تقدير موقف | المستقبل الغامض لصربيا: دولة عالقة بين الحلم الأوروبي والظل الروسي
مع استمرار تظاهرات المعارضة الصربية منذ عام 2024 حتى الآن، لا يمكن تحليل الحركة الاحتجاجية في العاصمة بلجراد بمعزل عن إطار جيوسياسي تتقاطع فيه عناصر الحراك الداخلي من المواطنين الرافضين لسياسات الرئيس ألكسندر فويتش، مع النفوذ الروسي بمنطقة غرب البلقان، إذ تواصل قوات الأمن اعتقال الأفراد المحتجين بعد اشتباكهم مع مجموعة من أنصار الرئيس، الذي توعدهم بإجراءات قاسية ردًّا على إثارة الشغب في البلاد.
وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه صربيا إلى الموازنة بين علاقاتها التاريخية مع روسيا ومسارها كدولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ما يجعل المشهد السياسي في البلاد محكومًا بتقاطعات داخلية وجيوسياسية معقدة.
غضب شعبي متصاعد
لم ييأس الطلاب والمزارعون والعمال الصرب من رفض الحكومة لمطالبهم المتمثلة في إجراء انتخابات رئاسية مبكرة رفضًا للفساد والمحسوبية، إذ تشهد العاصمة بلجراد وعدد من المدن الأخرى جولات جديدة من المواجهات بين محتجين مناهضين للحكومة وقوات مكافحة الشغب، بعد أن خرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع، حيث أقدم عدد من الشبان الملثمين على إشعال النيران في مبانٍ مهجورة تابعة للحزب التقدمي الصربي الحاكم.

وتحوّل المشهد سريعًا إلى اشتباكات عنيفة بعدما رشق المحتجون قوات الأمن بالحجارة والألعاب النارية، في حين ردّت الشرطة باستخدام القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع لتفريقهم. كما استمرت المواجهات بسبب توقيف الشرطة عددًا من المتظاهرين الذين حاولوا التوجه نحو مقر الحزب الحاكم، وسط تصاعد الغضب الشعبي ضد حزب الرئيس وسياساته التي يصفها المحتجون بالاستبدادية.
وتُعدّ هذه الاحتجاجات واحدة من أكبر التحركات الشعبية التي تشهدها البلاد منذ سنوات، إذ انطلقت الشرارة الأولى إثر حادث انهيار سقف محطة قطارات في مدينة نوفي ساد أودى بحياة عدد من الأشخاص، ما أثار غضبًا واسعًا تجاه الحكومة واتهاماتٍ بالتقصير والإهمال الإداري. وسرعان ما تحولت المظاهرات إلى حراك أوسع يطالب بمكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، واستقالة المسؤولين المقصرين، وصولًا إلى الدعوة لإصلاحات سياسية شاملة.
واتهم الرئيس ألكسندر فويتش جهات خارجية بمحاولة زعزعة الاستقرار وتكرار سيناريو "الثورات الملوّنة"، على حدّ تعبيره، وتعبّر موجة الغضب الشعبي عن تراجع الثقة الشعبية في الحكومة.
النفوذ الروسي.. تحالف تاريخي أم ورقة ضغط جيوسياسية؟
ترتكز العلاقة بين موسكو وبلجراد على مزيج من الروابط التاريخية والدينية والسياسية، جعل من روسيا الحليف الأبرز لصربيا في البلقان. ويستند هذا النفوذ إلى عدة محاور رئيسية، أبرزها التعاون في مجال الطاقة، حيث تعتمد صربيا بشكل كبير على الغاز والنفط الروسيين، إضافة إلى امتلاك شركات روسية حصصًا في مؤسسات حيوية داخل البلاد.
كما تحتفظ موسكو بحضور قوي في الفضاء الإعلامي والثقافي الصربي، عبر قنوات ناطقة بالصربية ومنظمات تعمل على تعزيز الصورة الإيجابية لروسيا لدى الرأي العام. وعلى الصعيد السياسي، تمارس روسيا دعمًا ثابتًا للحكومة الصربية في القضايا الحساسة، خصوصًا في ملف كوسوفو، إذ تستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لعرقلة أي قرارات تمسّ الموقف الصربي.
وتحذر روسيا من أي تدخل غربي في الشأن الصربي، مجددة دعمها لموقف بلجراد المناهض للمحتجين، وتواصل موسكو تعزيز حضورها السياسي والإعلامي في صربيا في ظل تصاعد التوترات الداخلية التي تشهدها البلاد، حيث تؤكد دعمها للحكومة الصربية في مواجهة ما تصفه بـ"محاولات غربية لزعزعة الاستقرار".
كما يتجاوز النفوذ الروسي في صربيا الدعم السياسي، إذ يمتد إلى الفضاء الإعلامي ومنظمات المجتمع المدني، فيما يستخدم الكرملين العلاقة الوثيقة مع بلجراد كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي داخل منطقة البلقان التي تُعد نقطة تماسّ استراتيجية بين الشرق والغرب.
لذلك، يوصف هذا التحالف بأنه براجماتي مزدوج؛ تستفيد منه موسكو لترسيخ نفوذها في قلب أوروبا، بينما ترى فيه بلجراد ضمانة سياسية واقتصادية توازن بها ضغوط الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
البلقان بين بروكسل وواشنطن
تُعتبر صربيا حجر الزاوية في إستراتيجية الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة داخل منطقة البلقان، إذ تمثل أكبر وأهم دولة في غرب البلقان من حيث الموقع الجغرافي والتأثير السياسي. فبالنسبة لبروكسل، يُنظر إلى صربيا على أنها المفتاح لاستكمال مشروع توسيع الاتحاد الأوروبي شرقًا، وتعزيز الاستقرار في منطقة لطالما كانت بؤرة توتر في القارة.
يقول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إن الحراك الشعبي في صربيا يعبر عن تطلعات ديمقراطية مشروعة، وقد يشكل فرصة لدفع الرئيس ألكسندر فويتش نحو إصلاحات سياسية وتقليص اعتماده على روسيا، ما يعزز فرص بلجراد في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ولذلك، يحرص الأوروبيون على إبقاء بلجراد ضمن المسار الإصلاحي والانفتاح الديمقراطي، باعتبار أن ذلك يضمن استقرار الحدود الجنوبية للاتحاد ويحد من تمدد النفوذ الروسي، فيما تراها واشنطن ساحة اختبار لمدى قدرتها على إعادة تثبيت حضورها في البلقان بعد سنوات من التراجع النسبي لصالح موسكو وبكين.
وتسعى واشنطن إلى دعم القوى الديمقراطية والمجتمع المدني، وتشجع على إصلاحات سياسية واقتصادية تقرّب صربيا من الغرب وتقلّص اعتمادها على روسيا في مجال الطاقة والدفاع. كما تنظر الإدارة الأمريكية إلى ملف كوسوفو بوصفه محورًا أساسيًا لقياس توجهات بلجراد؛ فكلما اقتربت صربيا من تسوية مع كوسوفو، ازدادت فرصها في نيل الدعم الغربي، وكلما تمسكت بالموقف الروسي المتشدد ابتعدت أكثر عن مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
في المحصلة، تتقاطع مصالح بروكسل وواشنطن عند نقطة واحدة: منع تحول صربيا إلى قاعدة نفوذ روسي في قلب أوروبا، وضمان أن تبقى بوابة البلقان مفتوحة أمام النموذج السياسي والاقتصادي الغربي.
أخيرًا، نجد أن الطرف الغربي يستفيد من استمرار الضغط الشعبي دون انزلاق البلاد إلى الفوضى، فيما تفضل موسكو استقرار النظام الحالي الذي يضمن استمرار نفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة؛ ما يعني أن صربيا ستبقى عالقة في دوامة احتجاجات داخلية وصراع مصالح خارجي، فيما يدفع الشارع الصربي ثمن التوازن الصعب بين الشرق والغرب.



