رحل الجسد.. وبقيت المعركة| من يملك إرث جمال عبد الناصر؟
في مثل هذا اليوم، الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970، أسدل الستار على حياة الرئيس جمال عبد الناصر، الزعيم الذي شكّل وعي أجيال عربية كاملة، وترك خلفه إرثًا سياسيًا وفكريًا لا يزال موضع جدل حتى بعد 55 عامًا من رحيله.
بين من يراه قائداً استثنائياً حمل همّ التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار، ومن يعتبره مسؤولاً عن أخطر إخفاقات تاريخ مصر الحديث، تبقى سيرة عبد الناصر حية، تتجدد كلما عادت الأسئلة الكبرى: من نكون؟ وإلى أين نمضي؟ ومن يملك حق تمثيل هذا الوطن؟
نشأة وبدايات متمردة
وُلد عبد الناصر في يناير 1918 بالإسكندرية، ونشأ في بيئة مصرية متوسطة، متنقلاً بين مدن وقرى مصر بحكم عمل والده في البريدز منذ صغره، أبدى ميولاً وطنية واضحة، وشارك في مظاهرات ضد الاحتلال البريطاني عام 1935، قبل أن يلتحق بالكلية الحربية، حيث بدأت ملامح التنظيم الذي سيعرف لاحقًا باسم "الضباط الأحرار".
زعيم خارج الأيديولوجيات
لم يكن عبد الناصر ماركسيًا، ولا ليبراليًا بالمعنى التقليدي، كان مؤمنًا بتحرر الشعوب، ومتأثرًا بتجارب المقاومة العالمية في أمريكا اللاتينية وآسيا، فكرُه كان مزيجًا من القومية العربية، والعدالة الاجتماعية، والاشتراكية الوطنية، وقد حاول أن يُطوّع هذه المفاهيم وفقًا للواقع المصري.
من الثورة إلى السلطة
جاء عبد الناصر إلى السلطة في أعقاب ثورة يوليو 1952، وفي البداية وقف خلف اللواء محمد نجيب، لكن سرعان ما تصاعد نفوذه داخل مجلس قيادة الثورة، حتى أصبح رئيسًا للوزراء عام 1954، ثم رئيسًا للجمهورية عام 1956 بعد انتخاب شعبي.
وفي العام نفسه، دخل التاريخ من أوسع أبوابه بقراره تأميم قناة السويس، متحديًا النفوذ الغربي، ثم بمواجهته البطولية للعدوان الثلاثي، صورته كزعيم كاريزمي تجاوزت حدود مصر، وامتدت إلى عواصم عربية عديدة، حيث كان صوتًا للكرامة الوطنية وحركات التحرر.
تجربة ملهمة... ومثيرة للجدل
نجح عبد الناصر في تحقيق إصلاحات كبرى: الإصلاح الزراعي، مجانية التعليم، التوسع في التصنيع الثقيل، ومدّ شبكات الكهرباء والطرق، لكن تلك الإنجازات رافقها نظام سلطوي، قائم على الحزب الواحد، وتقييد الحريات السياسية، وتمدّد الأجهزة الأمنية.
ثم جاءت هزيمة 5 يونيو 1967 كزلزال سياسي ومعنوي، زعزعت صورة الزعيم المنتصر، دون أن تُسقطه من قلوب الملايين. أعاد بناء الجيش، وأطلق "حرب الاستنزاف"، في محاولة لاستعادة الكرامة الوطنية، قبل أن يفاجئه الموت في 28 سبتمبر 1970، عقب مشاركته في قمة عربية بالقاهرة.
بعد الرحيل... صراع على الذاكرة
جنازته كانت واحدة من أضخم الجنائز في القرن العشرين، شارك فيها ملايين المصريين والعرب، لكن منذ لحظة الوفاة، لم تتوقف المعركة على إرثه: هل نحتفي به كرمز للكرامة والتصنيع والعدالة؟ أم نحاسبه على أخطاء الحكم الفردي، وهزيمة 67، وتغييب التعددية؟
بين الحنين إلى مشروع لم يكتمل، والرغبة في نقد تجربة شابها كثير من التناقضات، يبقى السؤال حيًّا: من يملك إرث عبد الناصر؟ هل هو حكر على أنصاره؟ أم أنه ملكٌ مشترك لشعبٍ ما زال يبحث عن دوره ومكانته في العالم؟



