رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقدير موقف|المعركة على الكاريبي.. الغاز والطاقة بوابة الصراع الأمريكي–الفنزويلي

الرئيس الفنزويلي
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو -أرشيفية

نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في استغلال ترينيداد وتوباجو، الجارة الأقرب لفنزويلا، لاستضافة المدمرة الأمريكية يو إس إس جريفلي المزودة بصواريخ موجهة، لإجراء تدريبات بحرية مشتركة مع سلاح البحرية في ترينيداد؛ الأمر الذي اعتبرته كاراكاس حالة من الاستفزاز الاستراتيجي، وخطوة نحو الانتشار العسكري الأمريكي في البحر الكاريبي.

وتدرس توباجو خيار تنويع شراكاتها الإقليمية بعيدًا عن فنزويلا، عبر التوجه نحو غيانا وسورينام ودول الكاريبي، لتعويض أي خسائر محتملة في التعاون مع كراكاس، بالإضافة إلى مساعي بورت أوف سبين لتعزيز حضورها داخل منظمة الكاريكوم لتقليل اعتمادها على الغاز الفنزويلي.

فهل يؤدي هذا التحول إلى إضعاف الروابط التاريخية بين البلدين، أم أنه سيمنح إحدى الجارتين مساحة أوسع للتحرك السياسي والاقتصادي في المنطقة؟

ستة عقود من العلاقات بين أمريكا وتوباجو

تمتد العلاقات التاريخية بين ترينيداد وتوباجو والولايات المتحدة لأكثر من ستة عقود، منذ اعتراف واشنطن الرسمي باستقلال الدولة الكاريبية عام 1962، إذ بدأت العلاقة في إطار ودي يقوم على التعاون الدبلوماسي والاقتصادي، مدعومًا بخلفية تاريخية من الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة خلال الحرب العالمية الثانية، حين أقيمت فيها قاعدة بحرية ضمن اتفاق المدمّرات مقابل القواعد بين بريطانيا والولايات المتحدة.

على مدى العقود التالية، تعززت الروابط بين البلدين عبر اتفاقيات تجارية واستثمارية جعلت من الولايات المتحدة أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لترينيداد وتوباجو، خاصة في قطاع الطاقة. فالدولة الكاريبية تُعد من أهم المصدرين للغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الأمريكية، ما جعل العلاقات الاقتصادية تتخذ طابعًا إستراتيجيًا يرتبط مباشرة بأمن الطاقة الإقليمي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

على الجانب الأمني، تطورت الشراكة بين البلدين من خلال مبادرات مثل أمن حوض الكاريبي CBSI، التي تستهدف مكافحة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة ودعم قدرات الأمن البحري، وساهم في تعزيز العلاقات الموقع الجغرافي لترينيداد وتوباجو القريب من سواحل فنزويلا وجنوب البحر الكاريبي.

الانتشار الأمريكي في الكاريبي وأزمة فنزويلا

ساهمت التوترات السياسية بين أمريكا وفنزويلا، بما فيها العقوبات الأمريكية على كاراكاس، في التأثير على مشاريع الطاقة المشتركة بين ترينيداد وتوباجو وجارتها الجنوبية، حيث علّقت فنزويلا اتفاقيات الغاز المبرمة مع ترينيداد بعد أن اتهمها الرئيس نيكولاس مادورو بأنها أصبحت حاملة طائرات للإمبراطورية الأمريكية ضد فنزويلا، وصدّق على إجراء مؤقت يقضي بتعليق فوري لكل مفاعيل اتفاقية الطاقة المبرمة بين البلدين، والتي تتضمّن اتفاقيات في مجال الغاز.

ورغم سعي الحكومة الترينيدادية إلى تحقيق توازن دقيق بين شراكتها التاريخية مع الولايات المتحدة وحفاظها على علاقات مستقرة مع فنزويلا والدول الكاريبية، في محاولة لترسيخ موقعها كدولة محورية تتعامل بمرونة مع التحولات الجيوسياسية في المنطقة، إلا أنها رفضت ما وصفته بالابتزاز الفنزويلي، مشيرة إلى أنها لن تخضع لضغوط حول تعليق اتفاقيات الغاز، وأنها لن تتراجع عن مكافحة كارتيلات المخدرات.

يُعتبر مشروع حقل الغاز "دراجون" الواقع في المياه الفنزويلية حجر الأساس لأي تعاون اقتصادي مستقبلي بين الطرفين، فترينيداد، التي تعتمد على الغاز الطبيعي كمصدر رئيسي لاقتصادها، ترى في الحقل فرصة لتأمين احتياطاتها الطاقية، بينما تأمل فنزويلا في استخدامه كمنفذ لتخفيف عزلتها الاقتصادية. ومع ذلك، يبقى مصير المشروع معلقًا بقرار واشنطن، التي تتحكم عمليًا في منح أو سحب التراخيص المتعلقة بالتعامل مع كراكاس.

الجيش الفنزويلي - أرشيفية
الجيش الفنزويلي - أرشيفية

مستقبل العلاقة بين الجارتين وواشنطن

فيما يتعلق بمستقبل العلاقة بين الجارتين، فيبدو مرهونًا بعدة عوامل، منها قدرتهما على تحييد الخلافات السياسية، واستمرار الدعم الأمريكي المحدود للمشاريع المشتركة، واستعداد الحكومتين لتغليب المصالح الاقتصادية على الاعتبارات الأيديولوجية. وإذا ما نجح الطرفان في إدارة هذه الملفات بحكمة، فقد تتحول العلاقة إلى نموذجٍ جديد من التعاون النفعي المتبادل في منطقة الكاريبي، بدلًا من أن تبقى رهينة التجاذبات الإقليمية والدولية.

ومن المتوقع استمرار حالة "الجمود الهادئ" بين البلدين، في ظل غياب تقدم ملموس في مشاريع الطاقة المشتركة وتنامي الضغوط الأمريكية على التعامل مع كراكاس، كما يُحتمل أن تواصل ترينيداد سياسة الحياد، مكتفية بإبقاء قنوات التواصل مفتوحة دون التورط في اتفاقات قد تُعرضها لعقوبات. هذا السيناريو، وفق محللين، سيُبقي العلاقات في إطار تبادل دبلوماسي محدود، دون اختراقات كبيرة على المستوى الاقتصادي.

أما احتمال تدهور العلاقات، خاصة بعد قرار كاراكاس الأخير تعليق اتفاقات الطاقة مع بورت أوف سبين، فهو غير مستبعد، ومن المرجح أن يؤدي استمرار التعاون العسكري بين ترينيداد والولايات المتحدة إلى مزيد من التوتر قد يمتد إلى ملفات أمنية وحدودية، وفي هذه الحالة، قد تجمد فنزويلا أي مشاريع مشتركة جديدة وتعيد النظر في حدودها البحرية.

ختامًا:

رغم أن موقع ترينيداد وتوباجو الجغرافي يمنحها قدرة فريدة على المناورة بين واشنطن وكاراكاس، فإن هامش الحركة أمامها يضيق مع تصاعد الاستقطاب في حوض الكاريبي. فمحاولة الدولة الكاريبية انتهاج سياسة التوازن تبدو محفوفة بالمخاطر؛ إذ إن استمرار التعاون العسكري مع الولايات المتحدة يضعها في مواجهة مفتوحة مع فنزويلا، بينما قد يؤدي التراجع عن هذا التعاون إلى فقدان الدعم الأمريكي في ملفات الطاقة والأمن.

المدمرة الأمريكية يو إس إس جريفلي
المدمرة الأمريكية يو إس إس جريفلي

مستقبل هذا التوازن يعتمد على قدرة بورت أوف سبين على إدارة اللعبة الدبلوماسية بذكاء، وتوظيف موقعها الجيوسياسي كجسر لا كساحة صراع، مع الحفاظ على استقلال قرارها الوطني. وبينما تمضي واشنطن في تعزيز وجودها البحري، وتتمسك كاراكاس بخطاب السيادة والمواجهة، ستبقى ترينيداد وتوباجو في اختبار دائم بين ضرورات الأمن الإقليمي ومتطلبات البقاء الاقتصادي في منطقة تغلي فوق صفيح جيوسياسي ساخن.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء