رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

انسحاب العمال الكردستاني.. خطوة سلام أم مناورة تكتيكية؟

حزب العمال الكردستاني
حزب العمال الكردستاني - أرشيفية

منذ تأسيسه أواخر سبعينيات القرن الماضي، خاض حزب العمال الكردستاني صراعًا مسلحًا مع النظام الحاكم في تركيا استمر لعقود، راح ضحيته عشرات الآلاف من المواطنين، وترك آثارًا إنسانية واجتماعية كبيرة في جنوب شرق تركيا، وامتدت آثاره إلى الخارج. 

تحول جذري

شهد العام الحالي تحولًا جذريًا عندما أعلن الزعيم التاريخي لحزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، مبادرة للمصالحة مع الدولة التركية أفضت إلى انسحاب كامل لقواته المسلحة من الأراضي التركية، وهذا الانسحاب يُعد منعطفًا غير مسبوق في الصراع، وقد يفتح طريقًا نحو تسوية شاملة، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات كثيرة حول دلالات هذه التسوية وشروطها والعقبات التي قد تعترض تطبيقها.

عبد الله أوجلان -أرشيفية
عبد الله أوجلان -أرشيفية

نشأ الحزب في سياق مطالب كردية بمزيد من الحقوق الثقافية والسياسية، ثم تحول إلى حركة مسلحة حين دخل في مواجهة مباشرة مع الدولة التركية منذ عام 1984 تقريبًا، وخلال هذه الفترة شهدت تركيا عمليات حرب شبه مفتوحة مع اشتباكات وهجمات متبادلة ونزوح داخلي في المناطق الكردية، وقد اعتبرت الدولة التركية أن الحزب منظمة إرهابية، بينما تغيرت أهداف الحزب تدريجيًا من المطالبة بتدشين دولة كردية مستقلة إلى الاكتفاء بمطالب سياسية وثقافية ومدنية داخل إطار الدولة، وهو ما مهد المسار نحو مفاوضات محتملة.

في بداية عام 2025، أعلن مؤسس الحزب المسجون عبد الله أوجلان دعوته إلى إنهاء الكفاح المسلح، وكان ذلك نقطة تحول كبيرة، ثم في مايو من العام نفسه أعلن الحزب قراره بإنهاء العمل المسلح والانتقال إلى العمل السياسي الديمقراطي، وفي خطوة رمزية جمع بعض شخصيات الحزب أسلحتهم وأحرقوها أمام الكاميرات.

وبعد ذلك في أكتوبر أُعلن عن بدء سحب جميع قوات الحزب من الأراضي التركية وذهابها إلى شمال العراق في إطار عملية السلام، وقد وصفت الحكومة التركية هذه الخطوة بأنها خطوة ملموسة لجهود جعل تركيا خالية من الإرهاب.

حزب العمال الكردستاني - أرشيفية
حزب العمال الكردستاني - أرشيفية

دوافع الحزب

توجد عدة دوافع لدى حزب العمال الكردستاني وراء قرار الانسحاب من تركيا، أولها الإرهاق الطويل للصراع حيث تراجعت القدرات اللوجستية والعسكرية للحزب، وثانيها التغيرات الإقليمية في العراق وسوريا التي قللت من مجال الحركة، وثالثها الضغط الأمني والسياسي التركي المتزايد، ورابعها إدراك الحزب أن العمل المسلح لم يعد وسيلة فعالة لتحقيق المطالب الكردية، وخامسها وجود رغبة داخلية وخارجية في إيجاد تسوية سلمية تحقق استقرارًا أكبر في المنطقة من الناحيتين القانونية والسياسية.

متطلبات النجاح

يتطلب نجاح المبادرة تعديل بعض التشريعات التركية لإعادة إدماج المقاتلين السابقين وضمان عدم ملاحقتهم، كما يحتاج الأمر إلى حوار شامل حول الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد، وإلى خطوات حكومية واضحة تواكب التحول السياسي للحزب، كما توجد لجنة برلمانية في تركيا تعمل على وضع إطار لهذه المرحلة.

ورغم التفاؤل، فإن العملية تواجه تحديات كثيرة، منها عدم وضوح عدد المقاتلين المنسحبين، وضعف الثقة المتبادلة بين الطرفين، وخطر إعادة انتشار بعض العناصر في مناطق أخرى، وعدم وجود تفاصيل دقيقة حول تسليم السلاح وضمانات الأمان، بالإضافة إلى أن القضايا الجوهرية مثل الاعتراف باللغة الكردية والتمثيل السياسي لم تُحسم بعد، وهو ما قد يشكل مصدر توتر مستقبلي.

حزب العمال الكردستاني - أرشيفية
حزب العمال الكردستاني - أرشيفية

كما يتطلب نجاح المبادرة وجود دعم إقليمي ودولي من خلال مراقبين محايدين أو وسطاء يسهمون في ضمان تنفيذ الالتزامات ومنع أي طرف من الإخلال بها، لا سيما خلال الفترة الأولى من تنفيذ الاتفاق، وكذلك ضرورة إعادة الإعمار والتنمية في المناطق المتضررة من الحرب، فهذا يعد عاملًا أساسيًا في تثبيت الاستقرار وتوفير بدائل حقيقية للشباب.

كما يتطلب نجاح الاتفاق إصلاح الأجهزة الأمنية وتدريبها على احترام حقوق الإنسان بحيث يتحول الأمن من أداة قمع إلى عنصر حماية للمواطنين جميعًا، وكذلك إصلاح الثقافة المجتمعية التي تأثرت سلبًا بعقود من الصراع، كما يتطلب الأمر وضع جدول زمني واضح للمرحلة الانتقالية يتضمن خطوات محددة من وقف العمليات إلى نزع السلاح إلى دمج الأفراد إلى إطلاق الحوار السياسي الكامل مع إعطاء اهتمام خاص لإجراءات بناء الثقة.

حزب العمال الكردستاني - أرشيفية
حزب العمال الكردستاني - أرشيفية

على المستوى الإقليمي، يؤثر هذا الانسحاب على التوازن في شمال العراق وسوريا وإيران حيث توجد امتدادات للحزب، كما أن المجتمع الدولي ينظر إلى الخطوة كمدخل لاستقرار أكبر في الشرق الأوسط، أما تركيا فترى فيها فرصة لتركيز مواردها على التنمية بدلًا من الحرب.

ختامًا:

يمثل إعلان حزب العمال الكردستاني انسحاب قواته من تركيا علامة فارقة في تاريخ الصراع الكردي–التركي، فهو تحول من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي الديمقراطي، غير أن نجاح المرحلة المقبلة يتوقف على الإصلاحات الداخلية في تركيا، وضمانات الحماية للمقاتلين السابقين، ودعم دولي وإقليمي حقيقي، وإذا فشل أي من هذه العناصر فقد يعود الصراع بشكل جديد.

إسلام جمال*

 باحث دكتوراه متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء