الاستخبارات الخاصة.. سلاح العولمة الجديد في إدارة الصراعات ومكافحة الإرهاب
في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تبنت معظم دول العالم إنشاء أجهزة ووكالات استخباراتية تابعة للحكومة، يتم تزويدها بمختلف الوسائل والإمكانيات المتاحة من أجل تحقيق أهدافها في تقصي المعلومات والحقائق عن كافة مهددات الأمن القومي للدولة، وجمع أكبر قدر من المعلومات عن أنشطة الدول المعادية وتخريب سياسات تلك الدول. وفي سبيل ذلك، نشطت الاستخبارات الوطنية في استخدام أكثر أدواتها المتعارف عليها الآن: التجسس واختراق صفوف الأعداء؛ فتاريخ أجهزة الاستخبارات يروي لنا عشرات قصص التجسس التي مورست خلال العقود الخمس الأخيرة.
بيد أن الاستخبارات الحديثة في الدول العالمية نشأت في الأساس لمواجهة متطلبات الحرب الباردة، فأقوى أجهزة الاستخبارات في العالم مثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) نشأت عام 1947 لمواجهة تحديات الحرب الباردة، وفي المقابل أنشأ الاتحاد السوفيتي جهازه الاستخباراتي الأشهر "لجنة أمن الدولة بالاتحاد السوفيتي" المعروفة عالميًا باسم جهاز "كي جي بي"، وفي الشرق الأوسط أسست مصر جهاز مخابراتها "المخابرات العامة" عام 1954.

رغم الاهتمام العالمي بدور أجهزة الاستخبارات في مرحلة الحرب الباردة، إلا أن هذا لم ينفِ إقدام بعض الدول على إنشاء أجهزة استخبارات خلال النصف الأول من القرن العشرين؛ حيث أنشأت بريطانيا جهازها المشهورSecret Intelligence Service المعروف بجهاز (MI6) عام 1909، وكذلك "جهاز البوليس السري الألماني" المعروف بالغستابو عام 1933، ولعب الغستابو دورًا كبيرًا في الحرب العالمية الثانية إلى أن تم حله مع نهاية الحرب في مايو 1945.
غلب الصراع بين القوى العظمى "الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي" على التحديات الأمنية والاستخباراتية التي واجهتها أجهزة الاستخبارات في تلك المرحلة، بالإضافة إلى عناية الاستخبارات بمواجهة التمردات في دول العالم المدعومة من إحدى القوتين العظميين. فمثلًا، انصب على عاتق المخابرات الأمريكية مواجهة الحركات المتمردة المحسوبة على الاتحاد السوفيتي في دول أمريكا اللاتينية، خاصة الثورة في كوبا، وفي المقابل عنيت الاستخبارات السوفيتية بمحاولات التمرد المدعومة من القوى الغربية في منطقة شرق أوروبا، مثل الثورة المجرية التي تم إخمادها في أكتوبر 1956.

الظاهرة الإسلاموية
رويدًا رويدًا بدأ التعاطي الاستخباراتي مع الظاهرة الإسلاموية في العالم منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، حيث ترتب على الاحتلال السوفيتي لأفغانستان والثورة الإيرانية عام 1979 صعود التيار الإسلاموي بشقيه السني والشيعي، مما حدا بأجهزة الاستخبارات العالمية إلى إبراز قدر كبير من الأهمية لذلك التيار الناشئ والصاعد في فضاء السياسة الخارجية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المواجهة الاستخباراتية المصرية للمد الإسلاموي سبقت التجربة العالمية بنحو عقدين من الزمن؛ ففي عامي 1954 و1966 شهدت مصر مواجهات أمنية واستخباراتية بين الدولة وجماعة الإخوان، أفضت وقتها إلى الحد من تفشي الحالة الإسلاموية في المجتمع والسياسة المصرية.
بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط العدو الشيوعي، أصبح التحدي الإسلاموي هو التحدي الأول للاستخبارات العالمية، فقبل انتصاف عقد التسعينيات تعرض مبنى التجارة العالمي لعملية إرهابية نفذها متطرفون ينتسبون للتيار الإسلاموي، واستمر التيار الإسلاموي في التصاعد كهدف أول لأجهزة الاستخبارات العالمية حتى نهاية التسعينيات، حيث تعرضت مواقع أمريكية عديدة دبلوماسية وعسكرية لعمليات إرهابية متنوعة كتفجيرات الخبر عام 1996 وتفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998، ومع بداية الألفية الجديدة أضحى الإسلام السياسي هو الهدف الأول والأسمى لأجهزة الاستخبارات، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي مثلت ذروة التهديد الإسلاموي للعالم الغربي.

تراجع الأداء الأمني والاستخباراتي للدولة
أدت عوامل العولمة التي سادت العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وشيوع القطبية الأحادية إلى فقدان الدولة العديد من وظائفها الأساسية كالأمنية والدفاعية والاقتصادية لصالح اعتبارات عديدة، أبرزها انفتاح الأسواق وسلعنة كافة الخدمات التي كانت تحتكرها الدولة كالأمن والدفاع والاستخبارات.
دفعت تأثيرات ظاهرة العولمة على الوظيفة الأمنية والدفاعية للدولة العديد من المفكرين والباحثين لتفسير تلك التداعيات؛ فمثلًا، الدكتور إبراهيم نصر الدين في كتابه "دراسات في النظم السياسية الأفريقية" أشار إلى أن العولمة عملت على إنهاء احتكار الدولة لحقها في استخدام القوة في مواجهة مواطنيها والخارجين عن القانون تحت دعاوى احترام حقوق الإنسان، الأمر الذي عزز من ظاهرة "البوليس الخاص" أو ما يُعرف اليوم بشركات الأمن والاستخبارات الخاصة.
ويرى نصر الدين أن تراجع دور الدولة في المسألة الأمنية وبزوغ ظاهرة البوليس الخاص عززا من فرص الحرب الأهلية وتمرد الجماعات الإرهابية التي باتت ترى أن الدولة عاجزة عن مواجهة واجباتها الأمنية وردع الخارجين عن القانون.
من المؤكد أن الرؤية الأخيرة التي طرحها نصر الدين، تتفق بشكل أو بآخر مع واقع الدول النامية التي شهدت تراجعًا في أداء الدولة في العديد من الوظائف الأمنية والسياسية والاقتصادية وسلعنة كافة السلع والخدمات التي كانت تحتكرها الدولة.

توجد عوامل أخرى تعزز الرؤية السابقة، أبرزها ما أصدرته الأجهزة الاستخباراتية والأمنية والسياسية والدبلوماسية في الولايات المتحدة تحت عنوان "الدليل الأمريكي لمكافحة التمرد" الذي أكد أن حركات التمرد والجماعات الإرهابية تعمل على إضعاف قدرات الدولة الأمنية والاستخباراتية، الأمر الذي يدفعها إلى اللجوء إلى ما يُسمى بالمقاولين الأمنيين أو المتعاقدين الذين تعاظمت مهامهم في الفترة الأخيرة بالشكل الذي لا يمكن الاستغناء عنهم، خاصة من قبل الحكومة الأمريكية المتداخلة في العديد من مناطق الصراع حول العالم.
تداعيات استخدام شركات الاستخبارات
يحمل ولوج العديد من الدول إلى استخدام شركات خاصة في الاستخبارات العديد من التداعيات، أبرزها:
أولًا: أعباء مالية متزايدة
يشكل لجوء الدول إلى استخدام شركات خاصة تعمل في مجالي الأمن والاستخبارات في مواجهة الحركات الإرهابية مزيدًا من تحميل الاقتصاد الوطني أعباء إضافية، فمن المعروف أن تلك الشركات تلتهم حصصًا كبيرة من الميزانية الوطنية، وقد يكون المقابل الذي تتقاضاه عبارة عن عقود احتكارية لإدارة بعض القطاعات الاقتصادية كقطاع النفط، على سبيل المثال، ففي المناطق الملتهبة أمنيًا وسياسيًا تنشط تلك الشركات في الحصول على عقود تأمين لمحطات النفط وخطوط الغاز كما هو الحال في العراق ونيجيريا.
ثانيًا: ضعضعة قوى الجيش والأمن
يضيف الأستاذ بجامعة "قاصدي مرباح" و"ورقلة" بالجزائر بوحنية قوي في دراسته عن شركات الأمن الخاص، أن شركات الاستخبارات تعمل على ضعضعة الجيوش الوطنية في الدول النامية، خاصة في إفريقيا، فالرواتب العالية التي تقدمها تلك الشركات لمنتسبيها تدفع جنود الجيش والشرطة إلى الفرار من الخدمة العسكرية والالتحاق بمثل تلك الشركات التي توفر دخلًا أعلى مما يتقاضونه في جيش بلادهم.
أخطبوط استخباراتي
في البداية، يجب التفريق بين عدة أنواع من الشركات الأمنية حتى لا يتم الخلط بين المفهوم الصحيح للأمن الخاص والمرتزقة، حيث لوحظ في العديد من الأدبيات التي تناولت دور شركات الأمن والاستخبارات استخدام مفهوم المرتزقة للتدليل على شركات الأمن والاستخبارات، وهو خلط لا يمكن تجاوزه حتى يتم بيان صحته أو ضعفه.
ففي البداية، يجب التفريق بين الشركات التي تقدم خدمات أمنية محدودة ومؤطرة قانونيًا مثل خدمات توفير حراسات لبعض المؤسسات الخدمية كالبنوك والمتاجر ومرائب السيارات، وبين الشركات الأمنية والاستخباراتية التي تتدخل في النزاعات المسلحة وتشارك في عمليات وأد حركات التمرد وخلافه، فتلك الشركات عملت على تحوير وظائفها الأمنية من مجرد توفير خدمات أمنية بسيطة منخفضة المخاطر كالحراسات على المتاجر إلى خدمات عالية المخاطر كتأمين المنشآت النفطية والمعدنية في أوقات الصراعات المسلحة وانهيار الدول. ذلك النوع الأخير يقترب بشدة من مفهوم المرتزقة ما لم يتم تأطيره في إطار قانوني منضبط، كما أن تلك الشركات حرصت على امتلاك آليات استخبارية ووسائل دعم لوجستي وعسكري تجعلها أشبه بجيوش مصغرة.
بدأت أنشطة الشركات الاستخباراتية الخاصة في الظهور للعلن في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وكانت الحرب البلقانية الميدان الأول لظهورها وتطور وجودها، حيث نشطت في مواجهة حالات التمرد في الدول الأفريقية كسيراليون.
حاليًا تمتلك الشركات الاستخباراتية العديد من الفروع على مستوى العالم، مما يدل على تزايد نشاطها الأمني والاستخباري حتى بات يمكن وصفها بأنها تتحكم في الأمن العالمي؛ فمثلًا شركة (G4S) البريطانية تمتلك فروعًا في 110 دول بقوة توظيفية تبلغ 570 ألف موظف.
وختامًا
تبرز شركات المخابرات كـ"جني المصباح" بالنسبة للحكومات، إذ أبدت تفاعلًا جيدًا مع التهديدات اللانمطية التي تواجه الأنظمة السياسية مثل الإرهاب والتهديدات السياسية التي تمارسها بعض الجماعات السياسية الناشئة، والتي ترى الحكومات أن تلك الأنشطة متطرفة وتهدد وجودها السياسي. ومن أبرز تلك العمليات برنامج "بيجاسوس" الاستخباراتي الإسرائيلي الذي عكفت تل أبيب عبر شركاتها الخاصة على تطويره، والذي يعمل على مراقبة الناشطين والفاعلين في الدول الأخرى، ومؤخرًا جرى تصدير البرنامج إلى الحكومات الراغبة في اقتنائه لتعقب أنشطة المخالفين والمعارضين لسياسات تلك الحكومات.



