أسطول الظل الروسي.. ناقلات النفط تشعل حربًا بحرية في أوروبا
تجدد الحديث عن أسطول الظل الروسيالذي يضم ما بين 600 إلى 1400 ناقلة نفط؛ بهدف الالتفاف على العقوبات النفطية الدولية في أعقاب حرب أوكرانيا، إذ قُدمت وثيقة عمل لاجتماع وزراء الخارجية يوم 20 أكتوبر 2025 في لوكسمبورج لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد السفن وشركات الشحن المتورطة، وتكثيف التعاون مع الدول الساحلية والدول التي تُسجل السفن تحت أعلامها، والسماح للقوات البحرية التابعة لدول الاتحاد الأوروبي بتفتيش السفن.
ومع محاولات الاتحاد الأوروبي فرض قيود على ناقلات النفط، يُطرح تساؤل حول كيف حاولت موسكو التحايل على سقف أسعار النفط الروسي الذي فرضه الداعمون الغربيون لأوكرانيا من خلال ما يُسمى بأسطولها السري.
اقتصاد موازٍ لتمويل الحرب
في الوقت الذي تراقب فيه الأقمار الصناعية التحركات العسكرية فوق أوكرانيا، تدور في أعماق البحار حرب أخرى لا تقل شراسة، لكن بأسلحة مختلفة، تتمثل في الناقلات النفطية المعروفة بـ"أسطول الظل السري"، الذي أصبح عنوانًا لمرحلة جديدة من الصراع الاقتصادي بين موسكو والغرب، حيث تحاول روسيا الإفلات من قبضة العقوبات عبر شبكة بحرية ضخمة تعمل في الخفاء، تنقل النفط بعيدًا عن أعين واشنطن وبروكسل.
بعد غزو أوكرانيا في فبراير 2022، فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات مشددة على النفط الروسي، شملت حظر النقل والتأمين والتجارة بالدولار. وردّت موسكو على العقوبات الأوروبية والأمريكية بتكوين شبكة غير رسمية من مئات السفن تُدار عبر شركات وهمية وتُسجل تحت أعلام دول صغيرة مثل ليبيريا وبنما.
ومن أهم سمات هذه الناقلات بدائيتها وعدم مطابقتها للمواصفات الأوروبية، كما أنها تقوم بتغيير أو تبديل أسمائها، وتنفذ عملياتها خارج أنظمة التتبع العالمية؛ ما يمثل خطورة على السواحل والبيئة من جهة، ودعمًا لاقتصاد الحرب الروسي ضد أوكرانيا من جهة أخرى.

مواجهة خرائط النفوذ
اتفقت مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى (كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة) مطلع أكتوبر الجاري على استهداف دول تساعد روسيا على الالتفاف على العقوبات، ودول زادت من وارداتها من النفط الروسي.
وجاء في ورقة المعلومات الأساسية الصادرة عن الدائرة الأوروبية للشؤون الخارجية أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تسعى إلى إجراءات إنفاذ أكثر قوة للتصدي لأسطول الظل الروسي، مع اقتراح عقد اتفاقات ثنائية محتملة بين الدول التي تُسجّل فيها السفن والاتحاد الأوروبي بشأن اعتلاء السفن للتفتيش بعد الحصول على موافقة مسبقة.
كما قدمت المفوضية الأوروبية مقترحات تشمل حظر استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي بحلول عام 2027، إلى جانب تدابير جديدة في مجالات الاستيراد والتصدير، وعقوبات على القطاع المصرفي والعملات المشفرة، بالإضافة إلى فرض عقوبات شخصية على عدد من الأفراد والمؤسسات، دون أن تتوصل دول الاتحاد إلى توافق بشأن مصادرة الأصول الروسية ضمن خطة قرض التعويضات.
ويُنظر إلى أسطول الظل باعتباره ليس مجرد وسيلة لنقل النفط، بل أداة استراتيجية طويلة الأمد تعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي في البحار، فكلما زادت القيود الغربية، ازداد توسع هذه الشبكات، ومعها يتعمق الانقسام بين اقتصادين عالميين: أولهما رسمي خاضع للغرب، والثاني موازٍ تديره روسيا وإيران والصين بآليات خاصة.
موسكو والسوق السوداء للطاقة
بفضل أسطول الظل، حافظت روسيا على تدفقات صادراتها النفطية رغم القيود المفروضة عليها، ما أعاد رسم خريطة تجارة الطاقة في أوروبا وآسيا على حد سواء.
ووفق إحصاءات شركة إس أند بي جلوبال المتخصصة في البيانات المالية وتحليل الأسواق، فإن نحو 17% من أسطول الناقلات العالمي بات يعمل ضمن هذه المنظومة غير الرسمية، بزيادة تجاوزت 45% خلال عام واحد.

ويتم نقل أكثر من 60% من صادرات النفط عبر هذه السفن، ما يدر مليارات الدولارات شهريًا على الخزانة الروسية رغم القيود الغربية. وتخفي هذه الناقلات ملكيتها الحقيقية خلف شركات وهمية مسجلة في ملاذات ضريبية، تمثل شبكة معقدة لتجاوز آلية تسعير النفط التي فرضتها مجموعة السبع على موسكو في ديسمبر 2023.
وبينما حظرت الدول الغربية على شركاتها تقديم خدمات التأمين أو الشحن للنفط الروسي المتداول فوق السعر المحدد، لجأت روسيا إلى ناقلات قديمة وغير مؤمنة، ما سمح لها بتصدير النفط إلى أسواق آسيا وإفريقيا بأسعار منافسة.

وكشف ألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي، في 16 أكتوبر 2025، أن روسيا رائدة عالميًا في مجال الطاقة وتوفر حاليًا ما يقارب 17% من سوق الطاقة العالمي، الذي يشمل النفط، ومنتجات البترول، والغاز، والغاز الطبيعي، وغاز الأنابيب والفحم، الذي يشهد طلبًا متزايدًا على الرغم من جميع التوقعات المتشائمة.
وأضاف أن قطاع الطاقة يسهم بنسبة تتراوح بين 16% و20% من الاقتصاد الروسي، مشيرًا إلى أن قطاع الطاقة المحلي يولد نحو 10 تريليونات روبل (نحو 130 مليار دولار) من الاستثمارات سنويًا.
مخاوف أوروبية
تعمل سفن أسطول الظل كاقتصاد موازٍ خارج القانون الدولي، وتحذر جهات دولية من احتمالية استخدامها لأغراض غير تجارية، مثل المراقبة أو تنفيذ عمليات تخريبية بحرية، الأمر الذي يضاعف المخاطر على أمن الطاقة الإقليمي.
كما حذرت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، من الدور الذي تلعبه السفن ليس فقط في اقتصاد الحرب الروسي، بل أيضًا في تهديد البيئة وسلامة الشحن، مشددة على إمكانية استخدام سفن أسطول الظل كمنصات لإطلاق طائرات بدون طيار لأغراض التشويش أو التجسس.
وما يعزز هذه الشكوك ظهور مسيّرات في الدنمارك، ما أدى إلى فرض قيود كبيرة على حركة الملاحة الجوية، وخاصة في العاصمة كوبنهاغن، مع خطورة حدوث تسربات نفطية وتلوث بحري آخر بسبب عدم وضوح ملكية العديد من السفن.



