رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مجلس ترامب للسلام في غزة: بين التفويض الأحادي والشرعية الدولية

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال توقيع اتفاقية السلام بشرم

رغم مُضي الولايات المتحدة الأمريكية قدمًا نحو تشكيل ما يعرف بـ"مجلس السلام"، ضمن خطة الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب في غزة، تظل هناك إشكالية تتعلق بكونه مجرد مبادرة أحادية من دولة تُصنّف كقوة عظمى، إذ يبقى "مجلس السلام" خارج الإطار الرسمي المعترف به دولياً عبر الأمم المتحدة حتى الآن، طالما أنه لم يُمنح تفويضًا أمميًا واضحًا أو اعتمادًا رسميًا.

وتشير خطة ترامب إلى أن المجلس سيضم لاحقًا عددًا من رؤساء الدول، وسيتولى وضع الإطار العام وتمويل مشاريع إعادة إعمار غزة وتنميتها، كما سيتولى الإشراف على القطاع خلال المرحلة الانتقالية إلى أن يتم إصلاح السلطة الفلسطينية، التي تدير حاليًا أجزاء محدودة من الضفة الغربية المحتلة، وتمكينها من بسط سيطرتها الفعلية على غزة.

ولا تزال المبادرة المذكورة "مجلس السلام" الذي سيرأسه ترامب اقتراحًا خارج نطاق التفويض الأممي الصريح، وربما يكون قيد النقاش داخل الأمم المتحدة، ولهذا لم يتم إصدار بيان تنظيمي أو رسمي يعترف به.

الرئيس السيسي والرئيس ترامب
الرئيس السيسي والرئيس ترامب

معضلة الشرعية الدولية

في ظل غياب التفويض الأممي، تبقى أزمة الشرعية الدولية حجر العثرة الأكبر أمام "مجلس السلام"، فقد أثار جدلًا واسعًا حول مدى توافقه مع مبادئ الشرعية الدولية، خصوصًا في ظل تساؤلات تتعلق بتمثيل الأطراف المعنية ودور القوى الكبرى في رسم ملامح المرحلة الانتقالية في غزة.

بينما يراه البعض خطوة نحو تثبيت الاستقرار، تعتبره أطراف عربية وإسلامية محاولة لتجاوز المؤسسات الدولية وإعادة تعريف مفهوم الشرعية بما يخدم مصالح سياسية محددة، إذ تتمحور أزمة الشرعية الدولية في هذا السياق حول غياب التفويض الأممي وتجاهل الأطر القانونية الدولية التي تنظّم إدارة الأراضي المتأثرة بالنزاعات.

لا يستند تدشين "مجلس السلام" إلى قرار صادر عن مجلس الأمن أو تفويض من الأمم المتحدة، بل ينطلق من مبادرة أحادية تقودها واشنطن، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قانونية تدخله في شؤون غزة، خصوصًا في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي ورفض المجتمع الدولي الاعتراف بشرعية أي ترتيبات لا تمر عبر الأمم المتحدة أو السلطة الفلسطينية.

كذلك، فإن إدراج شخصيات مثيرة للجدل مثل توني بلير، الذي ارتبط اسمه بدعم الغزو الأمريكي للعراق، يُعزز الشكوك حول نزاهة المجلس وحياده السياسي. كما تكمن خطورة تجاوز الشرعية الدولية في تشكيل مجلس السلام في أنه قد يؤدي إلى سابقة خطيرة في إدارة النزاعات، حيث تصبح القوى الكبرى قادرة على إعادة تعريف أطر الشرعية بما يخدم مصالحها.

أوروبا بين الالتزام بالقانون والمصالح السياسية

يقف الاتحاد الأوروبي أمام معادلة صعبة في التعاطي مع هذه المبادرة، فمن جهة يحرص الاتحاد على التمسك بمبادئ الشرعية الدولية ودعم حل الدولتين عبر الأطر القانونية المعترف بها، ومن جهة أخرى لا يرغب في التصادم مع الولايات المتحدة أو الظهور بموقف معارض لأي مبادرة قد تُسهم في وقف النزاع.

تحفظت بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا وإسبانيا وإيرلندا، على تشكيل المجلس دون إشراك الأمم المتحدة أو السلطة الفلسطينية، بينما أبدت دول أخرى مثل ألمانيا والمجر موقفًا أكثر براجماتية يركز على التعاون مع واشنطن في ملف إعادة الإعمار وضبط الوضع الأمني.

هذا التباين في المواقف يعكس الانقسام الأوروبي بين تيارين: أحدهما تيار قانوني–حقوقي يرى في المجلس تجاوزًا لمرجعية الأمم المتحدة وخرقًا للشرعية الدولية، والثاني تيار سياسي واقعي يرى أن أوروبا لا يمكنها التأثير من الخارج، وأن الانخراط المشروط أفضل من العزلة.

ومن المتوقع أن يؤدي الانخراط غير المحسوب لأوروبا إلى إضعاف مصداقيتها كقوة معيارية تدافع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، وهو الدور الذي طالما تباهت به في المحافل الدولية، ما يجعلها تقف الآن على مفترق طرق: إما أن تتمسك بمبادئ النظام الدولي القائم على القانون والشرعية، أو أن تنخرط في ترتيبات جديدة تكرّس هيمنة القوى الكبرى على إدارة الصراعات، حتى لو على حساب القيم التي بنت عليها مشروعها السياسي منذ الحرب العالمية الثانية.

الرئيس السيسي مع مبعوثي ترامب خلال مفاوضات غزة
الرئيس السيسي مع مبعوثي ترامب خلال مفاوضات غزة

تجارب سابقة لإدارة ما بعد النزاع

ما بين المخاوف من عدم شرعية "مجلس السلام" وتعارضه مع القوانين الدولية وحق الشعوب في تقرير المصير، تبرز تساؤلات عن تلك المبادرة الأحادية: هل سبقها تجارب شبيهة أم أنها ستكون الأولى من نوعها؟

والإجابة، نعم، شهدت الساحة الدولية في العقود الماضية تجارب مشابهة لفكرة "مجلس السلام" المقترح لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، إذ ظهرت نماذج أخرى أقل وضوحًا من حيث الشرعية الدولية، مثل مجلس الحكم الانتقالي في العراق عام 2003، الذي تشكّل تحت إشراف سلطة الائتلاف بقيادة الولايات المتحدة، دون تفويض مباشر من الأمم المتحدة.

وقد أثارت هذه التجربة حينها جدلًا واسعًا حول مشروعية التدخل الخارجي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وهي الإشكالية ذاتها التي تلاحق اليوم فكرة تشكيل مجلس السلام بشأن غزة.

في المقابل، تولت الأمم المتحدة في حالات عدة مسؤولية إدارة مناطق ما بعد النزاع. ومن أبرز تلك التجارب الإدارة الانتقالية في تيمور الشرقية عام 1999، التي أُنشئت بتفويض من مجلس الأمن لتولي إدارة الإقليم بعد انسحاب إندونيسيا، إضافة إلى بعثة الأمم المتحدة في كوسوفو التي أشرفت على إعادة بناء مؤسسات الدولة عقب الحرب، وكلتاهما تمثلان نماذج قائمة على شرعية أممية واضحة.

 

أما على الصعيد الدبلوماسي، فقد عرف العالم نموذجًا آخر تمثّل في اللجنة الرباعية للشرق الأوسط التي تأسست عام 2002 بمشاركة الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إلا أن دورها ظل سياسيًا واستشاريًا أكثر منه تنفيذيًا.

وتشير المقارنات إلى أن مقترح ترامب يقترب أكثر من نموذج العراق الانتقائي منه إلى التجارب الأممية المعترف بها، ما يضعه في دائرة التساؤلات حول الشرعية الدولية والتمثيل الفلسطيني والعربي في أي تسوية مستقبلية.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء