النووي يعود إلى الواجهة: مستقبل الردع بين الناتو وروسيا في أوروبا
استضافت قاعدة فولكل الجوية في هولندا مناورات الردع النووي السنوية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بمشاركة 71 طائرة من 14 دولة، كما تشارك القواعد في كلاينه بروجل في بلجيكا ولاكينهيث في بريطانيا وسكريدستروب في الدنمارك، في المناورات الروتينية التي تُجرى بصورة سنوية من قبل الحلف؛ بهدف التأكد من جاهزية الردع النووي.
وقال الأمين العام للحلف مارك روته إن المناورات تبعث برسالة واضحة لأي خصم محتمل بأننا سنحمي جميع الحلفاء وندافع عنهم في مواجهة كافة التهديدات، فيما نفى جيم ستوكس، مدير السياسة النووية في حلف الأطلسي، أن تكون تلك العمليات موجهة ضد أي دولة، وأنها لا ترتبط بأي تطورات على أرض الواقع.
تتزامن هذه المناورات مع التوترات الجيوسياسية المتصاعدة على الساحة الأوروبية، ورغم أنها تُجرى بشكل دوري كل عام إلا أنها لا تخلو من رسائل سياسية وعسكرية مباشرة، تعكس حجم المخاوف من انزلاق الصراع شرق أوروبا إلى مستويات أكثر خطورة.

رسائل مزدوجة: دفاع أم استفزاز؟
رغم أن القيادة العسكرية للناتو تؤكد أن هذه المناورات لا تستخدم أسلحة نووية حقيقية، بل هي محاكاة لسيناريوهات يمكن استخدامها فيها، وتهدف إلى الحفاظ على جاهزية الحلف في حال وقوع تهديد نووي، فإن توقيت التدريبات، الذي غالبًا ما يتزامن مع تصعيدات عسكرية أو سياسية، يضفي على هذه الأنشطة طابعًا استفزازيًا بالنسبة لروسيا، التي لا تتوانى عن الرد بتدريبات نووية موازية على أراضيها.
نفذت المناورات الأخيرة في أكتوبر الجاري بمشاركة نحو 14 دولة عضوة في الناتو، مع استخدام طائرات قادرة على حمل القنابل النووية التكتيكية من طراز B61، المنتشرة في قواعد بأوروبا، خصوصًا في بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وتركيا.
وسبقها في سبتمبر الماضي مناورات عسكرية مشتركة بين روسيا وبيلاروسيا حملت اسم "الغرب 2025"، واستُعملت فيها أنواع الأسلحة المختلفة، وعكست التدريبات استعراضًا للقوة من جانب روسيا وحليفتها الوثيقة بيلاروسيا، وجرت بالقرب من الحدود البولندية، وسعت لمحاكاة صد هجوم واسع واستعادة أراضٍ وسحق عدو، وذلك بعد أن سمحت بيلاروسيا لموسكو بنشر صواريخ نووية تكتيكية على أراضيها، وتستعد لاستضافة الصاروخ "أوريشنيك" الجديد فائق السرعة الذي طورته موسكو.
ومنذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، تتوالى التحذيرات؛ فقد حذر المسؤولون الروس من خطر المواجهة النووية مع حلف الأطلسي، الذي شجب مثل هذا الخطاب ووصفه بأنه غير مسؤول.

توازنات دقيقة: القانون الدولي في مرمى النار
تتصاعد الانتقادات الحقوقية والقانونية بشأن مدى التزام الحلف بالقانون الدولي، وتحديدًا معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تُعد أحد الأعمدة الرئيسية للنظام العالمي للحد من التسلح النووي؛ إذ تنص المادة السادسة من المعاهدة على التزام الدول النووية الموقعة بالسعي نحو نزع السلاح النووي تدريجيًا، وهو ما تعتبره منظمات دولية مثل "الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية" (ICAN) تناقضًا صارخًا مع ما يجري على الأرض من تدريبات عسكرية تحاكي استخدام الأسلحة النووية التكتيكية في سيناريوهات قتالية.
ومن هذا المنطلق، تتهم منظمات حقوقية الناتو بترسيخ مبدأ امتلاك واستخدام الأسلحة النووية، خاصة مع استمرار تدريبات نقل القنابل النووية من مستودعات أوروبية إلى الطائرات الحربية في إطار مناورة "ستيدفاست نون".
ويخالف الحلف بنود المعاهدة التي تحظر صراحةً نقل أو تسليم السيطرة على الأسلحة النووية إلى دول لا تملكها، ومع ذلك تشارك دول غير نووية في هذه التدريبات – مثل بلجيكا وهولندا وألمانيا – مما يشكل "منطقة رمادية" قانونية.
ويرى مسؤولو حلف الأطلسي أن أنشطتهم لا تنتهك أي بند من المعاهدات الدولية، موضحين أن الأسلحة النووية تظل تحت السيطرة الأمريكية، وأن التدريبات لا تشمل استخدام رؤوس نووية حقيقية، بل تقتصر على محاكاة الإجراءات.
سباق تسلح نووي
تثير هذه المواقف انقسامًا سياسيًا داخل بعض الدول الأوروبية، إذ تتصاعد دعوات برلمانية وشعبية – خاصة في ألمانيا وبلجيكا – لسحب الأسلحة النووية الأمريكية من الأراضي الأوروبية، وسط قلق متزايد من أن تصبح هذه الدول أهدافًا رئيسية في حال اندلاع نزاع نووي.
ومع تسارع الخطى نحو تعزيز الترسانات النووية وتحديث نظم الإطلاق والرؤوس الحربية، يتزايد الحديث في الأوساط الاستراتيجية والدبلوماسية عن عودة مظاهر "الحرب الباردة"، لكن هذه المرة بمفردات وأدوات أكثر تطورًا وخطورة.

مثلاً، أعلنت موسكو صراحة عن دخول صواريخ فرط صوتية إلى الخدمة، مثل "كينجال" و"أفانجارد"، التي يصعب على الدفاعات الغربية اعتراضها، وفي المقابل تعمل الولايات المتحدة بالتعاون مع دول الناتو على تطوير أنظمة إطلاق دقيقة وتحديث القنابل النووية التكتيكية B61-12 المخصصة للنشر في القواعد الأوروبية.
بحسب تقارير عسكرية أمريكية وأوروبية، نقلت واشنطن نسخًا محدثة من قنابل B61-12 إلى قواعد الناتو في أوروبا، ما يعني أن الحلف يمتلك الآن سلاحًا نوويًا أكثر دقة، قابلًا للاستخدام التكتيكي في ساحة المعركة، على عكس المفهوم الكلاسيكي للأسلحة النووية الاستراتيجية المخصصة للردع فقط.
في المقابل، كثفت روسيا مناوراتها في مناطق حدودية مع أوروبا، وأجرت تجارب على رؤوس نووية غير تقليدية، مع تكرار التصريحات من كبار مسؤوليها حول "الخيارات النووية" في حال استمرت الحرب الأوكرانية في التوسع أو اقتراب قوات الناتو من حدودها.
سيناريوهات محتملة
رغم مشروعية امتلاك أدوات الردع في مواجهة خصوم عدائيين، تبقى المناورات النووية – خاصة في بيئة مشحونة كهذه – ذات آثار رمزية وتكتيكية خطيرة، وربما يصبح العالم أمام سيناريوهات محدودة حول التصعيد، منها إمكانية استمرار الناتو وروسيا في تطوير أنظمة نووية متقدمة، مع احتمالية دخول دول جديدة في المنافسة، أو أن ترضخ واشنطن وموسكو، وربما بكين، بفعل ضغوط داخلية ودولية للعودة إلى طاولة المفاوضات قبل انقضاء اتفاقية «نيو ستارت» التي تنتهي بعد عام، خصوصًا مع تصاعد القلق من مخاطر حادث نووي غير مقصود.
والسيناريو الأخير أن تؤدي كثافة المناورات إلى وقوع خطأ في التقدير أو قرارات ميدانية متسرعة، لا يُستبعد أن يؤدّي ذلك إلى اندلاع صدام محدود يشمل استخدام سلاح نووي تكتيكي – وهو أسوأ السيناريوهات وأكثرها تدميرًا على المدى الطويل.



