رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

السيناريوهات الثلاثة لمستقبل قبرص: أولويات أجندة أرهورمان الداخلية

طوفان أرهورمان -
طوفان أرهورمان - الرئيس الجديد لقبرص التركية

يمثل فوز طوفان أرهورمان برئاسة جمهورية شمال قبرص التركية بنسبة تقارب 63% تحولًا واضحًا من قيادة أكثر تقاربًا مع أنقرة وسياساتها نحو قيادة مركزية ــ يسارية ومؤيدة للحل الفيدرالي الذي ترعاه الأمم المتحدة، مما من شأنه أن يفتح نافذة لإحياء مفاوضات إعادة توحيد الجزيرة، لكن نجاح أي تقدّم سيعتمد على توازنين أساسيين، هما قدرة إرهورمان على تحويل وعده السياسي إلى خطوات عملية داخلية ودبلوماسية، ومدى رد فعل وحركة أنقرة التي تعد الضامن الرئيسي القبارصة الشماليين.

نجح أرهورمان في هزيمة الرئيس إرسين تاتار المدعوم من أنقرة، حاملًا برنامج يدعو إلى استئناف مفاوضات برعاية الأمم المتحدة حول صيغة "دولتين ضمن اتحاد فدرالي" أو صيغة الاتحاد الفيدرالي التي تقبلها الأمم المتحدة واليونانيون القبارصة، وهي مناقضة لنهج تاتار الذي دفع باتجاه حلّ أقرب إلى "دولتين" مدعوم من أنقرة، وهذا التحول السياسي يغير أولويات الطرف التركي القبرصي في المحادثات. 

طوفان أرهورمان الرئيس الجديد لقبرص التركية
طوفان أرهورمان الرئيس الجديد لقبرص التركية

ويزيد فوز أرهورمان من فرص استئناف مسار الأمم المتحدة بين الطرفين؛ فالقبارصة اليونانيون أبدوا ترحيبًا واستعدادًا للحوار مع قيادة تركية قبرصية تؤيد الحل الفدرالي، ما يخلق قاعدة سياسية أولية للتفاوض. لكن استئناف المحادثات لا يعني بالضرورة اختراقًا فوريًا في القضايا الجوهرية كالنفوذ العسكري وتقاسم السلطة.

رغم أن تركيا هنأت أرهورمان لكن موقف أنقرة العملي سيكون حاسمًا؛ فتركيا دعمت سياسيًا خيار تاتار خلال الفترة الماضية، وقد تشعر بأن بعض مصالحها الاستراتيجية في شرق المتوسط أو ملف العلاقات مع الاتحاد الأوروبي يمكن أن تتأثر بتغيّر في سلوك القبارصة الشماليين.

أرسين تتار الرئيس السابق لقبرص التركية  
أرسين تتار الرئيس السابق لقبرص التركية  

ومن جهة أخرى، أنقرة قد ترى فائدة دبلوماسية في السماح بعملية تفاوضية قد تكسبها هدوءً إقليميًا أو نقاط تفاوضية مقابل تنازلات محدودة، لذا قد تختار أنقرة المزاوجة بين دعمٍ لفظي وضغطٍ عملي على أرهورمان.   

وقد هنأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إرهورمان، مؤكدًا استمرار دعم أنقرة للقبارصة الأتراك، على عكس الموقف الصريح لحليفه زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهشلي، الذي دعا إلى الاعتراض على نتائج الانتخابات، مطالبًا بانضمام شمال قبرص رسميًا إلى الجمهورية التركية.

وفيما يخص الاتحاد الأوروبي واليونان، فقد يتحفّظ الطرفان على إعادة التفاوض بشروط دولية؛ لكنهما سيرحبان بمرشح يدعو للحوار الفيدرالي ويمكن أن يستخدما هذه الفرصة للضغط من أجل حلول عملية كفتح المعابر أو تنفيذ مشاريع مشتركة أو بدء ترتيبات لاستخراج الغاز الطبيعي من البحر المتوسط.، ومن المحتمل أن تسعى الأمم المتحدة إلى استغلال زخم الانتخابات لدفع جدول مفاوضات جديد لحل القضية القبرصية.

التأثيرات الداخلية:

ركز خطاب أرهورمان على تقليص الاعتماد الاقتصادي السياسي المطلق على أنقرة وإصلاح قضايا الفساد، خاصة في التعليم والقطاع السياحي، وسوف يسهم نجاحه الاقتصادي في تعزيز موقفه التفاوضي أو إضعافه إذا فشل، لذا سيكون من أهم الملفات أمام الرئيس الجديد، ففشل الإصلاح الاقتصادي قد يسرّع تقلبات سياسية داخلية ويقلّل من مصداقية إرهورمان في التفاوض.

 وإذا حاول أرهورمان التقليل التدريجي للاعتماد على دعم أنقرة فإن ذلك قد يمر عبر سياسات جذب استثمارات أوروبية من أجل البرهنة على نجاح خياراته. 

ويمنح هذا الفوز الكبير لأرهورمان هامش مناورة، لكنه لا يعني حكم الأغلبية المطلقة في البرلمان أو انجذاب كامل للجمهور تجاه كل سياساته؛ لذا سيحتاج لبناء تحالفات برلمانية وتنفيذ خطوات عملية تهدف لكسب ثقة المواطنين واجتذابهم إلى صفه. 

الرئيس أردوغان 
الرئيس أردوغان 

ورغم أن منصب الرئيس في الشطر الشمالي القبرصي رمزي إلى حد كبير، إلا أن هذا المنصب له وزن وحضور كبير، والرئيس هو الذي يمثل القبارصة الأتراك في مفاوضات حل النزاع في تلك الجزيرة المتوسطية.

وإرهورمان رجل أكاديمي عمل في السابق في المحاماة وعمل سابقًا في وزارة العدل التركية، وعمل أيضًا في السلك الدبلوماسي في قبرص التركية، كما ترأس مجلس وزراء شمال قبرص، وهو الزعيم الحالي للحزب "الجمهوري التركي" في الجزيرة، وقد شغل منصب رئيس الوزراء بين يناير 2018 ومايو 2019.

 سيناريوهات محتملة 

سيناريو نجاح مشروع أرهورمان: عبر محادثات برعاية الأمم المتحدة وتطبيق تدابير ثقة متبادلة كفتح معابر إضافية وبدء مشاريع مشتركة في الصحة والطاقة، وتعاون قانوني بين شطري الجزيرة حول الممتلكات، بينما تتجاوب أنقرة مع هذه العملية مقابل ضمانات لمصالحها الاستراتيجية، مما يقود إلى مسار تفاوضي متدرّج يحقق مكاسب ملموسة ويعزّز اقتصاد الشطر الشمالي ويقلّص عزلة المجتمع التركي القبرصي، إذ يسعى أرهورمان لإحداث اختراق في الموقف القبرصي الشمالي، إذ كان سلفه أرسين تتار منذ توليه الرئاسة عام 2020، يرفض المفاوضات القائمة على الاتحاد مع الشطر اليوناني الجنوبي، ويتبنى موقف أنقرة الداعي إلى حل الدولتين، وهو ما يريد طوفان الانقلاب عليه، والانتصار للنموذج الفيدرالي.

سيناريو النجاح المحدود: عبر محادثات تُستأنف لكن تتعثر عند القضايا الأساسية كالضمانات العسكرية ونمط الحكومة المشتركة، بينما تمارس أنقرة ضغوطًا لتعديل حدود التنازلات، والحفاظ على نفوذها في شمال الجزيرة، ووفق هذا السيناريو يمكن تحقيق تقدم محدود على بعض الملفات التقنية والاقتصادية، لكن يبقى ملف الطاقة في شرق المتوسط من الملفات الحساسة جدا، فأي تسوية قد تتضمن ترتيبات حول حقوق التنقيب في المياه قد يترتب عليها نجاح العملية التفاوضية من عدمه.

سيناريو الفشل: في حال رفضت أنقرة خطوات تعبّر عن استقلالية واسعة أو تشعر بأن مصالحها مهددة فتعاود دعم قوى محلية مناهضة لإرهورمان، خاصة وأن قدرة الرئيس في قبرص التركية محدودّة دون دعم مؤسساتي، أو تعنتت اليونان في مواقفها، مما يعيد التوتر ويُبقي الجزيرة مقسّمة بلا حراك طويل الأمد.

 

ختامًا:

رغم ما يكتنفه فوز إرهورمان من تحديات، يحمل فرصًا حقيقية لمفاوضات السلام، لكنه لا يضمن حلّاً نهائيًا، فالنجاح يتطلب تنسيقًا دقيقًا بين إرادة داخلية لدى الشطر الشمالي، مرونة دبلوماسية من الجانب اليوناني القبرصي، وقرارًا عمليًّا من أنقرة بعدم استئناف سياسة الضغط المباشر. في غياب ذلك، سيبقى الوضع عرضة للتبدّل بين آمال تجدد التفاوض وجمود يعود ليفرض نفسه بفعل مصالح إقليمية متداخلة.

إسلام جمال*

 باحث دكتوراة متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء