رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لماذا يكره الإسلاميون انتصارات أكتوبر ويعشقون سردية الهزيمة ؟

أحمد الشرع
أحمد الشرع

خلال الساعات الأخيرة أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، مرسومًا جديدًا، ألغى فيه الاحتفالات بحرب 6 أكتوبر 1973، التي كانت عطلة رسمية ووطنية في البلاد، بحسب وكالة الأنباء السورية "سانا"، ما أثر حفيظة الكثير من العرب والمصريين، لا سيما أن القرار يحمل في طياته أبعادًا سياسية وأيديولوجية، تتقاطع في ذاتها مع المرجعية الفكرية للجماعات الأصولية، و"هيئة تحرير الشام" التي ينتمى إليها غالبية الكوادر الفاعلة في الحكومة السورية الحالية. 

القيادات العسكرية لحرب أكتوبر 1973
القيادات العسكرية لحرب أكتوبر 1973

حالة العداء بين الجماعات الأصولية الراديكالية وانتصارات أكتوبر المجيدة تتجلى تاريخيًا وعقائديًا في أجندة أهدافها التي حملتها على عاتقها في إطار تفكيكها لمفردات الدولة الوطنية بمختلف مؤسساتها المتنوعة سواء القضائية أو السياسية أو العسكرية والأمنية، وتبنيها لما يعرف بقضية "أسلمة المجتمع"، التي تم تنفيذها على مدار 100 عامًا تقريبًا على يد جماعة الإخوان باعتبارها المرجع والرافد الفكري والحركي والتنظيمي لهذه المكونات الأصولية.

غالبية الجماعات الأصولية وتيارات الإسلام السياسي تبنت "السردية الإسرائيلية" حول حرب أكتوبر، واعتبارها مجرد انتصار ناقص أو معركة تعادلت فيها موازين القوى بين الجانب المصري والسوري في مقابل مواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلي.

سردية الهزيمة

محاولة تعميم "سردية الهزيمة" في معركة أكتوبر 1973، تأتي في محاولة تطبيق استراتيجية مخاطبة "العقول البيضاء"، أو تندرج فيما يعرف بـ"حروب الجيل الرابع والخامس"، حول التشكيك في الحقائق التاريخية، والدور المشرف للمؤسسات الوطنية، لمغازلة وخداع العقول الشبابية الجديدة الغارقة في "البيئة التكنولوجية" والتي لم تتعايش مع تجليات "النصر الوطني"، وبنت رؤيتها من روافد مواقع التواصل الاجتماعي وتداعياتها الفكرية والثقافية، بهدف تفكيك "السردية الوطنية التاريخية"، واعتبارها مجرد أكذوبة تمت صياغتها وفق عوامل سياسية واجتماعية، والتي يسقط معها بالتبعية "الرموز والقدوة الوطنية"، في مقابل تمرير “النخب الجديدة” أو "النخب الأصولية المتطرفة" أمثال حسن البنا وسيد قطب، وأبو الأعلى المودودي ومنير الغضبان، وعبد القادر عودة وأبو إسحاق الحويني،  وغيرهم من صاغوا وساهموا في نشر "الخطاب الأيديولوجي" بتنوعاته.

محمد إلهامي.. مُنظر العنف

فلم يكن ما طرحه محمد الهامي، المنظر القطبي لحركة "ميدان" و"تيار التغيير" داخل جماعة الإخوان والذي يعتبر امتداد للجان النوعية المسلحة التي تورطت في العمليات المسلحة عقب سقوط حكم المرشد والجماعة في يونيو 2013، سوى تعبير عن خريطة مشروع يتم الترويج له حاليا في إطار التقليل والتشكيك في حقيقة انتصارات أكتوبر، فضلًا عن ما طرح من مقالات وتحليلات ودراسات تشكك في حقيقة الانتصار من عدمه، تحت عنوان "حرب أكتوبر نصر أم هزيمة"، معتبرين أن الجيش المصري تعرض لهزيمة كبرى في تلك المعركة، من خلال ثغرة "الدفرسوار"، التي اعتبرتها الجماعة  وأنصارها نقطة تحول في مسار المعركة الدائرة، وسببًا في تحقيق إسرائيل نصرًا كبيرًا على الجيش المصري.

انتصار الجيش المصري على الكيان الصهيوني في أكتوبر 1973، يمثل تاريخًا مهمًا في ذاكرة المجتمع العربي ووجدانه، وركيزة أساسية في إطار الصراع العربي الإسرائيلي لما حققه من هزيمة كاسحة شارك فيها العديد من ابناء الأمة العربية.

 لكنه للجماعة الأصولية وفي مقدمتهم جماعة الإخوان، يمثل تجسيدا لحالة من الكراهية، وحدثا مشؤومًا بالنسبة لمشروعها المناهض والرافض لمبادئ ومفاهيم الدولة الوطنية المتعارضة مع أدبياتهم القائمة على فكرة الأممية الأصولية، ولا تعترف بالحدود، ولا بالمواطنة، بل وتكفر وتعادي بوضوح النظم السياسية والدساتير الوضعية. 

مذبحة الفنية العسكرية

عمليًا كانت المسافة الفاصلة بين "مذبحة الفنية العسكرية" في  18 إبريل 1974، التي صنعتها جماعة الإخوان واتباع التيار الراديكالي المسلح، للانقلاب على حكم الرئيس السادات وإعلان الثورة الإسلامية في مصر على يد الفلسطيني صالح سرية، وبين انتصارات الجيش المصري على الصهاينة في معركة العبور عام 1973،  لم تتخطى سوى ستة أشهر فقط.

 هدفت الخطة إلى السيطرة على مخازن السلاح بـمقر "الكلية الفنية العسكرية" في القاهرة، ثم استخدامها في محاولة الهجوم على قصر الرئاسة، واغتيال السادات، والسيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون، لإذاعة بيان إقامة "الدولة الإسلامية "في مصر. إلا أن الهجوم فشل حينها، وقتل فيه 17 وأصيب 65 آخرين، غالبيتهم من حراس الكلية، على أيدي عناصر من حاملي جينات الفكر القطبي التكفيري، تحت إشراف ورعاية حسن الهضيبي وزينب الغزالي، وضمت المجموعة كل من صالح سرية، وطلال عبد المنعم الانصاري، وكامل عبد القادر، وحسن محمد الهلاوي، وكارم الأناضولي.

أصدرت المحكمة المصرية حكما بإعدام صالح سرية، وطلال الأنصاري، وكارم الأناضولي، وبمعاقبة قيادات التنظيم بعقوبات تراوح بين الأشغال الشاقة المؤبدة والسجن، وبالبراءة لأربعين متهمًا من بينهم المتهم حسن الهلاوي أمير التنظيم في القاهرة. 

وقام الرئيس السادات بتخفيف عقوبة الإعدام الصادرة في حق المتهم طلال الأنصاري إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، نتيجة وساطة والده الشاعر السكندري عبد المنعم الأنصاري، بينما تم تنفيذ حكم الإعدام على كل من صالح سرية وكارم الأناضولي.

كان صالح سرية قائدًا في الجناح العسكري لجماعة الإخوان في العراق، ثم انتقل إلى سوريا ومنها إلى القاهرة في 1971، لينال درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس، عن أطروحته "تعليم العرب في إسرائيل" عام 1973.

اتجه صالح سرية عقب وصوله للقاهرة إلى منزل زينب الغزالي التي أدت دورًا أساسيًا في تقديمه لمرشد الإخوان حسن الهضيبي، وتعريفه بمجموعات الشباب الجديد، ومنهم  طلال الأنصاري، وإسماعيل الطنطاوي، ويحي هاشم الذي تولي منصب وكيل النائب العام"، وكان سببا في تطوير ما عرف بـ"حرب العصابات" للجماعات الجهادية المسلحة.

كعادة الإخوان حاولوا التبرؤ من "مذبحة الفنية العسكرية"، إلا أن طلال الأنصاري كشف في مذكراته، "صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الإسلامية"، أن تنظيم "الفنية العسكرية" كان في الأساس ضمن مخطط لجماعة الإخوان في محاولة تقويض نظام الرئيس السادات، ولكن بطريقة مختلفة، ففي حال نجاح انقلاب صالح سرية، يتبناه الإخوان ويسيطروا على الحكم، وفي حال فشل المحاولة تنكرها الجماعة، وتعتبرها محاولة فاشلة من شباب متحمس غير مسؤول.

الرئيس السادات
الرئيس السادات

اغتيال الرئيس السادات

كان المخطط الأكبر في التحريض على اغتيال الرئيس السادات في الذكرى الثامنة لمعركة العبور عام 1981، على يد عناصر من الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد، فتورط الإخوان في دعم وتأييد قرار اغتيال السادات، له الكثير من الشواهد القائمة على الإيمان العميق بالفكر التكفيري وتوظيف القوة وتحريك مختلف الأطياف والفئات لتحقيق مآرب الجماعة ومشروعها في شكل مباشر أو غير مباشر.   

كان الإخوان على علم مسبق بكل تفاصيل عملية اغتيال الرئيس السادات، وفقًا لما ذكره القيادي السابق بالجماعة الإسلامية وليد يوسف البرش، من أن كرم زهدي الأمير السابق للجماعة الإسلامية بمصر، أبلغهم نصًا، أن الإخوان كانوا يعلمون تفاصيل حادث الاغتيال وموعده، وأنهم حرضوا قيادات الحركة الإسلامية على قتل السادات والخلاص منه.

 

مصطفى مشهور.. المرشد الخامس لجماعة الإخوان 
مصطفى مشهور.. المرشد الخامس لجماعة الإخوان 

 بل إن مصطفى مشهور مؤسس التنظيم الدولي، أصدر عددًا من مجلة "الطيور المهاجرة" التي أصدرها  الإخوان في فيينا، وعلى غلافها صورة خالد الإسلامبولي، وقتلة السادات في القفص، وكتب تحتها: "أبناء الإخوان في سجون مصر".

الدكتور منير الغضبان، أحد أهم مرجعيات الإخوان الفكرية في سوريا، تحدث بوضوح في كتابه "المنهج الحركي للسيرة النبوية"، عن تأييد قرار اغتيال الرئيس السادات، في صفحة 347: "زعماء الطاغوت اليوم، الذين أشعلوا الحرب على المسلمين، هؤلاء يُتقرّب إلى الله بدمائهم، وما فعله شباب الإسلام بالحاكم الذي تحدّى المسلمين في الأرض، فصالح عدوهم (اليهود) في يوم عيدهم، حين قتلوا هذا الطاغية إنّما غسلوا عار المسلمين جميعًا في أرض الكنانة، ونصروا الله تعالى ورسوله بالغيب".

كتاب "المنهج الحركي للسيرة النبوية"، الذي يتم تدريسه في شكل موسع داخل الأسر والكتائب الإخوانية، يقول فيه منير الغضبان في صفحة 353: "لقد حقّق الاغتيال هدفه حين أحكمت خطته، ومهمتنا اليوم أن نتقن هذا الفنّ، ونحكمه، ولا بدّ من أن تكون عمليات الاغتيال هادفة، ومحققة لعنصر بثّ الرعب في صفوف المجرمين، وإنّ أقدر الناس على تنفيذ عملية الاغتيال أبعدهم عن الشكّ فيه".

ويضيف القيادي الإخواني، "إنّ اتخاذ مظاهر الكفر، وإعلان الكفر، والنيل من الإسلام والمسلمين لتحقيق مثل هذه المهمّة أمرٌ لا حرج فيه، وكلّ ما من شأنه أن يقصم ظهر العدو، ويفلّ مقاومته؛ هو من حقّ الثائرين، سيان أكان أهدافاً مدنية أو عسكرية، ولن يتراجع الطغاة عن طغيانهم ما لم يصابوا بأرواحهم، وحياتهم، وأموالهم، وأمنهم".

كراهية الإخوان وتعمدهم لتشويه تاريخ انتصارات الجيش المصري، دفعهم إلى تكريم ومشاركة قتلة الرئيس السادات في احتفالات 6 أكتوبر 2012، اثناء تصدرهم للمشهد السياسي في مصر، بل أصبح شهر أكتوبر أكثر شهور العام تزايدًا في وتيرة العمليات الإرهابية التي شهدتها الدولة المصرية على مدار تاريخها، والأمثلة والشواهد كثيرة في هذا الصدد.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء