رائدة البرلمان المصري رواية عطية.. اليوزباشي التي حولت «عورة» الصوت إلى «ثورة»
في زمنٍ كان صوت المرأة فيه "عورة"، جاءت سيدة مصرية لتجعله "ثورة".
لم تكتفِ راوية عطية بالصمت، بل اقتحمت ساحة السياسة لتدخل التاريخ من أوسع أبوابه، لتكون أول امرأة عربية ومصرية تفوز في انتخابات مجلس الأمة عام 1957.
لم يكن فوزها مجرد حدثٍ عابر، بل كان تتويجًا لنضال طويل بدأ من شوارع القاهرة وانتهى تحت قبة البرلمان.
هذا التقرير عبر إيجبتكِ يخبركم من هي راوية عطية، وما هي محطات حياتها التي صنعت منها أيقونةً للنضال النسائي.

من مظاهرة إلى دستور.. البداية الثورية
بدأت القصة في عام 1951، عندما قادت درية شفيق مظاهرة نسائية جريئة اقتحمت مقر مجلس النواب للمطالبة بحقوق المرأة.
كانت تلك الشرارة التي أشعلت قضية منح المرأة حق الترشح والانتخاب، وهو ما تحقق رسميًا بعد سنوات قليلة.
ففي عام 1956، صدر دستور جديد بقرار من الرئيس جمال عبدالناصر، منح المرأة المصرية هذا الحق التاريخي.
وفي انتخابات 1957، ترشحت ثماني سيدات، وفازت منهن اثنتان فقط: راوية عطية وأمينة شكري، لتثبت راوية أن المرأة قادرة على قيادة التغيير.
أم المقاتلين ومقاتلة الحقوق
لم تقتصر إنجازات راوية عطية على العمل السياسي والبرلماني، فقد كانت امرأة متعددة المواهب والإسهامات.
في حرب أكتوبر 1973، تولت رئاسة جمعية (أسر الشهداء والجنود)، وحصلت على لقب "أم المقاتلين الشهداء"، تقديرًا لدورها في دعم أسرهم.
كما نالت رتبة "يوزباشي" وثلاث جوائز عسكرية تكريمًا لجهودها المتميزة في خدمة الجيش المصري.
معركة راوية عطية في الانتخابات.. مواجهة شرسة
كان طريق راوية عطية إلى البرلمان محفوفًا بالصعوبات والتحديات.
ففي انتخابات 1957، خاضت منافسة شرسة ضد شخصيات سياسية واقتصادية مرموقة، على رأسهم رئيس مجلس إدارة بنك مصر، أحمد فؤاد.
واجهت راوية حربًا ضارية من المجتمع الذي كان يرفض وقتها فكرة تولي المرأة لمناصب قيادية.
ورغم المؤامرات والمحاولات لإسقاطها، أظهرت إصرارًا لا يلين.
ورغم الدعم الذي حظي به منافسها من شخصيات رفيعة المستوى، إلا أن راوية عطية فازت بفارق كبير، لتثبت أن إرادة الشعب أقوى من أي محاولة للتلاعب.
نضال تحت القبة.. الدفاع عن قضايا المجتمع
لم تكتفِ راوية عطية بالفوز بمقعد في البرلمان، بل استثمرت وجودها للدفاع عن قضايا المجتمع، خاصةً قضايا المرأة والأسرة.
كانت جهودها تتمحور حول الجانب الاجتماعي، حيث طالبت بإنشاء مكاتب للتوجيه الأسري، وتعميم فكرة دور الحضانة، وتقديم الدعم لأسر الشهداء.
كما تقدمت بمشروع قانون لتنظيم الأسرة، وطالبت بتعديل لائحة الجامعات وتدريب الشباب على حمل السلاح، مما يعكس رؤيتها الشاملة لتطوير المجتمع.
عودةٌ بعد غياب.. من البرلمان إلى الصليب الأحمر
بعد خسارتها في انتخابات 1959، ابتعدت راوية عطية عن البرلمان لمدة 24 عامًا، انضمت خلالها إلى أنشطة الصليب الأحمر، وعملت في الصحافة، ودرست علم النفس والعلوم الإسلامية.
لكن شغفها بالعمل العام أعادها مرة أخرى إلى الساحة السياسية، حيث ترشحت في انتخابات عام 1984 وفازت بعضوية مجلس الشعب للمرة الثانية.
توفيت راوية عطية في عام 1997 عن عمر يناهز 71 عامًا، لكن إرثها لا يزال حيًا. فقصتها ليست مجرد سيرة ذاتية، بل هي شهادة على قوة المرأة وإصرارها على تحقيق طموحاتها في مجتمعٍ كان يرى أنها لا تصلح للقيادة.
تبقى راوية عطية رمزًا للنضال، وإلهامًا لكل امرأة تطمح إلى ترك بصمة حقيقية في التاريخ.



