اغتيال مانزو: المكسيك بين فوضى الكارتيلات وانهيار سلطة الدولة
بينما يحضر الأربعينيكارلوس ألبيرتو مانزو، رئيس إحدى البلديات، مهرجانًا شعبيًا يُعرف بيوم الموتى وسط مدينة أوروابان بولاية ميتشواكان المكسيكية، أُطلقت صوبه مجموعة أعيرة نارية أصابته على الفور وأدت إلى مقتله؛ تلك الواقعة التي أثارت المخاوف حول عودة الاغتيالات السياسية وزيادة نفوذ الجريمة المنظمة بالمكسيك.
ورغم تعهد كلاوديا شينبوم، رئيسة المكسيك، بتحقيق العدالة في مقتل رئيس البلدية، الذي انتقد الجريمة المنظمة والكارتيلات، ودعا الحكومة إلى بذل المزيد من الجهود لحمايته وآخرين، إلا أن جرائم القتل لا تزال تُرتكب بحق السياسيين والصحفيين وغيرهم، إذ أفادت وسائل إعلام محلية بأن أكثر من 30 ألف جريمة قتل وقعت في البلاد خلال عام 2024، أي 82 قتيلًا من الجنسين كل يوم، أو أكثر من 3 قتلى في الساعة.
وبين الإجراءات والمبادرات التي تهدف إلى مكافحة العنف السياسي وقتل المسؤولين، لم تنجح الدولة حتى الآن في حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان؛ بما يكشف الفجوة بين وجود السياسات وتنفيذها الفعلي.
انتهاك الفضاءات المدنية
يُعتبر اغتيال كارلوس مانزو رمزًا لجملة من الأزمات العميقة في المكسيك، منها أمن ضعيف، ونفوذ الجريمة المنظمة، واقتصاد محلي مستهدف، وثقة عامة مهزوزة، ودور دولة على المحك. فهي ليست مجرد جريمة قتل سياسية عادية، لكنها تُعري فشل الدولة في إعادة تأسيس سلطتها أو أن المشهد سيتجه نحو شرعنة العنف.
كان مانزو هدفًا واضحًا لجماعات ترى في أي مسؤول يرفض الخضوع تهديدًا مباشرًا لمصالحها، إذ صرّح مرارًا بضرورة تقوية الأمن واتخاذ خطوات استباقية لمنع جرائم الاغتيال، بالإضافة إلى رفضه القاطع لمافيا الكارتيلات التي تشتهر بها المكسيك؛ لذلك فإن موته يكشف مرحلة جديدة من الاغتيال السياسي، تتداخل فيها المصالح الإجرامية بالسياسة، وتمتزج فيها سلطة المال والسلاح مع ضعف الدولة المركزية.
ويبرز الحادث عمق الاختراق الذي تمارسه الجماعات الإجرامية داخل المؤسسات المحلية، إذ وُضع مانزو تحت حماية القوات الفيدرالية منذ عدة أشهر، وحذر من احتمالية اغتياله مثل الكثيرين من الساسة، لكن نجح شخص مسلح في توجيه سبع طلقات نارية له أدت إلى مقتله في الحال؛ ليصبح حلقة جديدة ضمن سلسلة اغتيالات استهدفت رؤساء بلديات ومرشحين سياسيين خلال الأعوام الأخيرة، في ولايات تعاني من عنف مزمن مثل ميتشواكان وجويريرو وخاليسكو.
الكارتيلات كسلطات موازية
تواصل جماعات الجريمة المنظمة، المعروفة في المكسيك باسم الكارتيلات، ترسيخ نفوذها في مناطق واسعة من البلاد، إذ تسيطر الكارتيلات على مساحات تمتد من الولايات الجنوبية إلى مناطق الشمال على الحدود مع الولايات المتحدة، حيث تنشط في تهريب المخدرات والسلاح وابتزاز المزارعين ورجال الأعمال، وصولًا إلى التدخل في الانتخابات المحلية.

ولم يعد نفوذ الكارتيلات مقتصرًا على تجارة المخدرات فحسب، بل تطور إلى نظام اقتصادي موازٍ يعتمد على جباية الضرائب من السكان والشركات، والتحكم في إنتاج سلع استراتيجية مثل الأفوكادو والمعادن، وخلال السنوات الأخيرة تحولت المواجهة بين الدولة وهذه الجماعات إلى حرب مفتوحة أودت بحياة آلاف المدنيين والمسؤولين، من بينهم رؤساء بلديات ومرشحون انتخابيون وصحفيون، في وقت تشهد فيه مؤسسات إنفاذ القانون ضعفًا واضحًا أو اختراقًا من الداخل.
ويُرجع تصاعد نفوذ الكارتيلات إلى ضعف ثقة المواطنين في الدولة، وغياب التنمية في المناطق الريفية، إضافة إلى استفادة تلك العصابات من الفساد داخل الأجهزة الأمنية والقضائية. ورغم الوعود المتكررة من الحكومات المتعاقبة بالقضاء على الجريمة المنظمة، إلا أن الواقع على الأرض يبرز عكس ذلك.
ومع اغتيال شخصيات سياسية بارزة مثل كارلوس مانزو، يتجدد النقاش داخل المكسيك حول مدى قدرة الدولة على استعادة السيطرة الكاملة على أراضيها، في ظل استمرار تغول الكارتيلات وتزايد مظاهر الخوف والعنف في الحياة العامة، فلم تعد المعركة ضد الكارتيلات قضية أمنية، بل تحديًا لبنية الحكم نفسها، إذ باتت تلك الجماعات تمارس نفوذًا سياسيًا غير مباشر عبر الترهيب أو شراء الولاءات.

بين استعادة الدولة واستمرار فوضى الكارتيلات
تشهد المكسيك محطة جديدة في مسار طويل من العنف السياسي الذي يضرب الدولة منذ عقود، ويكشف عمق الأزمة التي تواجهها الأجهزة في مواجهة الكارتيلات وتحولها إلى قوى تتحكم بالسياسة والاقتصاد المحلي، حيث يمثل اغتيال رئيس بلدية بهذه الجرأة وفي مناسبة رمزية صدمة وطنية تعيد إلى الأذهان سلسلة الاغتيالات التي طالت مسؤولين سياسيين منذ تسعينيات القرن الماضي.
منذ اغتيال المرشح الرئاسي لويس دونالدو كولوسيو عام 1994، لم تنجح المكسيك في كسر حلقة العنف السياسي التي تتغذى على الفساد وضعف مؤسسات الأمن والقضاء، ومع توحش الكارتيلات خلال العقدين الماضيين، تداخلت خطوط الجريمة والسياسة بشكل غير مسبوق، إذ باتت العصابات تمتلك ما يشبه "السلطة الموازية" في بعض المناطق، تفرض الضرائب وتحكم طرق التجارة وتختار من يترشح للبلديات.
فشل الحماية وتراجع الثقة
رغم إعلان الحكومات المتعاقبة خططًا لمحاربة الجريمة المنظمة، فإن الأرقام تؤكد فشل تلك الاستراتيجيات، فبحسب منظمات حقوقية، قُتل خلال العقد الأخير أكثر من 100 رئيس بلدية أو مرشح محلي في هجمات يُعتقد أن وراءها الكارتيلات.

وفي حالة مانزو، ورغم خضوعه لحراسة فيدرالية منذ أشهر، لم تمنع الإجراءات الأمنية اغتياله، ما أثار تساؤلات حول اختراق العصابات للأجهزة الرسمية وضعف التنسيق بين المستويات المحلية والفيدرالية.
وهناك أكثر من سيناريو لما هو قادم؛ الأول، أن تستعيد الدولة زمام المبادرة عبر إصلاح جذري للأجهزة الأمنية، وتوسيع برامج الحماية لتشمل المسؤولين المحليين والمرشحين السياسيين.
أما الخيار الثاني، فهو استمرار حالة "الاستقرار المسلح"، حيث تتعايش الحكومة مع الكارتيلات في توازن هشّ يضمن الحد الأدنى من النظام دون القضاء على الجريمة؛ فلن تنجح المكسيك في كبح العنف دون إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتجفيف منابع الفساد والتمويل غير الشرعي التي تُبقي الكارتيلات قوية ومؤثرة.
ختامًا:
اغتيال مانزو ليس مجرد جريمة جديدة في سجل عنيف، بل إنذار سياسي يُظهر أن المعركة من أجل استعادة الدولة لم تُحسم بعد، فإما أن تتحول دماؤه إلى نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي يحد من نفوذ الكارتيلات، أو أن يظل الحادث حلقة جديدة في دائرة العنف التي تطارد المكسيك منذ عقود.



