من الهويّة إلى المواطنة: كيف تجاوز زهران ممداني الانقسامات الدينية والعرقية في نيويورك؟
لم يترك عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني فرصة لانتقاد السياسات الإسرائيلية خلال حملته الانتخابية، فكان دومًا يشير إلى دعمه الدائم للقضية الفلسطينية، مهددًا باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا حضر إلى نيويورك، بسبب تورطه في ارتكاب جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني. لكن المفارقة هي الدعم الكبير الذي حظي به من الشباب اليهودي التقدمي.
ولا شك أن الخطاب الذي تبناه ممداني يفصل تمامًا بين الديانة اليهودية، وبين الحركة الصهيونية وإسرائيل كدولة احتلال لها سياسات غير مقبولة، إلى جانب تركيزه الدائم على القضايا الحياتية والأزمات التي تخص المواطن بعيدًا عن ديانته أو معتقده، وتقديم رؤية اشتراكية يسارية تواجه الرأسمالية التي تتميز بها المدينة.
في إطار تعزيز صورته كمرشح شامل قادر على توحيد مجتمع متنوع، نلقى الضوء على دور الخطاب السياسي المتوازن لممداني، الذي يجمع بين دعم الحقوق الفلسطينية ورفض أي خطاب عنصري ضد اليهود.

دعم يتجاوز الانقسامات الدينية والعرقية
استطاع ممداني بناء تحالف انتخابي واسع تجاوز الانقسامات الدينية والعرقية التي طالما مثلت تحديًا في الحياة السياسية للمدينة، إذ قدم نفسه خلال حملته كمرشّح العدالة للجميع، مركزًا على قضايا المعيشة والسكن والنقل، بعيدًا عن الخطابات الطائفية أو الهوية الدينية.
في السياق ذاته، ركز عمدة نيويورك في برنامجه الانتخابي على العمل الميداني في الأحياء المهمشة التي تضم خليطًا متنوعًا من المسلمين واليهود واللاتينيين والأفارقة، ما ساعده في تخطي حدود الانتماءات الدينية والعرقية التقليدية. وهذا الفوز يعكس أيضًا تحوّلًا في وعي الناخبين بنيويورك، الذين باتوا يمنحون الأولوية للقضايا الاقتصادية والاجتماعية على حساب الانقسامات الهوياتية.
ورغم الهجوم الدائم من الرئيس دونالد ترامب على يهود نيويورك بسبب دعمهم مرشحًا مسلمًا، أسهم الشباب اليهود التقدميون بدورٍ بارز في فوز ممداني عبر حملات ميدانية ونشاط مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي دعمًا لبرنامجه الاجتماعي والاقتصادي. وانخرط المئات منهم ضمن منظمات يهودية معتبرين أن سياسات ممداني الداعية إلى العدالة والمساواة تعبّر عن القيم الإنسانية التي يتشاركونها، بعيدًا عن الانقسامات الدينية أو المواقف التقليدية من القضايا الخارجية.

وأظهرت استطلاعات رأي محلية أن نسبة لافتة من الناخبين اليهود الشباب في نيويورك صوّتوا لمصلحة ممداني، في مؤشر على تحوّل داخل الشارع اليهودي الأمريكي نحو دعم تيارات أكثر تقدمية في القضايا الاقتصادية والاجتماعية. هذا التحالف المتنوع منح ممداني قاعدة دعم جديدة جمعت بين فئاتٍ من المسلمين واليهود واللاتينيين، وأسهم في تعزيز صورته كمرشحٍ يوحّد سكان المدينة على أساس العدالة لا الهوية.
وانتقدت منظمات يهودية وصف اليهود الذين صوتوا لممداني بـ"الأغبياء" من قبل الرئيس ترامب، معتبرةً أنها تصريحات تحريضية معادية للسامية ومسيئة للناخبين، وهو ما رد عليه عمدة نيويورك بتأكيد احترامه لجميع الديانات، وأن حملته قامت على مبادئ العدالة والكرامة للجميع، لا على استغلال الانتماءات الدينية لتحقيق مكاسب سياسية.
مواجهة الخطاب المعادي للمسلمين
واجه عمدة نيويورك المنتخب خلال حملته الانتخابية سلسلة من الحملات الإعلامية والاتهامات التي وصفتها منظمات حقوقية بأنها تحمل نزعات معادية للمسلمين، تمحورت حول خلفيته الدينية ومواقفه السياسية من قضايا الشرق الأوسط، لكن ممداني اختار الرد على تلك الحملات بلغة الانفتاح والعمل الميداني، مؤكدًا أن برنامجه يركز على خدمة جميع سكان المدينة دون تمييز على أساس الدين أو العرق.
وخلال مناظراته وتصريحاته العامة، شدد ممداني على أن قيمه السياسية تنطلق من مبادئ العدالة والمساواة، لا من اعتبارات دينية، مشيرًا إلى أن نيويورك مدينة تقوم على التنوع والتعايش، وأن قوة مجتمعها تكمن في احترام الاختلاف.

كما حرص على زيارة الكنائس والمعابد والكنس اليهودية، تأكيدًا لنهجه التواصلي الرافض لأي محاولات لزرع الانقسام أو تغذية الكراهية. وساهمت هذه الاستراتيجية في تحويل الهجمات إلى فرصة لتعزيز صورته كزعيم معتدل وشامل، قادر على تمثيل جميع فئات المجتمع النيويوركي.
ويُنظر إلى فوزه بوصفه رسالة واضحة ضد سياسات التمييز، وانتصارًا لخطاب التعايش والتعددية الذي طالما ميّز هوية المدينة.
ترويض الرأسمالية لخدمة العدالة
يعتزم عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني المضيّ في تنفيذ برنامجه الاجتماعي والاقتصادي ضمن إطار النظام الرأسمالي القائم، من خلال سياسات تهدف إلى تحقيق توازنٍ أكبر في توزيع الموارد دون المساس بحقوق الملكية أو آليات السوق.
ويؤكد ممداني أن رؤيته تقوم على ترويض الرأسمالية لخدمة العدالة، عبر زيادة الضرائب على أصحاب الدخل المرتفع، وتوجيه العائدات لتمويل الإسكان الميسّر والنقل العام المجاني، إلى جانب دعم الأجور وتحسين الخدمات في الأحياء ذات الدخل المحدود.

كما يخطط لاستخدام ميزانية المدينة الضخمة كأداة لتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع خضراء تخلق فرص عمل مستدامة، مع توسيع مشاركة المواطنين في تحديد أولويات الإنفاق البلدي ضمن ما يُعرف بـ"الموازنة التشاركية".
هذه الخطوات تساعد ممداني على تحقيق عدالة اجتماعية من داخل المنظومة الرأسمالية، لا عبر الصدام معها، في محاولة لإعادة صياغة نموذج اقتصادي أكثر إنصافًا في واحدة من أكثر مدن العالم انفتاحًا وتنوّعًا.
فوز ممداني.. تجربة قابلة للاستنساخ المشروط
يطرح فوز عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني أسئلة حول إمكانية تكرار تجربته السياسية في مدن غربية أخرى، إذ اعتمد نجاحه على مزيج من الخطاب الشامل، والتحالفات متعددة الديانات، ودعم الشباب التقدّمي، وهي عوامل قد تكون قابلة للتطبيق في مدن كبرى مثل لندن أو تورونتو أو برلين، حيث التنوع العرقي والديني حاضر بقوة.
ويُعد العامل الأبرز هو قدرة المرشح على تقديم نفسه كخادم لجميع المواطنين وليس بناءً على هويته الدينية أو العرقية؛ فممداني لم يقدم نفسه كمرشح مسلم فحسب، بل كمرشح للعدالة والمساواة، ما ساعده في كسب أصوات طيف واسع من الناخبين من خلفيات متنوعة.
ومن الأمور الأساسية في استكمال تجربة عمدة نيويورك الحالي وجود حركات شبابية نشطة سياسيًا ووعي مدني متقدم، وهي شروط أساسية لتكرار هذا النموذج في أماكن أخرى؛ لكن لا ننكر أن فوزه قد يصبح مصدر إلهام للسياسيين من خلفيات مهاجرة أو دينية مختلفة، ويشجعهم على خوض الانتخابات العامة بثقة، شرط تبني برامج سياسية تعتمد على القيم المشتركة والمساواة، لا على الانتماءات الضيقة.



