيك الموقف الموحد الذي كان أحد أبرز عناصر قوة الاتحاد في مواجهة موسكو خلال السنوات الماضية.

في المقابل، دافعت الحكومة المجرية عن الإعفاء معتبرة أنه ضرورة وطنية لضمان أمن الطاقة واستقرار الأسعار داخليًا، مشيرة إلى أن موقع المجر الجغرافي واعتمادها شبه الكامل على النفط الروسي يجعلان من الصعب عليها تطبيق الحظر الكامل دون أضرار اقتصادية جسيمة.

غير أن هذا التبرير لم يقنع كثيرًا من العواصم الأوروبية، التي ترى في موقف بودابست اصطفافًا سياسيًا إلى جانب موسكو يتعارض مع روح التضامن الأوروبي؛ لذلك تعمق هذه الاستثناءات الشرخ بين دول الاتحاد، خصوصًا في ظل تصاعد النزعات القومية والشعبوية في بعض العواصم.

الرئيس  الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس  الروسي فلاديمير بوتين

كلما بدت العقوبات قابلة للتجزئة أو للتفاوض، كلما فقدت أوروبا قدرتها على التحدث بصوت واحد في ملفات الأمن والطاقة، وبذلك لا يقتصر تأثير القرار الأمريكي على سوق الطاقة فقط، بل يمتد إلى اختبار صلابة البنيان السياسي للاتحاد الأوروبي نفسه.

رسالة مزدوجة لأوروبا وروسيا

يمرر ترامب رسالة مزدوجة لكل من أوروبا وروسيا، إذ يعكس القرار تحولًا واضحًا في نهج واشنطن تجاه الملف الطاقوي والسياسي في القارة الأوروبية. فمن ناحية، يُوجه القرار إلى الاتحاد الأوروبي كإشارة إلى أن الولايات المتحدة لم تعد ملتزمة تمامًا بسياسة العقوبات الجماعية على موسكو، وأنها مستعدة لتقديم استثناءات لحلفاء تراهم أكثر انسجامًا مع مصالحها المباشرة، مثل حكومة فيكتور أوربان في بودابست.

وتمثل هذه الخطوة ضغطًا غير مباشر على الاتحاد الأوروبي الذي حاول خلال السنوات الماضية فرض انضباط صارم في ملف العقوبات، لتذكيره بأن واشنطن تملك هامشًا واسعًا لتحديد أولوياتها بمعزل عن الموقف الأوروبي الموحد.

وتتجدد مخاوف بروكسل من أن يشجع القرار دولًا أخرى على طلب إعفاءات مماثلة، مما قد يؤدي إلى تفكيك البنية التضامنية التي حافظت على وحدة الصف الأوروبي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

أما في اتجاه موسكو، فتأتي الرسالة أكثر تعقيدًا، إذ يظهر القرار أن واشنطن لا تسعى إلى خنق الاقتصاد الروسي بالكامل، بل إلى إدارة التوازنات السياسية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. فاستمرار تدفق النفط الروسي إلى المجر، وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، يمنح الكرملين متنفسًا اقتصاديًا محدودًا، لكنه يفتح في الوقت نفسه نافذة لواشنطن لمراقبة حركة الطاقة الروسية داخل السوق الأوروبية.

وبين رسالتي الطمأنة والردع، يبدو أن إدارة ترامب تحاول إعادة رسم خطوط النفوذ في أوروبا الشرقية بطريقة مختلفة: تقليل الاعتماد على الإطار الأوروبي الجماعي، وتعزيز العلاقات الثنائية مع الدول التي يمكن التعامل معها مباشرة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء