رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

معركة تكسير العظام في إسرائيل: القضاء في مواجهة سطوة اليمين المتطرف

المحكمة العليا الإسرائيلية-
المحكمة العليا الإسرائيلية- أرشيفية

ما يزال الصدام مستمرًا ما بين قوى اليمين الإسرائيلي بتشعباته القديمة والحديثة وبين السلطة القضائية، خاصة المحكمة العليا الإسرائيلية، فبرغم تجميد خطة الإصلاح القضائي في الوقت الراهن، إلا أن المناوشات ما زالت مستمرة بين الطرفين.

مؤخراً، وفي كل مناسبة سياسية، يسعى الكنيست، الذي تسيطر عليه قوى اليمين الديني المتطرف، إلى إحراج السلطة القضائية والتقليل من أهمية المحكمة العليا في الأوساط السياسية والقضائية. فعلى سبيل المثال، خلال خطبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الكنيست، لم تتم دعوة رئيس المحكمة العليا "يتسحاق عاميت"، الأمر الذي أثار استياء الرئيس الإسرائيلي "يتسحاق هرتسوغ" المحسوب على "حزب العمل" ممثل القوى العلمانية المعارضة حاليًا.

استمرار التجاهل

رغم حالة الجدل التي انتابت العديد من القوى السياسية على خلفية عدم دعوة "عاميت" لخطاب ترامب، إلا أن حالة تجاهل قوى اليمين الإسرائيلي للمحكمة العليا في المناسبات الرسمية ما زالت مستمرة إلى اليوم.

إذ أبدى "أمير أوحانا" رئيس الكنيست مرة أخرى عدم احترامه لـ"يتسحاق عاميت" خلال الجلسة الافتتاحية للدورة التشريعية الشتوية للكنيست، إذ رحب أوحانا بعاميت بصفته قاضيًا لا بصفته رئيساً للمحكمة العليا في إسرائيل، الأمر الذي استدعى مرة أخرى تدخل الرئيس هرتسوغ الذي رحب بـ"عاميت" بصفته الرسمية كرئيس للمحكمة العليا.

نتنياهو
نتنياهو

اضطراب برلماني

أدى تجاهل رئيس الكنيست لـ"عاميت" إلى تزايد الانفعالات بين قوى اليمين وقوى العلمانية المعارضة داخل الجلسة البرلمانية، مما أدى إلى طرد العديد من نواب المعارضة المنفعلين، مثل النائب عن حزب العمل "جلعاد كارييف"، الذي اتهم "أوحانا" بأنه عار على الكنيست الإسرائيلي.

ومن جانبه رفض زعيم المعارضة "يائير لابيد" سلوك أوحانا، واصفاً إياه بأنه رئيس نصف الكنيست فقط، ومخاطباً يتسحاق عاميت على أنه رئيس المحكمة العليا، كما حذر أوحانا من العودة إلى مرحلة ما قبل 7 أكتوبر التي اتسمت بالتشرذم السياسي الداخلي.

وعلى جانب آخر حاول رئيس الوزراء لملمة الموقف باعترافه الشخصي بأن "عاميت" هو رئيس المحكمة العليا، لكنه طالب أيضًا باعتراف المحكمة به كرئيس للوزراء. وقد أدى اعتراف نتنياهو بعاميت إلى استياء العديد من الوزراء اليمينيين، وعلى رأسهم وزير العدل "ياريف ليفين" الذي وبخ نتنياهو على اعترافه بعاميت، معتبراً أنه من غير المقبول الاعتراف به كرئيس للمحكمة.

رئيس المحكمة الإسرائيلية العليا-  يتسحاق عاميت
رئيس المحكمة الإسرائيلية العليا-  يتسحاق عاميت

تفسير موقف اليمين

وإزاء حالة الاضطراب التي سادت جلسة الكنيست، حاول أوحانا تفسير الحالة العدائية تجاه المحكمة العليا، واصفاً أن العملية الديمقراطية في إسرائيل بدأت في التآكل بسبب تدخلات المحكمة العليا والسلطة القضائية، وأن النظام السياسي بدأ يتحول إلى "دولة الفقيه" (لعله يقصد هنا الدور الذي يلعبه المرشد الإيراني في النظام السياسي الإيراني)، حيث يسيطر بضعة قضاة على النظام السياسي الإسرائيلي، إذ من الممكن أن تعرقل المحكمة العليا أية تشريعات قانونية تقرها الحكومة والكنيست.

وفي ذات السياق، وجه أوحانا اتهاماته إلى النظام القضائي، واصفًا إياه بالتصلب والامتناع عن الدخول في حوار للحصول على تسويات مناسبة أكثر اعتدالاً تكفل احترام جميع الأطراف، مستشهدًا بقرار المحكمة في يناير 2024 الذي ألغى قانونًا سبق أن شرعه الكنيست والخاص بمسألة معقولية القوانين.

وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير
وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير

حصانة قضائية للفاسدين والإرهابيين

تسعى القوى السياسية في الكنيست إلى إخضاع السلطة القضائية رغبةً منها في توفير حصانة قضائية لأعضائها، فلو نظرنا على سبيل المثال نجد أن الائتلاف الحاكم حاليًا في تل أبيب معظمه معروض أمام القضاء الإسرائيلي بتهم متنوعة، أغلبها متعلقة بالفساد والرشاوى واستغلال السلطات، وبعضها متعلق بالإرهاب وتهديد أمن وسلامة الدولة.

فعلى سبيل المثال، نجد أن وزير المالية سموتريتش ووزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير كلاهما سبق أن تعرضا للاعتقال في العديد من المناسبات على خلفية تهم متعلقة بالإرهاب وخرق القوانين وتنفيذ أعمال غير مشروعة لا تتناسب مع مصلحة الدولة.

فساد رئيس الحكومة

أما فيما يخص قضايا الفساد فحدث ولا حرج، بدءًا من رئيس الحكومة ذاته المتهم في ثلاث قضايا فساد، إحداها متعلقة بتلقي رشاوي وأموال من رجال أعمال في إسرائيل من أجل تمرير خدمات خاصة لهم.

وقضيتان أخريان متعلقتان بتقديم رشاوي وتسهيلات لملاك صحيفتين ("موقع والا" و"معاريف") من أجل الحصول على تغطية إخبارية متميزة وإيجابية تحسن صورة نتنياهو في الشارع السياسي الإسرائيلي.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ مورست العديد من الضغوط السياسية والقانونية على السلطة القضائية للتحايل على أمر محاكمة نتنياهو من خلال تبرير غيابه عن جلسات الاستماع بعلل مختلفة، أبرزها لقاؤه مع وفود أجنبية مرة، ومرة أخرى إصابته بنزلات شعبية تمنعه من حضور جلسات المحاكمة.

وفي نقطة أخرى تُعد تعديًا صارخًا على قيم الحرية والعدالة، يحاول الكنيست حاليًا تفريغ محاكمة نتنياهو من مضمونها عبر تشريع يسمح لوزير الدفاع بالتشاور مع وزير العدل حول إمكانية تأجيل جلسات محاكمة أي مسؤول لمدة تصل إلى 180 يومًا في حال رأى الطرفان أن حضور الجلسة يهدد الأمن القومي للبلاد.

فساد المؤسسات الأمنية

فور إقالته من منصبه كرئيس لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي "تساحي هنغبي"، والمنتمي إلى حزب الليكود، وجهت النيابة العامة الإسرائيلية لائحة اتهام له تتعلق بتلقيه رشاوي وصلت إلى 10,000 شيكل خلال عام 2017 للترويج لمصالح بعض رجال الأعمال، وتدّعي النيابة وجود أدلة بينة كافية ضد هنغبي.

شراكات فساد قديمة

الولاية الأولى لنتنياهو كانت ما بين عامي 1996 وحتى عام 1999، وبعدها غاب عشر سنوات كاملة عن سدة المشهد السياسي في إسرائيل، إذ لم يستطع العودة من جديد إلا في عام 2009 بعد تحالفه مع السياسي اليميني المتطرف "أفيغدور ليبرمان" زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، الذي يضم في عضويته معظم اليهود الروس المهجّرين عقب تفكك الاتحاد السوفيتي.

تحالف نتنياهو – ليبرمان ساهم في عودة نتنياهو مرة أخرى وتصدره المشهد السياسي منذ عام 2009 وإلى اليوم، وفي المقابل تقلد ليبرمان العديد من المناصب الحكومية البارزة، أهمها نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وأخيراً وزير الدفاع خلال الفترة من عام 2016 إلى 2018.

وزير المالية سموتريتش
وزير المالية سموتريتش

تحالف نتنياهو – ليبرمان فتح شهية الأخير لتلقي الرشاوى وتعيين المقربين وسرقة عشرات الملايين، الأمر الذي تحول في مرحلة لاحقة إلى عبء متزايد على تحالفه السياسي مع نتنياهو، مما دعاه إلى الاستقالة وفك الارتباط الائتلافي معه. واليوم يشارك ليبرمان في الحياة السياسية كرئيس لحزبه وعضو في الكنيست فقط.

ارتبط اسم ليبرمان خلال السنوات الماضية بواحدة من أكبر عمليات الفساد في إسرائيل، ففي مطلع عام 2014، وحينما كان يشغل منصب وزير الخارجية، أجرت الشرطة الإسرائيلية (الوحدة القطرية لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة "لاهف 433") تحقيقات في شبهات متعلقة بسلب أموال من خزينة الدولة وميزانية الوزارات وتعيين مقربين في مناصب رفيعة بالدولة وتلقي رشاوي.

وفي هذا الإطار، تم توقيف نائبة وزير الداخلية "فاينا كيرشنباوم" المنتسبة لحزب ليبرمان، كما تم توقيف 30 مشتبهًا آخر في تلك القضية، معظمهم مقربون من ليبرمان الذي سعى للدفاع عنهم، خاصة كيرشنباوم التي كانت تشغل رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب "إسرائيل بيتنا" في الكنيست.

ونتيجة لتلك التحقيقات التي أجرتها الشرطة الإسرائيلية، أبعد ليبرمان وقتها وزير الأمن الداخلي "إسحق أهرونوفيتش" من قائمة مرشحي الحزب في انتخابات الكنيست نظرًا لكونه مسؤولًا عن الشرطة، وأن التحقيقات جرت في ولايته، مما أضر بزملائه في الحزب.

وزير العدل ياريف ليفين
وزير العدل ياريف ليفين

وخلال المعترك الانتخابي في إبريل 2019 دارت العديد من الاتهامات المتبادلة بين أفيغدور ليبرمان وبين بنيامين نتنياهو، إذ رفض ليبرمان هذه المرة توجيه الدعم السياسي لحليفه القديم في تشكيل الائتلاف الحكومي، وهو ما أثر بالسلب على حظوظ نتنياهو في تشكيل الوزارة، مما أدى إلى حدوث فترة عدم الاستقرار التي استمرت حتى عام 2022.

وفي هذا الإطار، تهافت العديد من أعضاء الليكود على تأليب الشرطة ضد ليبرمان وفتح تحقيقات حول شبهات امتلاكه حسابات بنكية خارج إسرائيل غير مصرح بها وتهربه من دفع الضرائب، مما دفع ليبرمان وقتها إلى توجيه اتهامات إلى الليكود بالوقوف وراء تلك الحملة، مؤكداً امتلاكه هو الآخر ملفات فساد متعلقة بنتنياهو وأعضاء الليكود.

وأخيراً، لم تكن شبهات واتهامات الفساد التي طالت نتنياهو هي الأولى من نوعها في المجتمع السياسي الإسرائيلي، فقد سبقه اتهام رئيس الوزراء الأسبق أولمرت الذي أُدين بتلقي رشاوي وحُكم عليه بالسجن، كما تم اتهام وزير الداخلية المنسوب لحزب شاس "أرييه درعي" وأدين هو الآخر وقضى عقوبته بالسجن.

فكلتا تجربتي أولمرت ودرعي تميزتا باحترام النظام السياسي القائم في البلاد، وفي النهاية استسلما للحكم القضائي والعقوبة الموقعة عليهما، أما في حالة نتنياهو فالأمر مختلف تماماً، فنتنياهو منذ توليه السلطة في عام 1996 لا يبدي أي احترام للنظام السياسي القائم في البلاد، خاصة مسألة تداخل السلطات وتفوق السلطتين التشريعية والقضائية على السلطة التنفيذية.

لذا يحاول منذ عام 2023 تقويض أركان السلطة القضائية لتحقيق غايتين في نفسه: أولاهما الاستفراد بالسلطة السياسية في البلاد، وأخراهما الإفلات له ومن معه من الملاحقات القضائية على خلفية تهم الفساد.

ولعل عدم احترام زعيم الليكود للسلطة القضائية انسحب بشكل مباشر إلى كافة أعضاء الحزب الذين باتوا يتبنون نفس فكرة نتنياهو، وهو ما يتضح في سلوكيات أمير أوحانا الأخيرة تجاه المحكمة العليا ورئيسها، وتصرفات وزير العدل "ياريف ليفين".

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء