رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الحدود الملتهبة: صراع السيادة بين كابول وإسلام آباد

حركة طالبان الباكستانية
حركة طالبان الباكستانية - أرشيفية

بعد اشتباكات متجددة بين أفغانستان وباكستان ازدادت وتيرتها مؤخرًا، تم الإعلان عن اتفاق فوري لوقف إطلاق النار بين الجانبين برعاية قطرية، وذلك بعد أسبوع من الاشتباكات الدامية التي أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من الجانبين، وتوصل الاتفاق إلى العمل من أجل "سلام واستقرار دائمين".

وكانت الاشتباكات قد تجددت مرة أخرى بعد أن اتهمت قيادة حركة "طالبان" الأفغانية باكستان بشن المزيد من الغارات الجوية على أراضيها، في اشتباكات وُصفت بأنها "الأسوأ" بين البلدين منذ عودة طالبان إلى السلطة في كابول عام 2021، بدأت بشن غارات جوية في كابول، ثم شنت هجمات انتقامية.

الجيش الباكستاني -أرشيفية
الجيش الباكستاني -أرشيفية

توترات مستمرة

يمكن إرجاع التوترات المستمرة بين الجارتين "باكستان وأفغانستان" إلى جماعة "طالبان باكستان" المناوئة لحكومة باكستان، والتي تشن هجمات متكررة على قوات الأمن الباكستانية في المناطق الحدودية.

وحاولت الحكومة الباكستانية الوصول إلى اتفاق أو تفاهمات مع الحركة إلا أنها باءت بالفشل. وتتهم باكستان حكومة "طالبان" الأفغانية بإيواء عناصر من الحركة الباكستانية ودعمها والسماح لها باستخدام أراضيها لشن هجمات ضد الجانب الباكستاني.

وأكد رئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير في تصريحات إعلامية يناير الماضي أن نشاط الحركة هو "نقطة الخلاف الوحيدة" بين البلدين، موضحًا أن وجود جماعة طالبان الباكستانية المحظورة في الأراضي الأفغانية والهجمات عبر الحدود هو السبب الأساسي للأزمة.

حركة طالبان الباكستانية - أرشيفية
حركة طالبان الباكستانية - أرشيفية

جذور الصراع وأبعاد العلاقة المعقدة

يبدو أن الخلاف بين طالبان الباكستانية والحكومة الباكستانية أعمق من الاحتواء، حيث تسعى (TTP) إلى إقامة "خلافة إسلامية"، وهو ما يتطلب الإطاحة بالحكومة الباكستانية. وترتبط الحركة تاريخيًا بكبار قادة تنظيم "القاعدة"، وقد أدرجت في يوليو 2011 على قائمة العقوبات الخاصة بتنظيمي "داعش" و"القاعدة" باعتبارها مرتبطة بالأخير، لمشاركتها في تمويل وتخطيط وتنفيذ أنشطة إرهابية وتوريد الأسلحة والتجنيد لصالح القاعدة.

فشل محاولات الاحتواء وازدياد العنف

وبالنظر إلى محاولات الاحتواء التي قامت بها الحكومة الباكستانية تجاه الحركة المتمردة، والتي باءت جميعها بالفشل، يتبين عمق الخلاف بين (TTP) والحكومة. ولذلك، كانت إسلام أباد تتطلع إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه كابول في احتواء الحركة وعدم توفير ملاذ لعناصرها أو السماح باستخدام الأراضي الأفغانية لتنفيذ هجمات، خاصة في ظل الدعم الذي كانت تقدمه باكستان لطالبان الأفغانية قبل وصولها إلى الحكم.

نفّذ الجيش الباكستاني عمليات متعددة للقضاء على الحركة وتمكّن من دفع بعض قادتها إلى أفغانستان، لكن الهجمات ازدادت، وكان عام 2023 من أكثر الأعوام دموية في تاريخ باكستان الحديث، إذ شهد أكثر من 650 هجومًا في جميع أنحاء البلاد، أسفرت عن مقتل ما يقرب من ألف شخص، معظمهم من عناصر أجهزة إنفاذ القانون والجيش.

القوات الطالبانية في افغانستان- أرشيفية
القوات الطالبانية في افغانستان- أرشيفية

هدنة "هشة" أم اتفاق دائم؟

وفق الاتهامات الباكستانية، فإن زعيم (TTP) نور ولي محسود، لا يزال في الأراضي الأفغانية مع كبار مساعديه، ويشن هجمات شبه يومية على الأراضي الباكستانية. وبحسب تقارير أفغانية وباكستانية، فإن الغارات التي شنتها باكستان الأسبوع الماضي على أفغانستان كانت تستهدف "محسود" مع أحد مساعديه.

لكن "محسود" ظهر بعد الغارة الباكستانية في مقطع فيديو ليؤكد نجاته من الاستهداف، مضيفًا أنه كان في الأراضي الباكستانية أثناء الغارة ولم يكن في الأراضي الأفغانية، لينفي التقارير التي تحدثت عن مقتله أو وجوده في أفغانستان.

ويمثل "محسود" عقبة في محاولات احتواء "طالبان باكستان"، حيث تولى القيادة عام 2018 بعد مقتل أسلافه الثلاثة في غارات أمريكية بطائرات مسيرة، ونجح إلى حد كبير في إنعاش الحركة وتوحيد فصائلها، ما مثّل تحديًا كبيرًا أمام إسلام أباد في إجراء تفاهمات معها أو مواجهتها. كما أن صعود "طالبان أفغانستان" إلى الحكم عام 2021 منح الحركة مساحة أكبر للتحرك والمناورة.

موقف باكستان المتصلب 

تستبعد حكومة "إسلام أباد" إجراء أي تفاهمات في الوقت الحالي مع حركة "طالبان باكستان"، وهو ما أكده وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، الذي أعلن عدم وجود أي احتمال لإجراء محادثات مع الحركة المحظورة، مشيرًا إلى أن باكستان لا تتعاون إلا مع نظام "طالبان" الذي يتولى السلطة في أفغانستان، ما يشير إلى موقف متصلب في مواجهة الحركة.

ورغم التأكيد على أن المحادثات بين الجانبين الأفغاني والباكستاني جرت في أجواء من الود والتفاهم، إلا أن مهددات الاستقرار لا تزال قائمة، خاصة في ظل عدم انخراط "طالبان باكستان" في هذه التفاهمات، وعدم استعدادها للدخول في مفاوضات مع حكومة إسلام أباد.

السيناريوهات المحتملة لوقف إطلاق النار

السيناريو الأول: التهدئة المؤقتة

في ظل التفاهمات الجارية بين باكستان وأفغانستان، يمكن القول إن التهدئة المؤقتة هي السيناريو الأكثر واقعية لوقف إطلاق النار في ظل الوساطة الإقليمية، لكن وجود مسببات التوتر، وعلى رأسها "طالبان باكستان"، يجعل الأمور مرشحة للانفجار في أي وقت.

ولذلك، فإن سيناريو التهدئة المؤقتة يبقى الأقرب في ظل الظروف الحالية، مع عدم قدرة أي طرف على ضبط سلوك الحركة بالكامل. كما أن التفاهم مع القيادة الحالية للحركة قد يؤدي إلى انشقاقات داخلها بسبب تمسكها بأيديولوجيتها المتشددة.

السيناريو الثاني: تسوية الضمانات

رغم مساعي الطرفين إلى وقف التصعيد والتوافق حول النقاط الخلافية، إلا أن نجاح التسوية يتطلب تقديم ضمانات متبادلة. تسعى كابول إلى إظهار التزامها بعدم السماح باستخدام أراضيها من قبل الجماعات الإرهابية، بينما تحتاج باكستان إلى علاقات مستقرة لأسباب جيوسياسية واقتصادية.

لكن بقاء (TTP) كطرف ثالث خارج أي التزامات يجعل أي اتفاق عرضة للانهيار، خاصة مع قدرتها على شن عمليات دون تقديم حوافز توقفها عن التصعيد. لذلك يحتاج تثبيت الاتفاق إلى صيغة ثلاثية ملزمة، بإشراف إقليمي يضمن التزام الأطراف كافة.

قيادات حركة طالبان في أفغانستان - أرشيفية
قيادات حركة طالبان في أفغانستان - أرشيفية

السيناريو الثالث: الانهيار والتصعيد

يتمثل هذا السيناريو في انهيار كل محاولات التهدئة واستمرار التصعيد، ما يهدد بصراع مفتوح بين أفغانستان وباكستان. غير أن كلا الطرفين يحاول تجنب هذا الخيار لعدم استعدادهما لدخول مواجهة غير مأمونة العواقب، خاصة في ظل أزماتهما الداخلية وتعدد القوى المناوئة التي قد تستغل الصراع لمصالحها الخاصة.

لذلك، سيحرص الجانبان على منع التصعيد عبر وساطات إقليمية وضغوط من القوى الفاعلة في المنطقة التي تسعى للحفاظ على مصالحها في أفغانستان وباكستان.

خاتمة: إدارة صراع لا حلّه

يبقى وقف إطلاق النار بين أفغانستان وباكستان محاولة لإدارة الصراع لا حله، في ظل استمرار أسبابه الجوهرية وعدم قدرة أي من الطرفين على السيطرة عليها أو إنهائها بشكل حاسم. كما أن غياب "طالبان باكستان" عن أي اتفاق يجعلها غير ملزمة بما يُتفق عليه، ما يترك الباب مفتوحًا لاحتمالات تجدد المواجهات في أي وقت.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء