رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

واشنطن تُناور وموسكو تُصعّد.. دونباس تكتب فصلًا جديدًا في النظام الدولي

الحرب الروسية الأوكرانية-
الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفية

لم تعد دونباس الواقعة شرقي أوكرانيا اليوم مجرد منطقة نزاع حدودي، بل تحولت إلى رمز لصراع الإرادات العالمية بين من يدافع عن استقرار النظام الدولي، ومن يسعى إلى إعادة رسمه وفق موازين القوة. يتجلى ذلك في حرب التصريحات بين موسكو وواشنطن بشأن التنازل عنها مقابل إنهاء الحرب، إذ كشف إلغاء القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين أن قنوات التواصل المباشر بين الطرفين ما زالت مغلقة عمليًا، رغم الحاجة الملحّة لأي مسار تفاوضي يخفف من حدة التصعيد في أوكرانيا.

كما أعلن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف وجود ما وصفه بالعقبات السياسية والعسكرية في طريق الحوار، مما يعكس إصرار موسكو على الحصول على تنازلات ملموسة قبل أي لقاء رفيع المستوى، وربما يشير إلى تمسكها بمواقفها الميدانية في دونباس وجنوب أوكرانيا كأوراق ضغط تفاوضي، وفي المقابل، نفى البيت الأبيض وجود خطط لقمة قريبة بين ترامب وبوتين، ما يبرز الحذر الأمريكي، سواء خشية من إعطاء روسيا شرعية ميدانية أو لتجنّب إظهار أي تراجع في الدعم الأمريكي لكييف.

الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفية 
الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفية 

دونباس.. صراع بين التاريخ والجغرافيا والسياسة

تضم دونباس الواقعة شرق أوكرانيا مقاطعتي دونيتسك ولوجانسك، وهي واحدة من أكثر النقاط سخونة في المشهد الجيوسياسي المعاصر، إذ تتقاطع فيها المصالح التاريخية والاقتصادية والعسكرية بين موسكو وكييف، وتتحول إلى رمزٍ لصراع أوسع بين روسيا والغرب حول شكل النظام الدولي المقبل.

اكتسبت دونباس أهميتها الاقتصادية منذ القرن التاسع عشر، فعُرفت بقلب الصناعة الروسية بفضل وفرة الفحم والحديد فيها، ما جعلها محورًا رئيسيًا للثورة الصناعية في جنوب الإمبراطورية القيصرية، وخلال الحقبة السوفييتية، تحولت المنطقة إلى مركز للعمال والصناعات الثقيلة، وأصبحت رمزًا للطبقة الكادحة وللقدرة الإنتاجية للاتحاد السوفييتي. ومع استقلال أوكرانيا عام 1991، ورثت كييف منطقة استراتيجية غنية بالموارد لكنها ذات تركيبة سكانية معقدة، يغلب عليها الناطقون بالروسية، ما جعلها نقطة احتكاك دائمة بين الهويتين الأوكرانية والروسية.

دعمت روسيا حركة انفصالية أدت إلى حرب أهلية عام 2014، وقت أن كانت دونباس تساهم بما يصل إلى 20% من الناتج المحلي الأوكراني، وتُعد مركزًا رئيسيًا لصناعات الفحم والمعادن والكيماويات، وأعلن الانفصاليون الموالون لروسيا قيام جمهوريتي دونيتسك ولوجانسك الشعبيتين.

ومن الناحية الجغرافية، تمثل المنطقة ممرًا حيويًا يربط روسيا بشبه جزيرة القرم وببحر آزوف، ما يمنحها أهمية عسكرية واستراتيجية كبيرة. بالنسبة لموسكو، تشكل دونباس حاجزًا أمنيًا أمام تمدد حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأداة ضغط دبلوماسية لإبقاء أوكرانيا خارج المنظومات الغربية.

الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفية 
الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفية 

رمزية تتجاوز الحدود الجغرافية

نقلت وكالة "فرانس برس" تسريبات عن مصادر أوكرانية بشأن ضغوط ترامب على الرئيس الأوكراني للتنازل عن منطقة دونباس، في إطار محاولة لإيجاد مخرج تفاوضي سريع. هذا الطرح يعيد إحياء الجدل حول فكرة "السلام مقابل الأرض"، أي القبول بخسارة جغرافية محدودة لتجميد الحرب، وهو نهج ترفضه كييف رسميًا وتعتبره مكافأة للعدوان الروسي.

التمسك الروسي بالسيطرة على دونباس يأتي في إطار أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية، فمن يسيطر على دونباس لا يتحكم فقط بمناجم الفحم وطرق النقل، بل يمتلك موقعًا جيوسياسيًا يمكنه من التأثير في مستقبل أوروبا الشرقية ومعادلات الأمن العالمي.

كذلك، تدرك كييف أن فقدان السيطرة على المنطقة يمثل مساسًا بوحدة الدولة وسيادتها، وتبرر روسيا موقفها بحماية الناطقين بالروسية وما تصفه بتصحيح أخطاء التاريخ، فيما ترى الدول الغربية أن ما يجري هو تحدٍ مباشر للنظام الدولي القائم على احترام الحدود والسيادة الوطنية.

حتى الآن، يوحي المشهد السياسي بأن الأطراف الكبرى تتحرك بين مسارين متوازيين: مسار الخطاب المعلن الرافض لأي تنازلات أو حوار بشروط الخصم، ومسار الدبلوماسية غير المعلنة التي تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه ويمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

ومع تصاعد الحديث عن احتمال تسوية سياسية للأزمة الأوكرانية تتضمن تنازلات ميدانية في منطقة دونباس، تتزايد المخاوف من أن يشكل هذا السيناريو سابقة خطيرة تفتح الباب أمام شرعنة الحروب الإقليمية وتغيير الحدود بالقوة العسكرية.

الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفية 
الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفية 

سيناريوهات محتملة لمستقبل دونباس

أي قبول أوكراني – ولو جزئي – بخسارة دونباس لصالح روسيا سيُفسَّر دوليًا على أنه اعتراف بالأمر الواقع الذي فرضته القوة المسلحة، وهو ما قد يضعف الركيزة الأساسية للنظام الدولي القائم على عدم جواز الاستيلاء على أراضٍ بالقوة، مما يشجع دولًا أخرى على خوض صراعات مشابهة تحت ذريعة تصحيح الحدود أو حماية الأقليات، لندخل في موجة جديدة من النزاعات الإقليمية في مناطق متوترة حول العالم.

وفي حال وافق المجتمع الدولي على تسوية قائمة على مبدأ "السلام مقابل الأرض"، فإن ذلك سيعني عمليًا تراجع مبدأ الردع الدولي. وتكمن خطورة هذا النهج في أنه لا يحقق سلامًا دائمًا، بل يخلق سوابق قانونية تشجع على استخدام السلاح كأداة تفاوضية، ما يهدد استقرار القارة الأوروبية ويضعف مصداقية الأمم المتحدة ومؤسسات الأمن الجماعي.

ومن المتوقع أن يتوقف مستقبل دونباس على أكثر من احتمالية، منها تجميد الصراع، ما يعني بقاء الوضع الميداني على حاله دون اعتراف رسمي متبادل، أو القبول بالحكم الذاتي الموسع، وهو تسوية تفاوضية تمنح دونباس وضعًا خاصًا داخل أوكرانيا بضمانات روسية ودولية، لكنها تواجه رفضًا في كييف خشية تفكك الدولة.

الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفية 
الحرب الروسية الأوكرانية- أرشيفية 

الشرعية الدولية وشرعنة القوة

بالإضافة إلى ما سبق، فمن الممكن استمرار روسيا في فرض السيطرة الإدارية والعسكرية ودمج المنطقة رسميًا ضمن أراضيها، ما سيقابل برفض دولي ويؤدي إلى عقوبات أوسع، لكنه يظل احتمالًا قائمًا. وأخيرًا، إيجاد تسوية شاملة، أي حل سياسي يربط بين مستقبل دونباس وترتيبات أمنية أوسع في أوروبا، يتضمن انسحابات تدريجية وضمانات أمن متبادلة بين موسكو والغرب.

في كل السيناريوهات، تبقى معضلة الشرعية هي جوهر الأزمة؛ فالتنازل عن الأرض تحت ضغط السلاح يهدد مفهوم السيادة الوطنية ويعيد منطق "حق الأقوى" إلى المشهد الدولي، فيما يصر الغرب وكييف على أن أي حل يجب أن يستند إلى القانون الدولي ووحدة الأراضي الأوكرانية.

الخلاصة أن أي تسوية تقوم على التنازل الإقليمي لن تُنهِ الحرب فحسب، بل قد تعيد رسم خريطة الشرعية الدولية لعقود قادمة. وبين واقعية السياسة ومبادئ القانون، تبقى دونباس ساحة اختبار حاسمة لمستقبل النظام العالمي وحدود ما يمكن للعالم أن يقبله بالقوة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء