رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

خطاب خامنئي بين ترويج شرعية الثورة ورسائل الردع الكلامي

المرشد الأعلى للثورة
المرشد الأعلى للثورة الإيرانية مع جموع من الشباب

جاء خطاب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، وسط توترات متصاعدة مع القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وكان الخطاب الذي ألقاه أثناء لقاء أبطال رياضيين وفائزين في الأولمبيادات العلمية الدولية بمثابة فرصة لتوجيه رسائل للداخل والخارج.

وحاول الخطاب ترميم صورة الدولة الإيرانية بعد الأزمات التي تعرضت لها مؤخرًا، وحجم الاختراقات الذي أظهر إيران دولة هشة تعاني من نقاط ضعف كثيرة، خاصة بعد الاستهدافات التي تعرضت لها شخصيات بارزة في النظام الإيراني، إضافة إلى المنشآت الحساسة التي لم ينجح النظام في حمايتها أو تحصينها ضد الضربات الأمريكية والإسرائيلية.

المرشد خلال لقائه مع عدد من الطلاب والرياضيين 
المرشد خلال لقائه مع عدد من الطلاب والرياضيين 

تضخيم إنجازات الثورة الإيرانية

حاول خطاب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية تضخيم إنجازات الثورة، والتأكيد على أن أي نجاح يحققه الشعب الإيراني إنما هو بفضل الثورة وسياساتها، حتى وإن كانت هذه الإنجازات تتم بجهود فردية وتتعلق بقدرة لاعبين رياضيين على تحقيق مستويات متقدمة في المحافل الدولية.

وفي حديثه للرياضيين الذين حصدوا ميداليات عالمية، قال خامنئي: "قدمتم ردًّا عمليًا على أعداء إيران، وأظهرتم قدرات شبابنا وقوة الشعب الإيراني، لذلك يمكن اعتبار هذه الميداليات ذات قيمة مضاعفة". وأشار إلى التطورات الملفتة في الرياضة بعد الثورة، مؤكدًا أن الإنجازات الحالية للشباب في المصارعة والكرة الطائرة وبعض الرياضات الأخرى لم تكن موجودة سابقًا، وهذه القدرة على المنافسة العالمية لم تكن متاحة قبل الثورة.

ويأتي ثناء خامنئي على الإنجازات التي تحققت بفضل الثورة بمثابة ترسيخ لشرعية النظام الذي أفرزته الثورة، باعتبار أن مبادئ الثورة التي يتبعها النظام الحاكم ساهمت في تحقيق إنجازات لم تكن تتحقق قبل ذلك، بل لم تكن موجودة من الأساس قبل ثورة 1979، في إشارة إلى الفشل الذي كان يسبقها في ظل نظام الشاه، وذلك ردًا على الإخفاقات المتكررة للنظام ومحاولات إعادة الحكم الملكي مرة أخرى، بعد تصدير نجل الشاه كنظام بديل خلال حرب الاثني عشر يومًا.

فتيات إيران  خلال خطاب المرشد الأعلي 
فتيات إيران  خلال خطاب المرشد الأعلي 

الكتلة الشبابية ورسائل الاحتواء

تضمن خطاب القائد الأعلى للثورة الإيرانية أيضًا رسائل لاحتواء الشباب، وذلك في ظل تصاعد الرفض الذي تبديه الكتلة الشبابية في إيران تجاه سياسات النظام سواء في الداخل أو الخارج، وفي ظل الموجات الاحتجاجية التي يقودها جيل "زد" في عدد من الدول، إلى جانب المشاركة الشبابية الواسعة في الاحتجاجات الداخلية في إيران خلال السنوات الأخيرة، ما يجعلها كتلة صلبة قادرة على التغيير.

ومن الرسائل التي وجهها خامنئي للشباب تأكيده على أهمية دعم الشباب المشاركين في الأولمبيادات العلمية، قائلاً: "كل ما تقومون به يُسجّل باسم إيران وباسم الشعب. هذا العلم الذي رفعتموه، والسجود والدعاء الذي يؤديه الرياضي بعد الفوز، كل ذلك رمز قيم للأمة الإيرانية. أنا أؤكد على المسؤولين ألا يتركوا هؤلاء الشباب، وألا يكتفوا بما تحقق حتى الآن."

وعظّم خامنئي دور الشباب في كل مواجهات إيران، حيث قال: "الشباب كانوا السباقين في ابتكار الاستراتيجيات العسكرية خلال الحرب، وهو ما مكّن إيران من التفوق على العدو رغم الإمكانات المحدودة." وأضاف: "اليوم، شبابنا في المراكز البحثية يتصدرون العالم، فالإنجازات العلمية والرياضية للشباب ليست مجرد ميداليات أو جوائز، بل تمثل قوة الأمة وقدرتها على مواجهة التحديات، وهي رسالة قوية للأعداء في كل ميدان."

وتأتي هذه الرسائل في ظل مخاوف من تصاعد الفجوة بشكل لافت بين جيل الشباب في إيران ونظام الحكم، حيث إن موجات الرفض الشبابية لا تتعلق فقط بالظروف الاقتصادية أو الملفات السياسية التي فشل النظام في إدارتها، لكنها تتصل أيضًا بأيديولوجيا النظام ومرجعيته، وبالمساحة الكبيرة الممنوحة لرجال الدين وجمعهم بين المناصب الدينية والسياسية.

الشباب الإيراني خلال خطاب المرشد الأعلي 
الشباب الإيراني خلال خطاب المرشد الأعلي 

تأكيد الانتصار ورسائل "الردع الكلامي"

حرص القائد الأعلى للثورة الإيرانية على تأكيد انتصار إيران على الكيان الإسرائيلي في الحرب التي عُرفت بـ"حرب الاثني عشر يومًا"، من خلال الإشارة إلى قدرة إيران على الوصول إلى العمق الإسرائيلي بصواريخ قال عنها خامنئي إنها صُنعت بأيادٍ إيرانية، ولم تُشتر من أي جهة، في إشارة إلى غياب الدعم الخارجي، مقابل الدعم الأمريكي لإسرائيل، وتعظيم قدرة إيران على تحقيق الاكتفاء الذاتي.

وقال خامنئي: "لم يتوقع الصهاينة أن يتمكن الصاروخ الإيراني من اختراق مراكزهم الحساسة والمهمة بلهيبه ونيرانه وتدميرها وتحويلها إلى رماد، كما أن إيران لم تشترِ أو تستأجر الصواريخ من أي مكان، بل كانت مصنوعة يدويًا وهوية للشباب الإيراني."

وواصل حديثه مؤكدًا قدرة إيران على إلحاق الهزيمة بإسرائيل وإيصالها إلى مرحلة اليأس: "حاول الرئيس الأمريكي بث الأمل في نفوس الصهاينة المحبطين ورفع معنوياتهم، لكن الضربة الساحقة التي وجهتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية للكيان الصهيوني في حرب الـ12 يومًا كانت سبب يأسهم."

ولم يخلُ خطاب خامنئي من رسائل "الردع الكلامي" وهو أمر يتكرر في الخطاب الإيراني بشكل عام، خاصة من جانب قادة الحرس الثوري، حيث قال: "إن قواتنا المسلحة وصناعاتنا العسكرية كانت جاهزة لهذه الصواريخ واستخدمتها ولا تزال تمتلكها، وإذا لزم الأمر، فسوف تستخدمها في وقت آخر." في إشارة إلى استعداد إيران لخوض أي مواجهات مستقبلية.

الرد على ترامب ومواجهة الاستكبار الأمريكي

يستخدم الخطاب الإيراني بشكل عام عددًا من المصطلحات التي تصف طبيعة العلاقة مع الغرب ومع الولايات المتحدة الأمريكية، وأبرز هذه المصطلحات هو "قوى الاستكبار العالمي". ورغم أن المصطلح لم يرد صراحة في خطاب خامنئي، إلا أن رده على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يأتي في هذا الإطار، حيث اعتبر أن تصريحات ترامب بشأن استهداف المنشآت النووية الإيرانية نوع من الوهم والغرور.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

وحاول خامنئي الحفاظ على مبدأ "الندية" مع ما يصفه بـ"قوى الاستكبار العالمي"، وهي ركيزة أساسية في الخطاب الإيراني، باعتبار أن إيران "أمة صامدة"، ما يعني أن المواجهات الحالية مع الغرب هي إعادة تأكيد على شرعية النظام الذي لم يفرط في مبادئه، كما تُعد العداءات المتصاعدة فرصة لإعادة التعبئة الوطنية ضد المخاطر الخارجية.

ولم يقدم خامنئي الولايات المتحدة باعتبارها "قوى استكبار" فقط، بل وصفها بأنها كيان أخلاقي فاسد وإرهابي، إذ قال صراحة: “الإرهابي هو أمريكا التي صنعت داعش وأوصلته إلى قلب المنطقة، واليوم استولى عليه البعض في منطقة واحتفظوا به لاستخدامهم الخاص. استشهاد أكثر من ألف إيراني في حرب الـ12 يومًا دليل واضح على الطبيعة الإرهابية للولايات المتحدة والكيان الصهيوني".

وعدّد خامنئي الأدلة على الإرهاب الأمريكي ورعايته للكيان الإسرائيلي، مشيرًا إلى تسبب واشنطن وتل أبيب في استشهاد نحو 70 ألف شخص في حرب غزة وأكثر من ألف إيراني في حرب الـ12 يومًا، معتبرًا ذلك دليلاً على الطبيعة الإرهابية لهما، وأضاف أن اغتيال العلماء مثل طهرانجي وعباسي جريمة تفاخرت بها أمريكا، لكنها – على حد قوله – "لن تستطيع اغتيال العلم".

وقلل خامنئي من تصريحات الرئيس الأمريكي الذي ادّعى تدمير الصناعة النووية الإيرانية، قائلاً: "الرئيس الأمريكي الذي ادّعى تدمير الصناعة النووية الإيرانية مفتخرًا بقصفها، لا مشكلة، فكروا في الأمر بهذه الطريقة، ولكن من أنتم لتأمروا بأن تكون لدى دولة صناعة نووية أو لا تكون؟ ما علاقة أمريكا بوجود منشآت وصناعات نووية لدى إيران أم لا؟ هذه التدخلات غير مناسبة وخاطئة ومتغطرسة".

ختامًا:

ارتكز خطاب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على مبدأ "الندية" التي تمارسها إيران في الصراع مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، مقدِّمًا إياهما كـ"كيانات أخلاقية فاسدة"، معتبرًا أن الصراع بينهما لا يقتصر على صراع المصالح فحسب، بل هو صراع بين الأخلاقي واللا أخلاقي.

كما تضمّن الخطاب رسائل "ردع كلامي" واستعدادًا لأي مواجهات مقبلة، مع الحرص على التأكيد على مرجعية النظام الدينية ومبادئ الثورة الإسلامية التي يُنسب إليها الفضل في أي إنجازات تتحقق على كافة الأصعدة، باعتبار أن هذه المبادئ هي التي عززت شرعية النظام الذي أفرزته الثورة.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء