رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

واشنطن بين الليكود واليمين الديني: انقسام إسرائيلي حول الدور الأمريكي في غزة

ترامب ونتنياهو -
ترامب ونتنياهو - أرشيفية

كشفت التدخلات الأمريكية الأخيرة فيما يخص وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتنفيذ الخطط الإسرائيلية المتعلقة بالقطاع عن عمق الخلافات الإسرائيلية الداخلية، خاصة بين طرفي رحى اليمين الإسرائيلي السياسي والديني.

حَظِيَ اليمينُ الإسرائيلي السياسي التقليدي، والمتمثل في حزب الليكود منذ نشأته في سبعينيات القرن الماضي، بدعم غير محدود من واشنطن، مما أفرز مساحات واسعة من الثقة المتبادلة بين الطرفين، جعلت الليكود يثق تمامًا في تحركات واشنطن، خاصة في الأحداث السياسية الكبرى.

فاتفاقيات السلام التي راعتها واشنطن بين إسرائيل والدول العربية معظمها تم تحت إدارة الليكود، فعلى سبيل المثال، اتفاقية كامب ديفيد 1978 ـ 1979 بين مصر وإسرائيل كانت إسرائيل وقتها تحت قيادة مناحم بيجن زعيم حزب الليكود.

وتحت وطأة التغيرات العالمية التي شهدها مطلع تسعينيات القرن المنصرم، دخلت منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في مفاوضات مباشرة في مدريد عام 1991 تحت رعاية أمريكية مباشرة، وكان يتزعم إسرائيل وقتها زعيم حزب الليكود إسحق شامير. وأخيرًا جرت اتفاقات أبراهام عام 2020 بين إسرائيل تحت قيادة نتنياهو (الليكود) وبعض الدول العربية برعاية أمريكية.

ومؤخرًا تدخلت الولايات المتحدة في فرض وقف إطلاق النار في غزة والتوقيع على اتفاقية خاصة بذلك خلال مؤتمر شرم الشيخ الماضي، وفيه لعبت واشنطن دور الضامن الأمين لكافة المصالح والتطلعات الإسرائيلية نظرًا لحالة الثقة الموجودة بين قيادة الليكود "بنيامين نتنياهو" والقيادة الأمريكية "الرئيس دونالد ترامب".

الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

امتعاض اليمين المتطرف

يشترك الجانبان، اليمين السياسي الذي يُعد امتدادًا للحركة الصهيونية التصحيحية التي أسسها زئيف جابوتينسكي، واليمين الديني المتطرف الذي ينهل معتقداته من أفكار الحاخام مائير كاهانا، في العديد من السياسات والأفكار وتقارب وجهات النظر، فكاهانا نفسه عرّف نفسه بأنه ينتمي إلى الصهيونية التصحيحية التي أسسها جابوتينسكي.

رغم التوافقات السابقة، إلا أن الموقف من الولايات المتحدة مختلف بعض الشيء، كما أن خرقًا بدأ يتسع بين الطرفين فيما يخص تلك النقطة تحديدًا، فاليمين الديني المتطرف ينظر بعين الارتياب الشديد إلى الدور الأمريكي، واصفًا إياه بالمعطل لتطلعات المجتمع اليهودي في إنشاء مملكة داوود على أرض يهودا والسامرة وغوش قطيف.

وفيما يلي أبرز نقاط الخلاف والتضارب في المواقف بين الولايات المتحدة وقوى اليمين المتطرف:

خلافات قديمة:

الخلاف بين واشنطن واليمين اليهودي المتطرف ليس وليد اليوم، بل يمتد إلى عقد الستينيات، التي نشط فيها الحاخام مائير كاهانا في نيويورك، والذي عُرف وقتها بتشدده الديني ودوام انتقاده للمجتمع اليهودي الأمريكي على انحلاله الأخلاقي والديني. كما كان دائم التحريض على الوفود السوفيتية القادمة إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي أدى إلى سجنه ودفعه بعد ذلك إلى الهجرة إلى إسرائيل عام 1971.

وفور هجرته إلى إسرائيل أسس حزبه المتطرف "كاخ"، إلا أنه تم سجنه على خلفية ضبط الشرطة الإسرائيلية مخبأ يخصه به متفجرات أُعدت خصيصًا لتهريبها إلى أمريكا لاستهداف الوفود الدبلوماسية العربية والسوفيتية. وظل كاهانا على نزعته العنيفة المتطرفة حتى تم حظره سياسيًا عام 1988 واغتياله في نوفمبر 1990.

اتفاق وقف إطلاق النار في غزة:

في مطلع الشهر الحالي، وفي خضم ترتيبات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس برعاية أمريكية، انبرى كل من سموتريتش وزير المالية، ووزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير، في حث نتنياهو على الاستمرار في الحرب وعدم الركون إلى موقف واشنطن، وأن كليهما معارض لخطة واشنطن. كما هددا في وقت مبكر بالانسحاب من الائتلاف الحاكم في حال إتمام اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أنهما تراجعا عن ذلك وقبلا بالاستمرار في الحكومة رغم معارضتهما للاتفاق.

وحاليًا تتواتر الأخبار الواردة من إسرائيل حول ادعاءات يروجها قادة أمنيون بشأن شكوكهم في قدرة واشنطن على إيجاد آلية مناسبة لنزع سلاح حماس، وأن الأفضل هو احتلال قطاع غزة عسكريًا وتشكيل حكومة عسكرية إسرائيلية تتولى عملية نزع السلاح.

نتنياهو وبن غفير
نتنياهو وبن غفير

الموافقة على خرق وقف إطلاق النار:

تضاربت المواقف مرة أخرى بين اليمين اليهودي وواشنطن خلال عملية خرق وقف إطلاق النار التي تمت في 19 أكتوبر الماضي، فكلا الوزيرين المتطرفين رحبا بشدة بالغارات الجوية وطالبا باستمرار العمليات العسكرية، وفي المقابل طالبت واشنطن تل أبيب بضبط النفس، وأرسلت وقتها الإدارة الأمريكية عددًا من الوفود الدبلوماسية بقيادة جيه دي فانس نائب الرئيس، ووزير الخارجية مارك روبيو، ومبعوثي واشنطن للشرق الأوسط ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير.

الموقف من ضم الضفة الغربية:

من أبرز النقاط الخلافية أيضًا، أن قوى اليمين اليهودي في الكنيست تتسارع بشكل كبير في إصدار مشاريع قوانين تطالب فيها بفرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية، وهو ما تعارضه واشنطن التي ترى في تلك الخطوة مسألة قد تُهيّج الدول العربية والإسلامية وتزيد تعقيد الأمور. وحاليًا يتحجج نتنياهو بعدم موافقته على هذا المشروع بالموقف الأمريكي الرافض لتلك الخطة.

تل أبيب أم كريات جات؟

بات اليمين الإسرائيلي المتطرف ينظر إلى مدينة كريات جات الواقعة جنوب تل أبيب على أنها العاصمة الحقيقية للبلاد والمتحكمة في القرار السياسي نظرًا للقاعدة العسكرية الأمريكية بها. وفي هذا الإطار انبرى رئيس الوزراء السابق "نفتالي بينيت"، والمحسوب على حزب “البيت اليهودي" المتطرف، لتوجيه الانتقادات إلى قاعدة كريات جات، واصفًا إياها بأنها متغلغلة في عملية صنع القرار في إسرائيل، وأن الجيش الإسرائيلي بات يتلقى تعليماته من تلك القاعدة.

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش

الإساءات المتكررة لحلفاء أمريكا في المنطقة:

لا يتورع أعضاء اليمين المتطرف اليهودي عن إحراج واشنطن أمام حلفائها، خاصة الدول الخليجية، فواشنطن تحاول حاليًا رأب الصدع في علاقاتها مع دول الخليج، خاصة بعد الغارة الإسرائيلية على الدوحة في سبتمبر الماضي.

فمؤخرًا خرجت تصريحات صادرة عن وزير المالية "بتسلئيل سموتريت" مسيئة للمملكة العربية السعودية، إذ قال: "يمكن أن تواصل ركوب الجمال"، ردًا على اشتراط الرياض قيام دولة فلسطينية مقابل التطبيع مع إسرائيل.

ولاحقًا عاد واعتذر سموتريتش عن تصريحاته، إلا أنها أثارت قلق واشنطن، خاصة في ظل الحديث عن ترتيبات أمريكية ـ سعودية ـ إسرائيلية حول إمكانية التطبيع في مطلع العام المقبل، وهو ما سيتحدد خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" لواشنطن في منتصف نوفمبر المقبل.

وختامًا:

من المحتمل أن يشكل اليمين المتطرف عبئًا متزايدًا خلال الفترة المقبلة سواء على الليكود ونتنياهو أو على واشنطن، فاندفاع اليمين المتطرف في أفكاره وتصرفاته قد يساهم في إحراجات متتالية للإدارة الأمريكية.وقد تسعى واشنطن خلال الفترة المقبلة، عبر حليفها بنيامين نتنياهو، إلى تشذيب قوى اليمين المتطرف من خلال تقليص دورها في الكنيست خلال الانتخابات المقبلة، التي يسعى فيها نتنياهو إلى الفوز بأكبر حصة من المقاعد تمكنه من تشكيل ائتلاف محدود بعيدًا عن قوى اليمين التي أرهقته سياسيًا خلال السنتين الماضيتين. وقد يتم ذلك من خلال إيجاد زخم انتخابي يشكل قوة دفع لنتنياهو خلال الانتخابات المقبلة، وقد يأتي هذا الزخم بتوقيع اتفاقية سلام بين السعودية وإسرائيل برعاية أمريكية في مطلع العام المقبل.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء