ليلة اغتيال الزعيم.. رصاص «الإخوان» يطارد عبد الناصر في المنشية| تقرير
في مدينة الإسكندرية الهادئة، وعشية يوم 26 أكتوبر 1954 منذ 71 عام، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول ليلة الاحتفال بالنصر إلى مسرح لجريمة كادت تودي بحياة رجل حمل على كتفيه عبء أحلام أمة بأسرها.
في مساء يوم الثلاثاء، 26 أكتوبر 1954، وعلى وقع الهتافات الصادقة التي كانت ترتفع احتفاءً بتوقيع اتفاقية الجلاء التاريخية، كان جمال عبد الناصر يقف شامخاً فوق منصة ميدان المنشية.
كان صوته يرتل كلمات الكرامة والعزة، وفجأة... انشقّ صمت الاستماع للخطاب،بـ ثمانية رصاصات غادرة.
لم تكن تلك الرصاصات مجرد طلقات نحو جسد، بل كانت موجّهة إلى قلب ثورة، وإلى الروح الوليدة لأمة كانت تتنفس الحرية لأول مرة منذ قرون.
تحوّل المشهد البهيج إلى فوضى عارمة وذعر أصم، لكن وسط كل هذا الهلع، حدث ما لم يكن في الحسبان.
من بين ألسنة النيران وشرر الذعر، اخترق صوت الزعيم الهادئ والقوي تلك الفوضى ليُطلق صرخة تاريخية خلدتها الذاكرة: "أيها الرجال فليبق كلٌ في مكانه، حياتي فداء لمصر، دمي فداء لمصر".
في تلك اللحظة الفارقة، لم ينجُ عبد الناصر من الموت فحسب، بل وُلد أسطورته الشعبية الحقيقية.
لكن هذه الحادثة، التي عُرفت بـ "حادثة المنشية"، لم تكن نهاية القصة، لقد كانت مجرد البداية لفصل دموي حافل بالصراعات والأسرار، غيّر وجه مصر وخط مسارها السياسي إلى الأبد.
فمن أين أتت هذه الرصاصات؟ وماذا كان الثمن الذي دفعته البلاد لتلك الليلة المشؤومة؟
في هذا التقرير المفصل عبر إيجبتكِ نرصد تفاصيل تلك الليلة المشؤومة، ومن هو مطلق الرصاص؟ وماذا كشفت التحقيقات وسط روايات متضاربة لا تزال تثير الجدل حتى اليوم؟
في هذا التقرير المفصل يرصد إيجبتكِ تفاصيل تلك الليلة المشؤومة، ومن هو مطلق الرصاص؟ وماذا كشفت التحقيقات وسط روايات متضاربة لا تزال تثير الجدل حتى اليوم؟

حادثة المنصة.. تفاصيل اللحظات الحاسمة لنجاة الزعيم
كان المشهد احتفالياً بامتياز، حيث احتشد الآلاف في ميدان المنشية ابتهاجاً بتوقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا.
وفي تمام الساعة 7:55 مساءً، وخلال إلقاء عبد الناصر لخطابه، دوت طلقات نارية متتالية.
اطلق المتهم، الذي قُبض عليه فوراً، ويدعى محمود عبد اللطيف، 8 رصاصات تجاه المنصة.
الغريب أن الرصاصات طاشت رغم قرب المسافة ورغم جاهزية “عبد اللطيف” للتصويب، أصيب اثنان من كبار الشخصيات الجالسين بجروح طفيفة بسبب الزجاج المكسور، بينما نجا منها عبد الناصر، ليتحول الخطاب إلى عرض للقوة والثقة أمام الجماهير المذعورة.
الوزير السودانى الميرغنى حمزة، الذي كان يجلس على يسار الرئيس عبد الناصر، أصيب نتيجة تطاير شظايا زجاج مصباح كهربائى، وأصيب أحمد بدر سكرتير هيئة التحرير فى الإسكندرية.
رد فعل الزعيم
رفض عبد الناصر محاولات حراسه لإخراجه، وواصل خطابه بصوت عالٍ وحماسي، مؤكداً أن حياته ليست أهم من كرامة وعزة مصر: "إنني حيّ ولم أمت وإذا متّ فإن كلاً منكم هو جمال عبد الناصر... لقد زرعت فيكم القوة والعزة والكرامة ولن تسقط الراية أبداً".
بطل شعبي صدفةً
بعد مرور أسبوع على الحادثة، ذكرت صحيفة "الأهرام" أن عامل بناء صعيدياً يُدعى "خديوي آدم" عثر على المسدس الذي استُخدم في المحاولة، فسافر من الإسكندرية إلى القاهرة "سيراً على قدميه" لمدة أسبوع ليُسلمه بنفسه إلى الرئيس جمال عبد الناصر.

"الإخوان المسلمون" المتهم الأول
لم تتردد السلطات في توجيه أصابع الاتهام إلى الخصم الأقوى لمجلس قيادة الثورة آنذاك، وهي جماعة الإخوان المسلمين.
الرواية الرسمية أكدت انتماء مطلق النار، محمود عبد اللطيف، إلى الجهاز السري للجماعة، وأنه حُرّض من قبل المحامي هنداوي دوير، عضو الجماعة.
الاتهامات وخطط المؤامرة الكبرى
الجاني والمنفذ.. محمود عبد اللطيف، فني سيارات (أو سباك) من إمبابة، وعضو في النظام الخاص للإخوان منذ عام 1943 ومعروف ببراعته في الرماية، وهو ما زاد من الشكوك حول فشل محاولته من مسافة قريبة.
المؤامرة الأكبر.. أشارت التحقيقات الرسمية إلى أن المخطط لم يكن يقتصر على اغتيال عبد الناصر، بل امتد ليشمل تصفية أعضاء مجلس قيادة الثورة ونحو 160 ضابطاً من الجيش، ووجود خطة أخرى لنسف الطائرة التي كانت ستقلّ عبد الناصر، دبرها البكباشي أبو المكارم عبد الحي.
المتهمون القياديون.. شملت قائمة المتهمين الرئيسية : محمود عبد اللطيف، يوسف طلعت، هنداوي دوير، إبراهيم الطيب، الكاتب والمفكر الإسلامي عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي، ومرشد الإخوان آنذاك حسن الهضيبي.
حل الجماعة والمحاكمات السريعة
أول قرار.. بعد 3 أيام فقط من الحادثة، وتحديداً في 29 أكتوبر 1954، صدر قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين.
محكمة الشعب.. شُكّلت محكمة عسكرية استثنائية عُرفت باسم "محكمة الشعب" برئاسة جمال سالم وعضوية أنور السادات وحسين الشافعي.
الأحكام الصادمة.. صدرت الأحكام بالإعدام شنقاً على 7 من القيادات، خُفف حكم الهضيبي لاحقاً إلى الأشغال الشاقة المؤبدة لظروفه الصحية.
نفذ الحكم في 6 من أبرزهم عبد القادر عودة، حيث صدرت الأحكام بالإعدام بعد أقل من شهرين من الواقعة، ووصل عدد الذين حُكم عليهم في قضايا مرتبطة بالحادث إلى 867، وبلغ عدد المعتقلين 2943 معتقلاً بحلول أكتوبر 1955.

كشفت شهادات حسن العشماوي (عضو الإخوان وعنصر الاتصال مع عبد الناصر قبل الثورة)، وعدد آخر من عناصر الجماعة، أكدت أن عبد الناصر كان يعرف محمود عبد اللطيف جيداً، حيث رشحته الجماعة لتنفيذ عملية فدائية سابقة في بورسعيد (لم تتم) بسبب براعته في "التنشين".
الرواية الرسمية واستغلال الحادث
انشقاق الإخوان: يؤكد مسؤولون أمنيون أن عبد اللطيف قُبض عليه في موقع الحادث، وأن محاولة الاغتيال كانت نابعة من صراع داخلي أو عمل فردي من عناصر في الجهاز السري، خاصة بعد رفض المرشد حسن الهضيبي المطلق لأي عمل دموي، كما زعم يوسف القرضاوي.



