رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الرباط المحمدي في العراق: هندسة المشهد الديني وجدلية الولاء الإقليمي

الشيخ عبد القادر
الشيخ عبد القادر الآلوسي رئيس مجلس جمعية الرباط المحمدي

تُعدّ جمعية الرباط المحمدي إحدى أبرز الظواهر الدينية الجديدة في المشهد الديني العراقي، حيث روجت لنفسها كمؤسسة دعوية تسعى إلى إحياء التصوف المحمدي ونشر ثقافة المحبة والتقريب بين المذاهب الإسلامية، إلا أن حضورها في الفضاء العام لم يقتصر على الطابع الديني التعبدي، بل امتدّ إلى الحقل السياسي، ما جعلها محور جدل واسع بين من يعدّها حركة إصلاح روحي معتدلة، وبين من يرى فيها غطاءً لتمدد النفوذ الإيراني داخل البيئة السنية العراقية.

البداية

تعود جذور الجمعية إلى فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، حين انفتح المجال العام أمام تيارات دينية متعددة، وقد قاد تأسيسها مجموعة من الشيوخ المتأثرين بالطرق الصوفية التقليدية، أبرزهم الشيخ عبد القادر الآلوسي، الذي يُقدَّم في الإعلام الديني المحلي كأحد رموز التصوف، وبدأت الجمعية عام 2010 تقريبًا بالعمل المنظم، عبر فروع في بغداد والأنبار وبعض المحافظات الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية، وأطلقت أنشطة دعوية ومجالس ذكر ودورات شرعية تحت عنوان الدروس المحمدية.

الشيخ  الآلوسي برفقة رئيس هيئة الحشد الشعبي
الشيخ  الآلوسي برفقة رئيس هيئة الحشد الشعبي

تبنت الجمعية خطابًا يجمع بين الروحانية الصوفية والولاء الوطني، مع تأكيد دائم على نبذ التطرف ومواجهة فكر التكفير، لكن هذا الخطاب اتخذ أيضًا بعدًا سياسيًا، وتقاطعت أنشطتها مع الجهود الحكومية لإعادة ضبط الخطاب الديني في المناطق السنية بعد هزيمة تنظيم داعش الإرهابي، وكشفت تحليلات صحفية عن توظيف الجمعية ضمن شبكة أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الديني في العراق بما ينسجم مع توجهات الحكومة المركزية وإيران.

العلاقة مع إيران

تُعد العلاقة بإيران أكثر القضايا إثارة للجدل حول الرباط المحمدي، لأن نشاطاتها تتقاطع مع برامج "التقريب بين المذاهب" التي تتبناها طهران في العراق منذ سنوات، وتم عقد لقاءات بين قادة الجمعية وشخصيات دينية وسياسية عراقية مقربة من إيران، إضافة إلى مشاركات في مؤتمرات حملت عناوين الوحدة الإسلامية أو مقاومة التطرف، نظمتها جهات تحظى بدعم إيراني، مما عزز الاتهامات للجمعية بأنها تمثل جزءًا من محاولات طهران لإيجاد أرضية مشتركة بين التيارات الصوفية السنية والمرجعيات الشيعية في النجف وقم، في إطار مشروع إيراني أوسع لاحتواء التيارات السنية غير السلفية.

الشيخ  الآلوسي برفقة رئيس رابطة العشائر العراقية
الشيخ  الآلوسي برفقة رئيس رابطة العشائر العراقية

ويمكن فهم هذه العلاقة بالرجوع إلى دراسة التحول في السياسة الخارجية الإيرانية بعد 2014، حيث سعت طهران إلى بناء شبكة نفوذ متداخلة لا تقتصر على الفصائل المسلحة، بل تمتد إلى مؤسسات دينية وثقافية سنية موالية أو متعاونة، وتمثل الصوفية السنية وسيلة مزدوجة؛ فمن جهة يظهر انفتاح إيران على التيارات غير الشيعية، ومن جهة أخرى فإن ذلك يُضعف التأثير السلفي في المحافظات السنية، فقد نالت الرباط المحمدي تسهيلات من شخصيات قريبة من الحشد الشعبي في محافظتي الأنبار والفلوجة اللتين تتمتعان بأغلبية سنية، مما سمح للجمعية بإقامة نشاطات في مناطق كانت تُعدّ حساسة أمنيًا بعد معارك التحرير من تنظيم داعش.

إلا أن القائمين على الجمعية ينفون وجود أي ارتباط خارجي، ويؤكدون أن علاقتهم بإيران لا تتعدى الحوارات الدينية المفتوحة، وأن الجمعية تعمل وفق القانون العراقي وبرعاية وزارة الأوقاف.

تمثل فترة الحرب على داعش فترة الانطلاقة الكبرى للجمعية، حيث عُرفت بمواقفها العلنية المؤيدة للفصائل المسلحة الشيعية التي كانت تشارك في القتال آنذاك في المحافظات السنية، وتلقت دعمًا كبيرًا من الفصائل العقائدية المرتبطة بإيران، مما مكنها من الترويج لخطابها عبر وسائل الإعلام الرسمية، إذ خُصّص لأحد شيوخها برنامج تلفزيوني على القناة الحكومية العراقية لبثّ أفكارها الدينية، ومثل هذا الخطاب المعتدل قد يُستخدم أحيانًا كواجهة لتطبيع النفوذ الإيراني في البيئة السنية، خاصة في ظل محاولات طهران تقديم نفسها كحامية للتعدد المذهبي.

قيادات جمعية الرباط المحمدي في العراق
قيادات جمعية الرباط المحمدي في العراق

كما تمّ منح أحد قادة الجمعية عضوية المجلس الأعلى للأوقاف التابع للوقف السني، في خطوة وُصفت بأنها تعكس نفوذًا سياسيًا يتجاوز حدود العمل الدعوي، كما تحظى بتمويل مستمر غير معلن المصدر، يُرجّح أن مصدره دوائر شيعية تهدف إلى تعزيز نفوذها داخل المجتمع السني من خلال تبني روايات دينية شيعية مثل رواية عيد الغدير بمدلولها الشيعي المعروف.

وقد خاضت الجمعية صراعًا فكريًا في مواجهة المدخلية في العراق، لذا فُسر البعض قرار السلطات العراقية بحظر التيار السلفي في ضوء التنافس العقائدي بينه وبين الرباط المحمدي، وهو تنافس لا يقتصر على الخلافات الفكرية التقليدية بين السلفية والصوفية، بل يعكس كذلك صراعًا أعمق حول من يمتلك القدرة على تمثيل الصوت الديني السني في الجمهورية العراقية، ويُنظر إلى هذا الصراع على أنه جزء من استراتيجية أوسع تنتهجها إيران لضمان غياب أي تيار سني قوي قد يعارض أو يفضح المسارات الفكرية والسياسية التي تروّج لها جماعة الرباط المحمدي ضمن مشروع إعادة تشكيل الهوية الدينية السنية في العراق.

نموذج صوفي عصري

تحاول الجمعية تقديم نموذج صوفي عصري، فهي تعتمد وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في بث الدروس والمحاضرات، ما يمثل تحولًا من الطرق التقليدية المغلقة إلى تنظيمات صوفية مؤسسية مرتبطة بالدولة أو بالمجتمع المدني، وهذا التحول فتح الباب أمام النفوذ الخارجي، لأن إيران أدركت أن التصوف السني يمكن أن يكون جسرًا للحوار ولتحييد خصومها العقائديين؛ فقد اكتسب الرباط المحمدي قاعدة شعبية متنامية، خاصة في المناطق التي عانت من العنف الطائفي، حيث يرى بعض السكان في خطابه الروحي وسيلة لتجاوز الكراهية، بينما يرى آخرون أنه يستخدم خطاب التسامح كوسيلة لتمرير أجندة سياسية، وبين هذين التصورين تتشكل صورة ضبابية للجمعية، تتراوح بين الدعوة والإصلاح من جهة، وبين التوظيف السياسي والأمني من جهة أخرى.

قيادات جمعية الرباط المحمدي في العراق
قيادات جمعية الرباط المحمدي في العراق

في السنوات الأخيرة توسعت الجمعية في العمل الخيري، كتنظيم قوافل إغاثة للنازحين، مما عزز حضورها الاجتماعي وأكسبها شرعية محلية، إلا أن هذا العمل الخيري غالبًا ما يكون أحد أدوات التأثير في الساحات العراقية، حيث التمويل والإغاثة يرتبطان بشبكات الولاء.

ختامًا:

تشكل جمعية الرباط المحمدي نموذجًا لتماهي حركة صوفية مع إكراهات السياسة الإقليمية ضمن مشروع لإعادة هندسة المشهد الديني في العراق بعد داعش، إذ أضحت جزءًا من توازن جديد تعمل فيه طهران على كسب نفوذ ناعم في البيئات السنية عبر قنوات غير عسكرية، ما يجعل الرباط المحمدي ظاهرة تستحق المتابعة الدقيقة، باعتبارها مرآة لتقاطع الدين والسياسة والنفوذ الإقليمي في عراق ما بعد الصراع.

إسلام جمال*

 باحث دكتوراه متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء