الفوضى عبر الحدود.. كيف تحوّلت تشاد إلى سوق مفتوح للسيارات المسروقة؟
وسط النزاعات والحروب المشتعلة، تزدهر التجارة غير المشروعة، وفي منطقة الساحل ووسط إفريقيا تتسع هذه الظاهرة على نطاق واسع. ووفقًا لأحدث تقرير صادر عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة، فقد ازدهرت التجارة غير المشروعة في تشاد بفعل الحرب الأهلية في السودان، وهو ما قد يؤثر على سوق السيارات المشروعة ويُعطّل حركة الأسواق.
ويرصد هذا التقرير دور الصراع، والحروب، والحدود الهشة في تنشيط وازدهار تجارة السيارات غير المشروعة وتدفّقها من السودان إلى تشاد، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: مفهوم جرائم السيارات
تُعدّ جرائم السيارات جزءًا من منظومة التجارة غير المشروعة، التي تهدف إلى إيصال السلع إلى مواطني دولة معينة بطرق غير قانونية، في انتهاك واضح للقوانين والتشريعات.
وهذا يعني أن السلعة قد تكون قانونية في ذاتها، لكن طريقة دخولها عبر التهريب أو التهرّب من الضرائب والجمارك تجعلها غير قانونية. أي أن أنشطة التجارة غير المشروعة قد تشمل سلعًا قانونية تُتداول بوسائل غير قانونية، أو سلعًا غير قانونية بالكامل.
ووفقًا للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، فإن جرائم السيارات تشمل السرقات الكاملة للمركبات، أو الاتجار غير المشروع بقطع غيارها، وتشكل هذه الجرائم ضغطًا كبيرًا على مالكي السيارات وشركات التأمين، كما تضرّ بسمعة الشركات المصنّعة.

وتُعدّ جرائم السيارات حلقة في سلسلة الجريمة المنظمة المنتشرة في إفريقيا ومنطقة الساحل، وتُعدّ تجارة مربحة لعصابات الجريمة المنظمة، حيث تُستخدم عوائدها في تمويل أنشطة غير مشروعة أخرى، مثل تجارة المخدرات والسلاح والبشر.
وتتضمن أنشطة السيارات غير المشروعة: سرقة المركبات الآلية، وتزوير الوثائق، وتغيير الطلاء (لإخفاء الهوية الأصلية)، والاحتيال في تأمين المركبات.
وفي السنوات الأخيرة، ساهمت شبكة الإنترنت في تسهيل هذه التجارة من خلال الإعلان، والترويج، وإعادة بيع مكونات السيارات المسروقة.
ثانيًا: الصراعات والحروب والحدود المسامية كعوامل محفّزة للسرقة
عندما سيطرت قوات الدعم السريع على مدينتَي الخرطوم وود مدني، سارع مقاتلوها إلى نهب وسرقة منازل المواطنين وممتلكاتهم الشخصية، من مقتنيات ذهبية وغيرها، وكانت السيارات من بين تلك الأصول المنهوبة. وقد قُدِّرت قيمة السيارات المسروقة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب بنحو 40 مليار دولار.
والواقع أن جريمة "سرقة السيارات والاتجار غير المشروع في أجزائها" ليست جديدة؛ إذ كانت أسواق الحدود السودانية مراكز لتجارة السيارات المسروقة، مستفيدة من الصراعات المندلعة في إفريقيا الوسطى أو ليبيا، حيث تُرسل السيارات المسروقة عبر دارفور والولايات الشمالية.

ووفقًا لتقرير المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة (ENACT)، فإن الحدود المسامية بين الدول الإفريقية تُسهم في تسهيل حركة التهريب، سواء كان تهريب بشر أو مخدرات أو سلاح. ومنذ اندلاع الحرب في السودان، لوحظ ارتفاع معدلات التهريب والاقتصاد غير الرسمي، إذ يمكن للمهربين النفاذ عبر الحدود إلى دولة تشاد لبيع السيارات أو أجزائها بأسعار غير حقيقية.
ثالثًا: قوات الدعم السريع وتورّطها في تجارة السيارات المسروقة
على الرغم من انخراط العديد من الأطراف (المهرّبين، والتجّار) في هذه التجارة، تُعدّ قوات الدعم السريع من أبرز المستفيدين منها. فكلما سيطرت هذه القوات على منطقة أو ولاية جديدة، ازدادت أنشطة تهريب السيارات المسروقة وازدهرت تجارتها عبر الحدود، من خلال تزوير اللوحات المعدنية، واستغلال ضعف أجهزة الرقابة وغياب قوات حرس الحدود.ويُسهم ذلك في إدخال السيارات المنهوبة بسهولة إلى داخل تشاد.
ولا تؤدي سرقة السيارات وتهريبها إلى تفاقم الجريمة العابرة للحدود فحسب، بل تتقاطع أيضًا مع الصراع وعدم الاستقرار السياسي والانتهازية الاقتصادية في المنطقة. وغالبًا ما يصاحب النهب أعمال عنف ضد المدنيين، خاصة في المناطق الفقيرة أو الثرية التي تضم أصولًا ثمينة مثل السيارات.
ويؤدي ازدهار هذه التجارة غير المشروعة إلى تعطيل سوق السيارات في تشاد، وربما يدفع المشترين إلى العزوف عن شراء السيارات المشروعة.
رابعًا: جنوب السودان نموذجًا للتعاون في مكافحة التجارة غير المشروعة
رغم الأرباح الكبيرة التي تدرّها تجارة السيارات المسروقة، فإن دول الجوار مطالبة بمكافحة هذا النشاط.وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تجربة جنوب السودان، التي رغم الحدود المسامية وضعف الرقابة، اتخذت إجراءات لمواجهة هذه الجرائم.
فبمجرد اندلاع الحرب في السودان، سافر وفد من ضباط إنفاذ القانون إلى جوبا، مزودًا بسجلات إلكترونية للسيارات المسروقة، مما مكّن شرطة جنوب السودان من تحديد المركبات واستعادتها.
كما حذّرت السلطات المواطنين من شراء المركبات المهربة، ما ساعد في رفع الوعي وتقليل الطلب، ومنعت تسجيل أي سيارة دون وثائقها الرسمية، وهو ما وضع حدًّا لدخول السيارات غير المشروعة إلى البلاد.
وعلى الرغم من تورّط جهات متعددة في هذا النشاط، فإن تواطؤ بعض دول الجوار يعزّز من نشاط التهريب. ويمكن لدولة تشاد أن تسير على نهج جنوب السودان، عبر التعاون مع السلطات الرسمية في السودان، وتعزيز أمن الحدود، وتطبيق القانون بحزم ضد هذه الجرائم، مع توعية المواطنين بخطورة شراء السيارات المهربة، ومنع تسجيل أي سيارات غير موثقة رسميًا.



