رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جدل الرقابة الفكرية في الغرب: ألمانيا تشدد إجراءاتها ضد الإسلام السياسي

مظاهرات تنادي بالخلافة
مظاهرات تنادي بالخلافة في المانيا - أرشيفية

على خلفية تظاهرات تنادي بإقامة دولة الخلافة في شوارع هامبورج، داهمت الشرطة الألمانية مقارَّ عددٍ من الجمعيات الإسلامية في ثلاث مدن كبرى، في إطار تحقيقات تتعلق بالاشتباه في تمويل أنشطة تتعارض مع النظام الديمقراطي للبلاد؛ إذ أوضحت الداخلية أن حظر جمعية "إنتر أكتيف" وتشديد الرقابة على منظمات أخرى لا يستهدف المسلمين كفصيل ديني، بل كيانات يُشتبه في استخدامها النشاط الدعوي غطاءً لأجندات سياسية متشددة. 

ويمكن وضع هذه المداهمات في سياق أوسع من تشديد الرقابة على الجمعيات الإسلامية منذ عدة سنوات، خصوصًا بعد ارتفاع حدة الخطاب الديني المتأثر بالنزاعات في الشرق الأوسط، ومخاوف السلطات من انتشار الأفكار المتطرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمساجد الصغيرة غير المسجلة رسميًا.

نرصد أثر ودلالات هذا القرار، وهل يمكن ضبط الخطاب الديني دون المساس بحرية المعتقد؟ وهل يؤدي تضييق مساحة النشاط الإسلامي العام إلى تعزيز الاندماج أم إلى تغذية الانعزال؟

مقاربة مزدوجة في التعامل مع الإسلام

جاءت القرارات الألمانية الأخيرة عقب تظاهر قرابة ألف شخص يحملون لافتات مدوَّنٍ عليها "الخلافة هي الحل" و"المسلمون لن يصمتوا"، وهو ما اعتبره وزير الداخلية ألكسندر دوبرين "ممارسات مناهضة للدستور"، قائلًا: "سنرد بكل قوة القانون على كل من يدعو إلى الخلافة في شوارعنا، ويُحرض على كراهية إسرائيل واليهود على نحو لا يمكن التسامح معه، ويحتقر الأقليات والمرأة".  

مظاهرات تنادي بالخلافة في المانيا - أرشيفية
مظاهرات تنادي بالخلافة في المانيا - أرشيفية

وبموجب عمليات التفتيش التي جرت في ثلاث ولايات هي برلين وهيسه وهامبورج، تم حظر جمعية "إنتر أكتيف" الإسلامية ومصادرة أصولها، ولا تزال التحقيقات جارية مع جمعيتي "جينيريشن إسلام" و"ريليتايت إسلام". وأفادت الداخلية الألمانية أن قرار الحظر صدر بناءً على تقييم مهني للمخاطر فقط، دون أي اعتبار للعامل الديني. 

وتتبع الحكومة الألمانية مقاربة مزدوجة في التعامل مع الإسلام؛ فهي تدعم مؤسسات رسمية مثل الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية (DITIB) والمجلس المركزي للمسلمين (ZMD) ضمن سياسة الاندماج، لكنها في الوقت نفسه تفرض رقابة صارمة على الجماعات التي يُشتبه في سعيها لتشكيل "مجتمعات موازية".  

ورغم نجاح هذه السياسة في الموازنة بين استيعاب الجمعيات الإسلامية، والحفاظ على الأمن القومي الألماني، فإنها قد تُعمّق شعور بعض الجاليات المسلمة بالاستهداف وتغذي خطاب الاغتراب داخلها.

تقييم مخاطر الإسلام السياسي

حملت المداهمات الأخيرة دلالاتٍ سياسية، خاصةً أنها تتزامن مع تصاعد الضغط الشعبي على الحكومة لمواجهة الإسلام السياسي بعد صعود أحزاب اليمين المتطرف التي تستثمر ملف الهجرة والدين في حملاتها الانتخابية.

تتصاعد مخاطر الإسلام السياسي في ألمانيا من خلال استغلال الحريات والقانون، ليس فقط لتحقيق أهداف سياسية مشروعة، ولكن أيضًا لتمهيد الطريق لإعادة تشكيل المجتمع الألماني بشكل كامل وفقًا للأسس التي تحددها الأيديولوجية المتطرفة. وتتقرب الجماعات المدعومة من تيارات الإسلام السياسي من الدوائر الحاكمة في ألمانيا ومن الأحزاب السياسية في محاولاتٍ لدعمهم في الترشح للانتخابات البلدية والمجالس المحلية في ألمانيا. وبينما تدافع برلين عن هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية للشفافية ومنع التطرف، فإن الإفراط في المقاربة الأمنية قد يضعف الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع المسلم، ويهدد مسار الاندماج الذي تعمل عليه ألمانيا منذ أكثر من عقدين.

السلطات الألمانية - أرشيفية
السلطات الألمانية - أرشيفية

لذلك، تحاول الحكومة الألمانية ضبط الأمور من خلال التدقيق في جماعات الإسلام السياسي عبر إجراء دراساتٍ واسعة حول تأثيرات الإسلام السياسي على المجتمع الألماني، وإنشاء مجموعةٍ من الخبراء المعنيين بدراسة تلك الظاهرة، لا سيما أن بعض التقديرات أفادت بوجود علاقة بين الأساس الفكري الذي بُنيت عليه الأيديولوجية المتطرفة في ألمانيا وتيارات الإسلام السياسي.

من حرية المعتقد إلى الأمن الفكري

مؤخرًا، ظهر اتجاهٌ أوروبي متنامٍ نحو إعادة تعريف علاقة الدولة بالإسلام، يتماشى مع تشديد الرقابة على الجمعيات الإسلامية، غالبًا تحت عنوان "الأمن الفكري" أو "مكافحة التطرف الناعم".

شهد العقد الأخير، خصوصًا بعد موجات الإرهاب في أوروبا (من 2015 إلى 2020)، تطوير مقاربةٍ جديدة تجاه الإسلام داخل المجتمعات في عددٍ من الدول الأوروبية، منها فرنسا وألمانيا والنمسا وهولندا. هذه المقاربة لا تقتصر على ملاحقة التطرف العنيف، بل تمتد إلى مراقبة ما تصفه بـ"التطرف الأيديولوجي" أو "الموازي"؛ أي الخطاب الديني الذي لا يدعو صراحةً للعنف، لكنه يُعتبر معاديًا لقيم الديمقراطية أو الاندماج.

وفي هذا الإطار، وسعت ألمانيا صلاحيات مكتب حماية الدستور (BfV) لمتابعة أنشطة الجمعيات الإسلامية التي يُشتبه بارتباطها بفكر الإخوان أو السلفية السياسية، حتى لو لم تمارس أي عنف.

وأطلقت فرنسا عام 2021 قانون "مبادئ تعزيز قيم الجمهورية"، الذي يمنح السلطات صلاحياتٍ لمراقبة التمويل الخارجي للمساجد وحل الجمعيات التي تُتهم بالتحريض غير المباشر.

فيما أقرت النمسا قانون "خريطة الإسلام" عام 2021، الذي يصنف جميع الجمعيات الإسلامية المسجلة ويعرض بياناتها للعلن، ما أثار جدلًا حول انتهاك الخصوصية الدينية.

السلطات الألمانية  خلال إجراءات التفتيش
السلطات الألمانية  خلال إجراءات التفتيش

ورغم أن هذه السياسات يتم تقديمها رسميًا على أنها تهدف إلى حماية التعايش، فإنها في الواقع تؤسس لمفهوم جديد هو "الأمن الفكري"، أي الرقابة على الخطاب والمحتوى الديني بوصفه عاملًا مؤثرًا في الأمن القومي، وليس مجرد شأنٍ عقائدي.

ختامًا:

تُبرَّر هذه السياسات المتعلقة بمراقبة الخطاب الديني بأنها ضرورية لمنع انتشار الفكر المتشدد قبل أن يتحول إلى عنف، لكنها تقود في النهاية إلى تحويل الإسلام إلى ملفٍّ أمني دائم، وتضع الجمعيات الإسلامية تحت ضغطٍ بيروقراطي يفقدها دورها الاجتماعي الطبيعي.

والنتيجة: ظهور علاقة جديدة بين الدولة والدين في أوروبا تقوم على الدمج المشروط والرقابة المستمرة؛ بما يعني أن تسعى الدولة إلى شراكةٍ مع المؤسسات الإسلامية "المعتدلة"، ولكن ضمن حدود تحددها الأجهزة الأمنية والسياسات العلمانية الصارمة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء