العملاقان وجهًا لوجه: قمة أمريكية - صينية تحدد معالم النظام العالمي الجديد
في خطوة تتجاوز الخلافات الحالية في العلاقات الأمريكية-الصينية، التي تدخل في إطار الحرب الباردة، يلتقي الخصمان دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، وشي جين بينج، الرئيس الصيني، على طاولة اجتماع قادة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي "أبيك"، المقرر عقده في مدينة جوانجو بكوريا الجنوبية، في الفترة بين 31 أكتوبر و1 نوفمبر؛ لعقد مزيد من الصفقات وليس لتبادل وجهات النظر.
تُعقد القمة المرتقبة في ظل توترات تجارية حادة شهدتها العلاقات الثنائية خلال الأشهر الأولى من عام 2025، على خلفية الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضتها إدارة ترامب، ومساعيها لإعادة تشكيل النظام التجاري الدولي، فيما نجحت الصين في الضغط الاقتصادي على قطاعات أمريكية حساسة كالمزارعين، ووسعت نفوذها الإقليمي عبر منظمة شنغهاي للتعاون، وأحرزت تقدمًا في علاقاتها مع الهند.
صفقات تتخطى الحرب الباردة
لا شك أن العلاقة بين البلدين أساسها التنافس الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي، وليس التنافس الأيديولوجي كما كان الوضع في الحرب الباردة في القرن الماضي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، لكن الخلاف الحالي يدور حول بحر الصين الجنوبي، واستقلال تايوان، والمعادن النادرة، والدعم الصيني لروسيا.
ومع وصول الخلافات إلى ذروتها، جاءت سلسلة اللقاءات التي عقدت في جنيف ولندن وستوكهولم لتساهم في تهدئة الأجواء نسبيًا، إذ أعلن البيت الأبيض عن قبول ترامب دعوة لزيارة بكين مطلع عام 2026، مقابل زيارة مرتقبة لشي إلى واشنطن في النصف الثاني من العام ذاته.

وتفيد تقارير صحفية أمريكية أن وفود العمل من الجانبين ستلتقي أولًا؛ لرسم الخطوط العريضة لنقاط الخلاف ووضع حلول لها قبل اللقاء المرتقب بين الخصمين. وتسعى واشنطن لإحراز تقدم في ضبط صادرات الصين من مواد "الفنتانيل" المستخدمة في تصنيع المخدرات ورفع القيود الصينية على صادرات المعادن النادرة إلى أمريكا، إضافة إلى مطالب بزيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية.
في المقابل، ترغب بكين في تخفيف الرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة على بضائعها، ورفع القيود على تصدير التكنولوجيا المتقدمة، وعلى رأسها أشباه الموصلات، إلى جانب توسيع قائمة الكيانات المحظورة أمريكيًا.
توظيف النفوذ الصيني للضغط على موسكو
من أهم الملفات المطروحة على طاولة اجتماع قادة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي، مناقشة مصير الحرب الروسية-الأوكرانية، إذ صرح ترامب قبيل قمة "أبيك" أن لقاء نظيره شي جين ربما يلقي بظلاله على التدخل العسكري في كييف، قائلًا: “أعتقد أنه يمكن أن يكون له تأثير كبير على بوتين".
ورغم أن بكين لم تقدم دعمًا رسميًا لموسكو، إلا أنها زادت مبيعاتها إلى روسيا من المواد التي تُستخدم لإنتاج الصواريخ والدبابات والطائرات لاستخدامها في الحرب، ما يعني أن اللقاء المرتقب بين ترامب وشي سيكون محاولة أمريكية لتوظيف النفوذ الصيني للضغط على موسكو.

دائمًا ما تُتهم بكين بتوفير "مساحات رمادية" تسمح لموسكو بتجاوز العقوبات المفروضة عليها من الاتحاد الأوروبي والإدارة الأمريكية، دون أن تدخل الصين في مواجهة مباشرة مع الغرب، فلا تزال روسيا تحصل على مكونات إلكترونية ومعدات متطورة تُستخدم في الصناعات المدنية والعسكرية، ويُعتقد أن كثيرًا منها يصل عبر الصين.
استقلال تايوان.. ورقة ضغط رابحة
تحاول الصين دفع واشنطن نحو موقف أوضح وأكثر صرامة ضد استقلال تايوان، والحصول على تعهد أمريكي يدعم إعادة التوحيد السلمي، حيث تمارس بكين ضغوطًا دبلوماسية كبيرة على الدول الأخرى لعدم الاعتراف بتايوان أو القيام بأي شيء يلمّح إلى هذا الاعتراف.
الأزمة بين الصين وتايوان ليست وليدة اليوم، بل ترجع إلى عشرات السنوات، إذ خضعت الجزيرة لأول مرة للسيطرة الصينية الكاملة في القرن السابع عشر عندما بدأت سلالة تشينغ الحاكمة في إدارتها، ثم تخلت عنها لليابان عام 1895 بعد خسارة الحرب الصينية-اليابانية الأولى.
واستولت الصين على الجزيرة مرة أخرى في عام 1945 بعد خسارة اليابان في الحرب العالمية الثانية، وبعد اندلاع الحرب الأهلية في الصين بين القوات الحكومية القومية بقيادة تشيانغ كاي شيك والحزب الشيوعي الذي يتزعمه ماو تسي تونغ، انتصر الشيوعيون وسيطروا على بكين عام 1949.
ويعتبر كلا الطرفين أن ما حدث عام 1949 دلالة على أن تايوان كانت في الأصل مقاطعة صينية، فيما ينظر التايوانيون إلى أن هذا التاريخ دليل قاطع على أنهم لم يكونوا أبدًا جزءًا من الدولة الصينية الحديثة التي تشكلت لأول مرة بعد الثورة في عام 1911، أو جمهورية الصين الشعبية التي تأسست في عهد ماو تسي تونغ عام 1949.

المعادن النادرة.. نفط القرن الحادي والعشرين
من المتوقع أن تُوضع حلول لأزمة المعادن النادرة، التي برزت كأحد أهم محاور الصراع بين القوتين، بعد أن تحولت هذه العناصر إلى عمود فقري للتكنولوجيا الحديثة وصناعات الدفاع والطاقة المتجددة، وتسيطر بكين على قرابة 80% من إنتاج ومعالجة المعادن النادرة عالميًا، ما يمنحها ورقة ضغط استراتيجية على واشنطن، التي تعتمد بشكل كبير على الإمدادات الصينية في تصنيع الرقائق الإلكترونية والطائرات الموجهة والسيارات الكهربائية.
مؤخرًا، استخدمت الصين هذه الورقة بذكاء عبر فرض قيود على تصدير عناصر حيوية كرد على العقوبات الأمريكية ضد شركات التكنولوجيا الصينية. هذا التحرك أثار مخاوف حقيقية في الغرب من احتمال تعطل سلاسل الإمداد في قطاعات حيوية، خاصة الصناعات الدقيقة والعسكرية.
من جانبها، تسعى واشنطن إلى تقليل تبعيتها للصين عبر تنويع مصادر التوريد، وتشجيع التعدين المحلي في ولايات نيفادا وكاليفورنيا، إضافة إلى عقد شراكات استراتيجية مع أستراليا وكندا.
ورغم هذه الجهود، تبقى الصين حتى الآن اللاعب المهيمن على سوق المعادن النادرة، ما يمنحها نفوذًا غير مباشر في معادلات التكنولوجيا والدفاع والطاقة.



