ما بعد الإسلاموفوبيا: المسلمون التقدميون في قلب السياسة الغربية
منذ الإعلان عن فوز زهران ممداني، عمدة لولاية نيويورك خلفًا للحاكم السابق أندرو كومو، يحتفي العرب وأبناء الجاليات من ذوي الأصول العربية والإسلامية به باعتباره أول مسلم سيتولى هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة، لكن ممداني نجح في تقديم نفسه حرًّا من أي قوالب ضيقة؛ كاقتصادي يحارب الرأسمالية، وكشاب يعي جيدًا هموم أبناء جيله، وحاكم لكل المعتقدات والديانات، متخطيًا تمامًا تعريف ذاته كمسلم فقط.
ويمثل العمدة الجديد لنيويورك نموذجًا للاندماج الإيجابي للمسلمين في المجتمعات الغربية، ولعل من أهم مكاسب تنصيبه بداية حقبة جديدة لأبناء الجاليات المسلمة في الغرب، لأن يكونوا جزءًا أساسيًا في المعادلة السياسية في الدول التي هاجروا إليها، بدلًا من الاكتفاء بمشاركة استثنائية.
فهل نشهد جيلًا جديدًا من السياسيين المسلمين الذين لا يقدّمون أنفسهم كـ"مسلمين فقط"، بل كفاعلين تقدميين؟
من الهامش إلى المنصة – تحول في تمثيل المسلمين
على مدى عقود، كان وجود المسلمين في السياسة الغربية محدودًا وغالبًا رمزيًا، محكومًا بتمثيل ثقافي أو مناطقي أكثر من كونه فاعلًا سياسيًا حقيقيًا، لكن منذ مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، برزت نماذج شابة نجحت في حصد ثقة الغرب، سواء إلهان عمر، المنحدرة من أصول صومالية وأصبحت عضوًا في الكونجرس الأمريكي، أو صادق خان، أول مسلم يتولى منصب عمدة لندن عام 2016، وأحمد حسين، وزير الهجرة الكندي السابق من أصل صومالي، الذي لعب دورًا مهمًا في إعادة تعريف صورة المسلم في السياسة الكندية كمناصر لقيم الليبرالية والانفتاح.

أهم ما يميز النماذج الصاعدة في السياسة الغربية، من أولئك الذين ينحدرون من أصول عربية أو آسيوية مهاجرة، أنهم يتحدثون عن العدالة الاجتماعية، والمناخ، والمساواة، والحقوق المدنية، إلى جانب قضايا الهوية والانتماء، ويهتمون بقضايا الحياة اليومية للسكان، في محاولة لتجنب حصرهم في كونهم مسلمين فقط أو وصفهم بالرجعية وعدم تقبل الآخر.
وساهم خطاب كراهية المسلمين، أو ما عُرف في الغرب بالإسلاموفوبيا، في ترسيخ صورة ذهنية مغلوطة عن المسلم كإرهابي؛ ولذلك كانت المعركة الحقيقية لممداني وغيره من الذين اتخذوا قرارًا بدخول السياسة أن ينتصروا على الكراهية، ويؤسسوا لمرحلة من الثقة بين جميع أطياف المجتمع بمختلف جنسياتهم ودياناتهم، ويهتموا فقط بما يشغل المواطن، سواء التوسع في بناء مساكن بأسعار مناسبة، أو تخفيف الأعباء المعيشية، ورفع الحد الأدنى للأجور، وتوفير وسائل نقل مجانية، وغيرها من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية.
تحول ديموغرافي وثقافي
لا يقدم جيل السياسيين المسلمين الجدد أنفسهم كاستثناء أو رمز للتنوع، بل كجزء من النسيج السياسي الطبيعي، فهم لا يطلبون التسامح، بل المساواة في الحضور والتأثير. إنهم أبناء عواصم كبرى (لندن، نيويورك، تورنتو، أوسلو)، ويخاطبون العالم من داخلها، لا من هوامشها.
ومن التحولات التي ساهمت في إبراز نماذج سياسية ناجحة، تغير الظروف المحيطة بالجاليات المسلمة في الغرب، إذ أصبحت أكثر تجذرًا وأفضل تعليمًا، وأبناؤها مواطنون من الجيلين الثاني والثالث الذين يرون السياسة ساحة طبيعية للمشاركة، لا تهديدًا للهوية، ويبذلون كل ما بوسعهم لإيجاد نقاط تلاقٍ مع المخالفين لهم.
ورغم تصاعد الخطاب الشعبوي واليميني عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، فإن المفارقة أن هذه الهجمات خلقت أيضًا وعيًا سياسيًا لدى الشباب المسلم بضرورة التمثيل والمقاومة الديمقراطية من الداخل، وإعادة التعريف بالهوية العربية وتصحيح الصورة المغلوطة عن المسلمين.
نجح المسلمون في التفاعل مع القيم السياسية الغربية، بالتزامن مع صعود الحركات التقدمية، حيث أصبح هناك تقاطع بين خطاب العدالة الاجتماعية، ومناهضة العنصرية، والمناخ، وحقوق الأقليات، وهي كلها ملفات يهتم بها أبناء الجاليات المسلمة والمهاجرون بوصفهم جزءًا من هذه الشبكة القيمية الجديدة.

الخطاب المعادي للسياسيين العرب والمسلمين
يشهد المشهد السياسي الغربي موجات من الجدل مع كل صعود جديد لشخصية مسلمة تحمل خطابًا نقديًا أو مواقف جريئة من السياسات الخارجية، خصوصًا تجاه قضايا الشرق الأوسط، ما قد يعيد فتح نقاشات حول حدود حرية التعبير وتوازن الولاءات.
فلا يزال الخطاب المعادي للسياسيين العرب والمسلمين حاضرًا بقوة في بعض المنابر السياسية والإعلامية، ويتخذ أشكالًا متعددة تمتد من التشكيك في الولاء الوطني إلى محاولات وصمهم بالتطرف أو ازدواجية الانتماء، وغالبًا ما يتجدد هذا الخطاب مع كل نقاش يتصل بقضايا الشرق الأوسط، خاصة حين يتبنى هؤلاء السياسيون مواقف ناقدة للسياسات الغربية تجاه فلسطين أو الهجرة أو الأقليات.
في الولايات المتحدة، مثّلت الهجمات المتكررة على النائبة إلهان عمر نموذجًا صارخًا لهذا الخطاب، إذ وُصفت مرارًا بأنها معادية لأمريكا بسبب مواقفها من السياسة الخارجية، رغم أن خطها السياسي يستند إلى قيم حقوق الإنسان والمساءلة الديمقراطية.
وفي بريطانيا، واجه صادق خان موجات من التحريض الإلكتروني واللفظي من تيارات يمينية متشددة ربطت بين هويته الدينية وأمن البلاد، في تكرار لأنماط من "الإسلاموفوبيا السياسية" التي تستخدم الدين كأداة انتخابية.
ومع تزايد حضور السياسيين العرب والمسلمين في المؤسسات الديمقراطية، تتراجع فاعلية هذه الحملات تدريجيًا، إذ بات الجمهور أكثر وعيًا بتكتيكات الاستقطاب، وأكثر استعدادًا للحكم على المرشحين بقدر أدائهم لا أصولهم.
وتشير الاتجاهات الراهنة إلى أن الناخب الغربي، ولا سيما في المدن الكبرى، بات أقل حساسية تجاه الخلفيات الدينية وأكثر انشغالًا بالكفاءة والرؤية والقدرة على إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
مآلات مستقبلية
يمكن القول إننا في بدايات عصر السياسي المسلم التقدمي، لا كتيار ديني، بل كظاهرة مدنية تعبر عن اندماج الإسلام الغربي في الحياة العامة، وعن تطور الديمقراطيات الغربية نحو مزيد من التعددية الحقيقية، حيث يصبح اسم "محمد" أو "إلهان" في صناديق الاقتراع أمرًا عاديًا، لا حدثًا استثنائيًا.
صعود ممداني وغيره لا يمثل لحظة عابرة، بل بداية لمسار طويل يعيد رسم ملامح المشاركة السياسية في المجتمعات المتعددة؛ فمع تجذر حضور الجيلين الثاني والثالث من أبناء المهاجرين في ميادين التعليم والإدارة والإعلام، يُتوقع أن تتسع رقعة التمثيل المسلم داخل الأحزاب والمؤسسات الرسمية، ليس بوصفه تمثيلًا هوياتيًا، بل تعبيرًا عن نضوج اجتماعي وثقافي يعيد تعريف معنى المواطنة.
يساهم استمرار حضور هذه الوجوه المسلمة في المشهد العام في تكريس ما يُعرف بـ"الطبيعي الجديد"، حيث لا يُنظر إلى انتماء المرشح الديني أو العرقي كعنصر مفاجئ، بل كجزء من التركيبة الديمقراطية ذاتها. ومع تراكم الخبرات والإنجازات، قد يتحول هذا المسار إلى رافعة لخطاب سياسي أكثر انفتاحًا وتوازنًا بين الهويات المتعددة داخل المجتمعات الغربية.
كما يمكن أن ينعكس هذا النموذج على وعي الأجيال الشابة في العالم العربي والإسلامي، التي تتابع عن كثب نجاح تجارب الاندماج الديمقراطي خارج حدودها، ما قد يدفعها إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدين والسياسة على أسس مدنية وحديثة.



