من الرسوم الجمركية إلى كسر التحالفات.. التوتر الأمريكي البرازيلي يتصاعد
تتخطى أزمة الرسوم الجمركية بين البرازيل والولايات المتحدة النطاق التجاري المحدود لتتحول إلى أزمة متعددة الأبعاد، تحمل في طياتها تداعيات سياسية واقتصادية متشابكة تؤثر على العلاقات الثنائية بين البلدين، لكن يُحتمل أن يشهد هذا الملف انفراجة قريبة بعد لقاء الرئيس البرازيلي ويس إيناسيو لولا دا سيلفا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كوالالمبور، على هامش قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).
بالتزامن مع الإجراءات العقابية المتمثلة في فرض رسوم جمركية من قبل واشنطن على واردات زراعية وسلع معدنية برازيلية بنسبة بلغت 50%، سارعت الصين إلى توسيع تعاونها مع ريو دي جانيرو عبر اتفاقات تجارية واستثمارية ضخمة جعلت من بكين الشريك التجاري الأول للبرازيل منذ أكثر من عقد.

النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية
تشهد أمريكا اللاتينية تحولات جيوسياسية مع تصاعد الخلاف التجاري والدبلوماسي بين الولايات المتحدة والبرازيل، في وقت تبدو فيه الصين المستفيد الأكبر من هذا التوتر من خلال تعزيز شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع أكبر اقتصاد في المنطقة.
ومع تزايد التوترات السياسية والدبلوماسية، وتحرك بكين سريعًا لملء الفراغ التجاري والاستثماري، يجد الطرفان نفسيهما أمام اختبار حقيقي قد يعيد رسم خريطة التحالفات في نصف الكرة الغربي خلال الأعوام المقبلة.
وتسعى بكين إلى تعميق حضورها في البرازيل من خلال استثمارات استراتيجية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا الخضراء، إذ افتتحت شركة السيارات الصينية “BYD” في منتصف عام 2025 أكبر مصنع للسيارات الكهربائية في أمريكا اللاتينية بولاية باهيا، في خطوة تُعتبر جزءًا من خطة الصين لاختراق الأسواق بأمريكا الجنوبية بعيدًا عن القيود الغربية.
يتقاطع التوجه الصيني مع سياسة الرئيس البرازيلي دا سيلفا الرامية إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، يُخفض من اعتماد بلاده على الولايات المتحدة ويمنحها مساحة أوسع للمناورة بين القوى الكبرى، إذ تعمل الصين على توظيف عضوية البرازيل في مجموعة بريكس لتعزيز حضورها في القارة اللاتينية ودعم مبادرات الجنوب العالمي في مواجهة ما تعتبره هيمنة غربية تقودها الولايات المتحدة.
لكن التقارب الصيني البرازيلي لا يخلو من مخاطر، إذ يحذر خبراء من أن اعتماد البرازيل المفرط على السوق الصينية قد يجعل اقتصادها هشًّا أمام أي تباطؤ في نمو الصين، كما أن اختلال ميزان التبادل التجاري، حيث تصدر البرازيل المواد الخام وتستورد المنتجات المصنعة، يهدد مسارها الصناعي المستقل.
إعادة تشكيل المشهد الداخلي والعلاقات مع واشنطن
أثار القرار الأمريكي برفع الرسوم الجمركية انقسامًا سياسيًا حادًا داخل البرازيل؛ إذ رحبت بعض قيادات اليمين بالإجراء الأمريكي واعتبرته نتيجة مباشرة لسياسات دا سيلفا الاقتصادية، في حين نددت التيارات اليسارية، وعلى رأسها حزب العمال البرازيلي، بالخطوة ووصفتها بأنها انتهاك للسيادة الوطنية.
أما على صعيد العلاقات الثنائية، فقد اتخذ التوتر بين واشنطن وريو دي جانيرو منحىً غير مسبوق بعد سلسلة من الإجراءات القضائية والسياسية المتبادلة، فقد أمرت المحكمة العليا البرازيلية الرئيس السابق بولسونارو بارتداء سوار إلكتروني على مدار الساعة، ومنعته من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو التواصل مع دبلوماسيين أجانب، بما في ذلك نجله النائب إدواردو بولسونارو.

وردًّا على ذلك، صعّدت الإدارة الأمريكية الموقف، إذ أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو إلغاء تأشيرات دخول قاضي المحكمة العليا ألكسندر دي مورايس وعدد من زملائه وأفراد عائلاتهم إلى الولايات المتحدة، متهمًا إياهم بقمع حرية التعبير ومتوعدًا بمحاسبة المسؤولين الأجانب المتورطين في انتهاك الحقوق المحمية بموجب القانون الأمريكي.
وفي خطوة تصعيدية إضافية، فرضت واشنطن في 30 يوليو 2025 عقوبات على القاضي دي مورايس بموجب قانون ماغنيتسكي العالمي، الذي يتيح معاقبة المسؤولين الأجانب المتهمين بالفساد أو بانتهاكات حقوق الإنسان — في إشارة واضحة إلى أن الخلاف تجاوز الإطار التجاري ليصل إلى صراع دبلوماسي مباشر.

جهود أمريكية لاحتواء نفوذ الصين في أمريكا اللاتينية
تسعى الإدارة الأمريكية لاحتواء تمدد النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية عبر تعزيز الشراكات مع دول الجوار ككولومبيا وتشيلي والمكسيك، إضافةً إلى تقديم حوافز تجارية جديدة للبرازيل وتسوية العقوبات، في محاولة لاستعادتها إلى دائرة النفوذ الأمريكي التقليدي، وبناء كتلة اقتصادية قادرة على موازنة الصعود الصيني في القارة.
استراتيجية الاحتواء التي تعتمد عليها واشنطن متعددة المسارات، وهي تجمع بين الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، في محاولة لإعادة ترسيخ حضورها داخل أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، إذ تكثف الولايات المتحدة جهودها لتقديم بدائل تقنية آمنة للبرازيل في مجالات الجيل الخامس والأمن السيبراني والطاقة النظيفة، في مواجهة الحضور الصيني عبر شركات تكنولوجية كبرى.
كما تسعى واشنطن إلى توسيع برامج التعاون الدفاعي والتدريب العسكري مع برازيليا، إلى جانب مشاريع مشتركة في مجالات البنية التحتية الذكية، في إطار سعيها لتقليص مساحة التغلغل الصيني في القطاعات الاستراتيجية الحساسة.
ومع ذلك، تبدو البرازيل حريصة على انتهاج سياسة توازن دقيقة بين واشنطن وبكين، غير أن موازين القوى في القارة تميل تدريجيًا نحو الشرق، في تحول يعكس إعادة تشكيل للنظام الدولي باتجاه عالم متعدد الأقطاب تسعى الصين لترسيخه عبر توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
ختامًا:
يبقى المشهد في أمريكا اللاتينية مرهونًا بتوازن القوى بين واشنطن وبكين، حيث تحاول الولايات المتحدة إعادة ترسيخ حضورها التقليدي، بينما تواصل الصين توسيع نفوذها التجاري والاستثماري.
وفي ظل تمسك البرازيل بسياسة خارجية متوازنة، يبدو أن التنافس بين القوتين العظميين سيدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تعكس التحولات الكبرى في النظام الدولي متعدد الأقطاب.



