مفتي الجمهورية: نشهد أزمات فكرية وتناقضات كثيرة تستلزم تجديد الخطاب الديني
أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية أن الحديث عن تجديد الخطاب الديني وبناء الوعي، ضرورة حياتية في ظل ما يشهده العصر من أزمات فكرية وقيمية وتناقضات متعددة، موضحًا أن التجديد لا يعني التنصل من الدين أو الخروج على الثوابت، كما لا يعني الجمود والوقوف عند ظاهر النصوص، وإنما يقوم على الفهم الرشيد والقراءة الواعية التي تجمع بين الثابت والمتغير.
وبين مفتي الجمهورية سبب المشكلات التي تواجه الخطاب الديني اليوم، وهي تصدي غير المتخصصين لشؤون الدين دون دراية أو تأهيل علمي، مما يؤدي إلى تشويه المفاهيم وإثارة اللبس في أذهان الناس، مؤكدًا أن الخطاب الديني الرشيد هو الذي يصل إلى الناس جميعًا بأدوات العصر، ويعبر عن روح الدين ومقاصده دون أن يهدم أصلًا من أصوله أو ركنًا من أركانه، موضحًا أن العلاقة بين العلم والدين علاقة تكامل لا تعارض، فكل منهما له مجاله ووظيفته، وإذا طغى أحدهما على الآخر وقع الخلل، أما في حال التعاون والتكامل فإن كليهما يسهم في بناء الإنسان والحياة، مستشهدًا بقول الله تعالى «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» [فصلت: 53].
هل التجديد في الخطاب الديني ليس هدمًا للثوابت ولا تنصلًا من الأصول
وأوضح مفتي الجمهورية أن التجديد في الخطاب الديني ليس هدمًا للثوابت ولا تنصلًا من الأصول، بل هو بعث لما اندرس من معاني الدين وإحياء لقيمه في ضوء معطيات العصر ووسائله الحديثة، مشيرًا إلى أن التجديد لا يُقصد به الخروج عن الثابت، وإنما حسن عرضه وتبليغه بما يلائم عقول الناس وأفهامهم، ويراعي اختلاف الأزمنة والأمكنة والقدرات، مؤكدًا أن الخطاب الديني الرشيد هو الذي يفرّق بين ما هو ثابت لا يتغير وبين ما هو متطور بحسب الزمان والمكان، ويقدّم تعاليم الإسلام في صورة منضبطة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، موضحًا أن التجديد الحقيقي هو حفاظ على جوهر الدين، بينما التبديد هو هدم له تحت دعاوى زائفة باسم الحرية أو التنوير أو عدم صلاحية الدين للعصر، مضيفًا أن التجديد إنما يأتي استجابة لطبيعة الدين نفسه الذي يدعو إلى الفهم والعقل والنظر، ويأمر بالتيسير لا التعسير، وبالإحياء لا الإلغاء.
وبيّن أن مسؤولية التجديد لا يتحملها إلا أهل التخصص والرسوخ في العلم ممن يمتلكون أدوات الاجتهاد وضوابط الفهم، لأن التجديد دون علم أو منهج يؤدي إلى مشكلات فكرية واضطرابات في الوعي العام، محذرًا من تصدّي غير المؤهلين لقضايا الدين عبر المنصات المختلفة وما يترتب عليه من لبس وتشويه للمفاهيم، مشيرًا إلى أن من أبرز معوقات التجديد سوء استخدام الوسائل الحديثة في نشر المعرفة، ونقل المعلومات من غير مصادرها الموثوقة، والتعامل السطحي مع النصوص الشرعية والعلوم التي نشأت حولها، إلى جانب غياب الفهم الدقيق لطبيعة العلاقة بين النص المقدس والعقل الإنساني، وبين العلم والدين.، مؤكدًا أن التجديد الرشيد هو الذي ينطلق من الفهم المقاصدي للنصوص، ويستفيد من معارف العصر دون أن يتجاوز حدود الشرع، فيسهم في بناء وعي ديني متوازن يجمع بين الإيمان والعقل، وبين الأصالة والتطور.



