رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مشروع تقسيم سوريا: من أطروحات كيسنجر إلى واقع الدويلات

العناصر المسلحة في
العناصر المسلحة في سوريا - أرشيفية

منذ سيطرة "هيئة تحرير الشام" بقيادة أحمد الشرع على دمشق، تم إقصاء المكونات القومية والإثنية من الكرد والدروز والعلويين والمسيحيين، فضلًا عن إجراء تعديلات في بنية مؤسسات الدولة السورية، والهيمنة على أسرارها العسكرية والاستخباراتية ووثائق الأمن القومي، وتعديل رؤيتها وفكرها الثقافي والحضاري بما يتوافق مع أدبيات تنظيم "القاعدة"، وإجراء تعديلات جوهرية على المناهج الدراسية في وزارة التربية والتعليم دون التوافق مع كافة النخب السورية، وتنفيذها تحت مظلة كاملة الشرعية والصفة الرسمية. لا سيما أن هذه التعديلات تهدف في النهاية إلى أدلجة المناهج الدراسية وتحويلها إلى برامج فكرية تعبّر عن منهجية أصولية، بعيدة تمامًا عن مفاهيم "الدولة الوطنية".

تغيير هوية الدولة الوطنية

وفي ظل حالة من التجييش والتحريض الطائفي لمحاولة فرض واقع سياسي على بقية المجتمعات السورية المختلفة في الفكر والهوية والخطاب السياسي، يجري تمرير مشروع لتغيير هوية الدولة، فضلًا عن الاعتماد على صيغة "الفقه الإسلامي" كمصدر رئيسي للتشريع، وليس الشريعة ومبادئها، ما يمنح القائمين على السلطة الحاكمة تأويل القضايا وفق ما يتوافق مع مرجعيتهم الفكرية (الأسس الفقهية والفكرية السائدة والتقليدية لجبهة النصرة وهيئة تحرير الشام)، مع تقديم الأحكام المستنبطة على يد فقهاء العصور السابقة بما يخدم مصلحة السلطة المطلقة، وليس الإطار العام للدولة الوطنية المدنية، دون النظر إلى تفسيرات مقاصد الشريعة ذاتها، في ظل تنوع المكون السوري.

الرئيس السوري أحمد الشرع
الرئيس السوري أحمد الشرع

الجذور القديمة لمشروع التقسيم

منذ عام 2013، يدور الحديث حول تقسيم الدولة السورية إلى مجموعة من "الدويلات" على أسس مذهبية وطائفية. وخلال عام 2016، قدّمت العديد من الدراسات والمراكز البحثية تسريبات حول المشروع التقسيمي للمنطقة العربية، وفي قلبها الساحة السورية، مستشهدة بالتصريحات والتحليلات التي قدمها مسؤولون ومفكرون أمريكيون وبريطانيون قريبون من دوائر صنع القرار الغربي والأمريكي.

المشروع التقسيمي المطروح للدولة السورية يتوافق مع ما يُعرف بمرحلة "إعلان الدويلات" في المنطقة العربية والشرق الأوسط، تماشيًا مع مخطط "حدود الدم" و"إعادة هندسة خرائط المشرق العربي"، كما تحدث عنها كل من البريطاني برنارد لويس والأمريكي رالف بيترز.

ورغم تأثير "سايكس–بيكو" على العالم العربي والإسلامي، فإن الخطط الغربية لم تنتهِ. فقبل نهاية القرن العشرين، تداولت مراكز أبحاث وإدارات صنع قرار غربية عدة خرائط لتقسيم المنطقة، أشهرها للمؤرخ الأمريكي اليهودي من أصول بريطانية "برنارد لويس" عام 1983. ومع بداية القرن الحادي والعشرين، ظهرت أحدث تلك الخرائط للعسكري الأمريكي "رالف بيترز" عام 2006، وهو العام الذي ظهر فيه أيضًا المصطلح الأمريكي المثير للجدل "الشرق الأوسط الجديد"، الذي أطلقته وزيرة الخارجية الأمريكية حينها كونداليزا رايس خلال زيارة إلى إسرائيل، وتبعه مصطلح أشد إثارة وهو "صفقة القرن" الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

إحدى خرائط تقسيم سوريا 
إحدى خرائط تقسيم سوريا 

الحديث عن التقسيم يستند إلى أمرين أساسيين: أولهما، جملة المشاريع التي طُرحت لتقسيم سوريا خلال قرن مضى، وقد تعددت وتنوعت، وبعضها – كما حدث أيام الانتداب الفرنسي – انتقل إلى حيز التنفيذ العملي، لكنه سرعان ما فشل وعادت سوريا كيانًا موحدًا. بل وجرى تثبيت هذا الكيان باعتباره سوريا التي عرفناها حتى قيام ثورة السوريين عام 2011. أما العامل الثاني في طرح فكرة التقسيم فهو مستمد من الوقائع الراهنة القائمة في سوريا، والتي يشير فيها الأمر الواقع إلى تشكّل عدد من الكيانات.

هنري كيسنجر
هنري كيسنجر

كيسنجر ومفهوم الدويلات المتصالحة

وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر طرح في إحدى محاضراته بكلية "جيرالد فورد للسياسة العامة" التابعة لجامعة ميشيغان فكرة تقسيم سوريا على أسس إثنية وطائفية، وقال في محاضرته: "هنالك ثلاث نتائج ممكنة: انتصار الأسد، أو انتصار السنة، أو نتيجة تنطوي على قبول مختلف القوميات بالتعايش معًا، ولكن في مناطق مستقلة ذاتيًا على نحو أو آخر، بحيث لا تقمع بعضها البعض، وهذه هي النتيجة التي أفضل رؤيتها تتحقق".

وفي منتصف عام 2016، صرّح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بأنه من الصعب إبقاء سوريا موحدة إذا استغرق إنهاء القتال فيها مدة أطول، وتضمّن الطرح الدولي تقسيم الدولة السورية إلى عدة دويلات مذهبية وعرقية، بحيث تصبح للعلويين دولة في الساحل، وللأكراد دولة في الشمال، إضافة إلى إقليم للدروز، في حين يصبح وسط وجنوب وشرق سوريا – الذي كان تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر على مساحات واسعة منه – دولة للسنة الذين يمثلون الأغلبية في البلاد.

وفي فبراير 2016، وصف مدير المخابرات الإسرائيلية رام بن باراك التقسيم بأنه "الحل الممكن الوحيد"، مؤكدًا: "أعتقد أنه في نهاية الأمر يجب أن تتحول سوريا إلى أقاليم تحت سيطرة من يكون هناك؛ العلويون في المناطق التي يتواجدون فيها، والسنة في الأماكن التي يتواجدون فيها".

خرائط جديدة بغطاء دولي

دخل مشروع تقسيم سوريا مرحلته الحاسمة، حيث كشف الدكتور وليد فارس، السياسي اللبناني المقرب من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن مقترح يتم تداوله في واشنطن وبروكسل لتسمية الساحل السوري والجبال المحيطة به باسم "سوريا الغربية" (Western Syria)، في مؤشر واضح على توجه جاد نحو إعادة رسم خريطة المنطقة بقرار دولي لا رجعة فيه. تمتد هذه المنطقة من البحر الأبيض المتوسط إلى ريف حمص الغربي، والمجازر التي وقعت هناك قد تؤهلها للمطالبة باستفتاء دولي حول إنشاء منطقة آمنة تحت الحماية الدولية، كما سيتضمن الاستفتاء سؤال السكان حول مستقبلهم، سواء ضمن الدولة السورية أو خارجها في كيان مستقل.

نتنياهو
نتنياهو

إسرائيل الكبرى ووثيقة ينون

يدعم المشروع التقسيمي في باطنه بناء "إسرائيل الكبرى"، إذ تسعى إسرائيل من خلال تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط لبسط هيمنتها على المنطقة ومواجهة أي خطر يمكن أن يهددها من ناحية إيران ومحور المقاومة. ولهذا خرجت إسرائيل بمكاسب عديدة بعد سقوط بشار الأسد، منها ما هو استراتيجي ومنها ما هو تكتيكي.

وتعود جذور الأوهام التوسعية لليمين المتطرف الإسرائيلي إلى معتقدات دينية تفيد بأن الأرض الموعودة تمتد من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في العراق. هذه المعتقدات حملها وأصّل لها قادة الحركة الصهيونية منذ بدايتها قبل أكثر من 120 عامًا. فمؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل، حين أعلن مشروعه التوسعي عام 1904، زعم أن "حدود دولة إسرائيل تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات".

ومن أخطر المخططات الصهيونية في هذا السياق ما جاء في وثيقة كتبها مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، عوديد ينون، عام 1982 تحت عنوان "استراتيجية إسرائيل للثمانينيات"، والتي طرحت رؤية لتفكيك الدول العربية إلى كيانات طائفية وعرقية صغيرة بهدف تعزيز التفوق الإسرائيلي وتحقيق مشروعها الإمبريالي في المنطقة.

تنطلق الخطة من مبدئين استراتيجيين رئيسيين: الأول يدعو إلى تحويل إسرائيل إلى قوة إقليمية إمبريالية، والثاني إلى تقسيم المنطقة العربية إلى دويلات صغيرة، مع تركيز خاص على سوريا، حيث دعا ينون إلى تقسيمها إلى كيانات علوية وسنية ودرزية، على غرار النموذج اللبناني، ما يعزز التناحر الطائفي في البلاد.

تتجلى ملامح هذه الخطة في المشهد السوري الحالي، بعد أكثر من أربعة عقود، حيث أدى الصراع الداخلي إلى تفكك الدولة وتزايد التدخلات الخارجية، وفي مقدمتها التدخل الإسرائيلي الذي بدأ يزداد بشدة في ديسمبر 2024، حين نفذت إسرائيل ضربات جوية مكثفة على مواقع استراتيجية داخل سوريا، مستغلة انهيار نظام الأسد، وأعلنت إقامة "منطقة سيطرة" داخل الأراضي السورية بهدف تأمين حدودها وإنشاء منطقة عازلة.

وتشير تقارير استخباراتية إلى خطة إسرائيلية جديدة لحماية الحدود مع سوريا تتضمن ثلاث طبقات دفاعية، تبدأ بمنطقة عازلة داخل الأراضي الإسرائيلية، ثم نظام دفاعي أمامي داخل سوريا، وصولًا إلى فرض نزع السلاح في الجنوب السوري.

شيمون بيريز
شيمون بيريز

 شيمون بيريز وممر داود

في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، الذي صدر عام 1993، رسم شيمون بيريز صورة لمستقبل تتصدر فيه إسرائيل المشهد الاقتصادي في المنطقة، من خلال مشروع سري يهدف إلى ربط هذه الكيانات المتناحرة بشبكة من المصالح الاقتصادية، أطلق عليه "ممر داود"، يمتد من الجولان المحتلة مرورًا بمحافظات الجنوب السوري (القنيطرة، درعا، السويداء)، وصولًا إلى منطقة "التنف" التي تسيطر عليها القوات الأمريكية، ثم إلى مناطق شرق سوريا مثل دير الزور والبوكمال حتى ضفاف الفرات، ليشكل على الخريطة حلم إسرائيل القديم في السيطرة على المنطقة.

ويشير البروفيسور إيلان بابِه، المؤرخ المعروف، إلى أن "تفكك سوريا ومحاولة بناء نظام مختلف هو مجرد بداية لعملية يُعاد من خلالها النظر في الكيانات السياسية التي أنشئت بواسطة الترتيب الاستعماري بعد الحرب العالمية الأولى... نحن نشهد تفكك نظام سياسي لم يلبِّ مصالح الشعوب، وكان الفلسطينيون أبرز ضحاياه".

التقسيم كأداة لإعادة هندسة المنطقة

وفي يونيو 2002، دعا الخبير الاستراتيجي بمؤسسة "راند" لوران موريس الإدارة الأمريكية في دراسة مقدمة إلى وزارة الدفاع الأمريكية إلى تبني حلول عسكرية متشددة إذا فشلت جهود الإصلاح في المنطقة العربية، وأن هذه الحلول العسكرية يجب أن تؤدي إلى واقع جيوسياسي جديد.

وفي أبريل 2006، نشر معهد "جلوبال ريسيرش" الكندي مقالًا لجاري هلبرت تحدث فيه عن وجود مخططات أمريكية لتقسيم منطقة الشرق الأوسط على أسس إثنية وطائفية، مؤكدًا أن نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني ونائب وزير الدفاع الأسبق بول ولفويتز كانا من أبرز المؤيدين لفكرة التقسيم. وفي نوفمبر من العام نفسه، نشر المعهد تقريرًا آخر تحدّث فيه الكاتب عن إمكانية أن تشهد المرحلة المقبلة جهودًا استخباراتية لتشجيع الأقليات في المنطقة على المطالبة بكيانات سياسية مستقلة.

وفي سبتمبر 2013، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تحليلًا معلوماتيًا قدّمه الصحفي روبن رايت بعنوان "إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتقسيمه إلى 14 دولة"، موضحًا أن سوريا ستتقسم إلى ثلاثة أقاليم على الأقل: الإقليم الأول هو الإقليم "العلوي" الذي سيحكم دمشق وحمص والساحل،والإقليم الثاني سيحكمه الأكراد ويمتد على طول الحدود التركية وسيتوحد تدريجيًا مع كردستان العراق، أما الإقليم الثالث فهو الإقليم السني الذي سيحكم ما تبقى وربما يتوحد مع الوقت مع الإقليم السني العراقي. 

وبعد مرور هذه السنوات المليئة بالأحداث، يمكننا أن نرى أن سوريا باتت تعيش واقعًا مشابهًا لما خططت له وثائق مشاريع التقسيم المتنوعة والمتعددة، التي حاصرت المكونات الجغرافية والعرقية والدينية، وأسقطت المجتمع السوري في شِباك التفكك الداخلي.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء