كابسات تطيح بالرئيس: مدغشقر على خط الأزمات الإفريقية
على إثر تصاعد المظاهرات الاحتجاجية، والتي قامت بالأساس للتنديد بالوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي، والتمرد على أوضاع قطاعي التعليم والصحة المترديين، فقد تطورت الاحتجاجات لتضم هيئات حكومية وجهات تنفيذية، أعلنت مشاركتها في الإضراب الذي سيتم تنظيمه. وفي السياق نفسه، أعلنت وحدة كابسات (CAPSAT) رفضها لقمع التظاهرات، وانضمامها إلى صفوف المتظاهرين. يحاول هذا التقرير أن يقدم رؤية للمشهد السياسي لما يمكن أن تؤول إليه الأمور بعد إعلان "راجولينا" استقالته.
ما الذي حدث؟ وكيف حدث؟
خلال كلمة له تم بثها على مواقع التواصل الاجتماعي، أعلن الرئيس "راجولينا" مغادرته البلاد بحثًا عن مكان آمن، ودعا إلى ضرورة إجراء حوار كمخرج للأزمة الحالية، ولم يفصح عن مكان تواجده أو حتى كيفية خروجه من البلاد، لكن بعض التقارير الإعلامية تتحدث عن مساعدة فرنسية يمكن أن تكون قد أنقذته. ووفقًا للتقارير نفسها، فإن الخطاب كان من المقرر أن يتم بثه عبر التلفزيون الوطني، لكن قوات من وحدة "كابسات" أعلنت سيطرتها على هيئة البث الإذاعية في مدغشقر، وبعد ذلك أعلن العقيد "مايكل رانديارينينا" (Michael Randrianirina) السيطرة على السلطة، ومن المرجح أن يؤدي اليمين الدستورية رئيسا للبلاد خلال الأيام المقبلة.

وتأتي هذه الأحداث بعد أن صوّت البرلمان على عزل الرئيس "أندريه راجولينا" بسبب "هروبه من الواجب"، حيث سارع "راجولينا" بحل البرلمان. ومن جانبه أعلن قائد وحدة "كابسات" "مايكل رانديارينينا" أن الوحدة ستشكل لجنة مكونة من ضباط من الجيش والدرك والشرطة الوطنية، وربما في الأيام القادمة ستضم مستشارين مدنيين، وهذه اللجنة هي التي ستتولى مهام الرئاسة، كما أعلن عن نيته تشكيل حكومة جديدة.
التاريخ يعيد نفسه
عندما وصل "راجولينا" إلى السلطة عام 2009، على إثر احتجاجات شعبية ضد حكم "مارك رافالومانانا"، لم يكن أحد يتخيل أنه سوف يلاقي المصير نفسه بعد 16 عامًا، تداعت فيها الظروف الاقتصادية والمعيشية للمجتمع المالغاشي، وتوحش فيها قطاع الأمن، وأصبح أكثر تسيسًا وانقسامًا بدلًا من أن يكون أداة الدولة للدفاع عن أرضها. والواقع أن الجهاز الأمني قد أُعد أساسًا لقمع التمرد من قبل المجتمعات المحلية، وهي الرؤية التي حكمت مخططي الإدارة الاستعمارية والتي تم البناء عليها بعد حصول الجزيرة على استقلالها.

وعلى الرغم من استمرار الاحتجاجات لعدة أسابيع، فإن "راجولينا" تحدث عن محاولة انقلابية ضد حكمه، وقد جاءت هذه التصريحات حينما أعلن ضباط من وحدة "كابسات" انضمامهم للتظاهرات. والواقع أن هذه الوحدة لها الفضل في إيصال "راجولينا" للسلطة، ما يعني أنه يعرف مدى النفوذ الذي تتمتع به هذه الوحدة، كما يعلم أيضًا أن وحدة الحرس الرئاسي أو قوات الدرك لم تكن كافية لضمان قمع أي تمرد قد يلوح في الأفق. وفعليًا، يُحدثنا الخط الزمني للأحداث كيف أن انضمام "كابسات" في 11–12 أكتوبر كان كافيًا ليصرّح "راجولينا" في 13 أكتوبر أن هناك محاولة انقلابية ضده، وقد دعت الوحدة الرئيس إلى الاستقالة، كما دعت إلى عزل الوزراء الفاسدين. وكان الرئيس قد أجرى تعديلًا وزاريًا من قبل، لكن الواضح أن هذا التعديل لم يكن ليرضي المتظاهرين ولا حتى أفراد وحدة كابسات.
وحدة كابسات CAPSAT: الرقم الصعب في المشهد السياسي
في الواقع، فإن الاحتجاجات في مدغشقر استمرت لأسابيع، لكن انضمام وحدة كابسات (Army Corps of Personnel and Administrative and Technical Services) إلى هذه الاحتجاجات يعتبر النقطة المحورية في التخلص من حكم "أندريه راجولينا". والواقع أيضًا يحدثنا بأن لهذه الوحدة القوة والإمكانات والنفوذ في توجيه كافة الأمور، خاصة إذا علمنا الدور المحوري الذي لعبته خلال الأزمة السياسية عام 2009، إذ استطاعت أن تجبر الرئيس "مارك رافالومانانا" على الاستقالة. وعلى الرغم من أن الأخير فضّل التنازل عن الحكم لسلطة انتقالية موالية له، فإن "كابسات" كانت لها رأي آخر، إذ قامت باعتقال بعض أعضاء الهيئة الانتقالية وأجبرتهم على تسليم السلطة إلى "راجولينا"، أي أن "كابسات" هي التي عزلت ونصّبت الرئيس. أي أن الرئيس "مارك رافالومانانا" لم يُنقلب عليه، بل فقد السيطرة على جهاز الأمن ومن ثم أُجبر على الاستقالة.

وبالنظر لتطورات الأحداث في مدغشقر، فإن المظاهرات اندلعت بشكل كبير في العاصمة والمناطق الريفية التي تقل فيها السيطرة الأمنية، وما كان من الرئيس "راجولينا" إلا الرد بقسوة عبر توجيه قوات الدرك وعناصر الشرطة لقمع التظاهرات، ما جعله يقدم اعتذاره. وقد تزامن ذلك مع رفض قوات كابسات الانصياع لأوامره بإطلاق النار على المتظاهرين، بل إن هناك تقارير إعلامية تؤكد أن قوات "كابسات" تبادلت إطلاق النار مع قوات الشرطة والدرك. وعلى أي حال، فلا تزال مدغشقر تتميز بوجود نمط متكرر من التدخل العسكري في الشأن السياسي، ويتصاعد هذا الدور حينما يفشل المدنيون في إدارة الشؤون العامة، وكلما تصاعدت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
إلى أين ستؤول الأمور؟
ربما يمكن أن يتفاءل البعض بعزل "راجولينا"، خاصة وأن البلاد لم تشهد أي تقدم في حكمه، لكن الطريقة التي تدير بها "كابسات" الأمور لا تختلف عما حدث خلال عام 2009، أي أننا أمام إعادة إنتاج للنظام نفسه ولكن بوجوه مختلفة. ويتضح ذلك من الخطوات التي اتخذها قائد "كابسات"، إذ علق الدستور، وعلّق أعمال المحكمة الدستورية العليا، وحدد تشكيل مجلس عسكري يضم الثالوث الأمني في مدغشقر (الشرطة والدرك والجيش). وهنا يمكن أن نلاحظ استمرار ظاهرة تدخل العسكريين في السلطة، ويمكن اعتبار الإعلان عن تشكيل حكومة مدنية كإجراء وقائي ضد الضغط الداخلي الذي قد يرفض هذه الإجراءات، والضغط الخارجي الذي يمكن أن يتسبب في تعليق عضوية مدغشقر في التنظيمات الإقليمية ودون الإقليمية، وربما يؤدي ذلك إلى قطع المساعدات التي يعيش عليها النظام، خاصة وأن مدغشقر تُعد من الدول الفقيرة. كما أن التصريحات الخاصة بإجراء انتخابات خلال سنتين هي أمر مشكوك فيه.
ما يعزز هذه الفرضية هو أن هذا النموذج قد تكرر في دول الساحل: تعليق عمل الهيئات والمؤسسات، وتشكيل مجلس عسكري، والوعود المتكررة بإجراء انتخابات. لكن عدم حل البرلمان يمكن أن يكون محاولة لإضفاء الشرعية على تلك الخطوات، وقد يكون أيضًا للحاجة الماسة لتمرير قرارات المجلس العسكري. ويظل الحلم بالديمقراطية وتحقيق التنمية مجرد وعود لم يأتِ الأوان لتحقيقها، وربما هنا يتضح الدور الخارجي في الضغط على مسار العودة للمسار الدستوري، وهو ما ستكشف عنه الأيام القادمة.



