الجنابادية.. طريقة صوفية تزعج مشروع دولة الفقيه
تمثل الطريقة "النعمة اللهية" فرع "جنابادي" إحدى أبرز الظواهر الصوفية في الجمهورية الإيرانية، وهي امتداد تاريخي لطريقة تعود إلى شاه نعمة الله ولي في القرن الرابع عشر، حيث تبلورت في سياق التصوف الإيراني الذي يجمع بين الممارسة الشعائرية والسلوك الروحي الباطني، وارتبطت الطريقة بمدينة جناباد في خراسان شمال شرق إيران، حيث نشأت مراكزها الأساسية، ومنها انتشرت عبر شبكة من الخانقاوات والأتباع الذين أسهموا في تكوين تجمع يقوم على العلاقة بين الشيخ والمريد مع الالتزام بأوراد وطقوس دينية معينة.
ويعد أتباع هذه الطريقة أنفسهم جزءًا من المذهب الشيعي الإثني عشري، ويحافظون على أداء عبادات تعتمد على المجاهدة الروحية وممارسات باطنية خاصة، ويهتمون بالأدب الصوفي، وخاصة شعر جلال الدين الرومي، حيث تظهر التجربة الصوفية كتجربة وجودية وروحية وليست مجرد تنظير فكري.

وتتميز الطريقة "الجنابادية" ببنية اجتماعية متغلغلة في المدن والبلدات، مع علاقات اجتماعية وروابط قائمة على التآزر وإحياء المناسبات الدينية وفعاليات الذكر الجماعي، ووجود قيادة روحية مركزية كان من أبرز رموزها في العقود الأخيرة نور علي تابنده، الذي مثّل نقطة محورية في توجيه الحركة، وهو ما أعطى للفرع الجنابادي قوة تماسك.
الجنابادية في قفص الاتهام
تسبّب الانتشار الجنابادي القوي في تخويف النظام الإيراني منها، إذ إن السلطة في إيران تقوم على هيمنة مؤسسة دينية رسمية ترى نفسها المرجع الأعلى في تحديد الصيغة المقبولة من التدين، ويُنظر إلى أي تجمع ديني مستقل، وخاصة إذا كان واسعًا ومنظمًا، بوصفه احتمالًا لمركز نفوذ روحي منافس للشرعية الدينية للنظام من خلال إيجاد شبكات ولاء خارج الإطار الرسمي لولاية الفقيه.

اعتبر النظام الإيراني أن "الجناباديين" تنظيمًا منافسًا قادرًا على ممارسة التأثير في الشعب، ومن هنا جاء التعامل معهم في إطار أمني وسياسي أكثر منه ديني أو ثقافي، لذا شهدت العلاقة بينهم وبين نظام الولي الفقيه توترات تصاعدت في بعض الفترات إلى مواجهات علنية، خاصة في أحداث عام 2018، حين اندلعت احتجاجات في طهران تخللتها اعتقالات واشتباكات واتهامات متبادلة، ثم محاكمات صدرت فيها أحكام قاسية جدًا، ما أدّى إلى اهتمام حقوقي ودولي وتسليط الضوء على القيود المفروضة على حرية الممارسة الدينية في دولة الملالي.
اعتمدت الدولة في تعاملها مع "الجنابادية" على مجموعة من الأدوات شملت غلق بعض المراكز الدينية، وفرض قيود على تجمعات الذكر، ومنع توسع الحلقات الروحية، واعتقال شخصيات "جنابادية" بارزة، وتقييد حركة القيادة الروحية للطريقة، إضافة إلى خطاب إعلامي يصوّر الحركة باعتبارها مصدر تهديد للاستقرار، وذلك خوفًا من امتلاك بعض أفرادها أدوات تعبئة شعبية يمكن أن تُستغل سياسيًا ضد النظام.
ورغم حملات الملاحقة، لم يؤدِّ ذلك إلى اختفاء الطريقة، ولكنه دفعها إلى التحول من النشاط العلني إلى أشكال سرية، وإلى الاعتماد على تجمعات صغيرة وعلاقات روحية شخصية أكثر من التجمعات العامة، كما أن جزءًا من أتباعها اتجه إلى الخارج، مما أسهم في تكوين حضور عالمي ما زال صغيرًا لكنه مستمر في النمو.

ورغم الضغوط، حافظت الطريقة على الجوهر الذي يجعل التصوف في إيران جزءًا من بنية الثقافة الروحية العميقة، حيث يبقى الشعر والذكر والموسيقى العرفانية ومفهوم التزكية عناصر قادرة على البقاء حتى حين تُقيد الأطر التنظيمية. ويمكن القول إن جوهر الصراع لا يتعلق بأصل المعتقد، بل بمسألة من يمتلك سلطة تعريف التدين المشروع، ومن يملك الحق في قيادة الجماعة الروحية، ومن يُسمح له بامتلاك جمهور يستمع إليه ويتحرك معه، لذلك يمكن التنبؤ بأن العلاقة ستظل في حالة توتر متقطع يتصاعد عندما يصبح حضور الطريقة علنيًا وواسعًا، وينخفض عندما تنكمش إلى الممارسات الفردية وحلقات الذكر الصغيرة، أو حين تنتقل بعض أدوارها إلى الجاليات خارج إيران.
ختامًا:
فإن الطريقة النعمة اللهية "الجنابادية" ليست ظاهرة دينية بل ظاهرة هوية وثقافة ومعنى، وهي تمثّل سؤالًا مفتوحًا في علاقة السلطة السياسية بالدين، وهو مدى كون التدين تجربة روحية مستقلة أم مؤسسة يجب أن تبقى تحت سيطرة أجهزة الدولة التي تحتكر شرعنة التدين، وما دامت هذه الأسئلة قائمة، فإن وضع الطريقة سيبقى مؤشرًا صالحًا لقياس مساحة الحرية الروحية ومتابعة تطور البنية الاجتماعية داخل الجمهورية الإيرانية في ظل نظامها الديني الفريد.
إسلام جمال*
باحث دكتوراه متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية



