رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إيران تنضم لاتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب.. مناورة سياسية أم تحوّل استراتيجي ؟

الرئيس الإيراني مسعود
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان

بعد سنوات من الإحجام، أقدمت إيران على الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب، وذلك بعدما أصدر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قانون انضمام جمهورية إيران الإسلامية إلى الاتفاقية، بعد الموافقة عليه في جلسة علنية لمجلس الشورى الإسلامي، حيث أبلغ محمد باقر قاليباف، رئيس المجلس، الرئيس الإيراني بقانون انضمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب (CFT)، استنادًا إلى المادة 123 من الدستور الإيراني.

وجاءت موافقة مجلس الشورى على انضمام إيران إلى الاتفاقية بعد موافقة مجلس تشخيص مصلحة النظام المشروطة، وذلك مطلع الشهر الجاري، وتتضمن شروط الانضمام إلى الاتفاقية شرطًا أدرجه البرلمان ينص على أن إيران ستلتزم بهذه الاتفاقية في إطار الدستور، كما أضاف مجلس تشخيص مصلحة النظام شرطًا آخر ينص على أن إيران ستلتزم بالاتفاقية في إطار دستورها وقوانينها الداخلية.

المرشد الإيراني
المرشد الإيراني

ما هي الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب؟

تعرف الاتفاقية رسميًا بـ"قمع تمويل الإرهاب" (CFT)، وقد اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1999، وتُجرّم جمع أو توفير أموال لتمويل أنشطة إرهابية، ودخلت حيز التنفيذ في أبريل 2002، وتُلزم الدول الأطراف إما بمقاضاة أو تسليم الأشخاص المتهمين بتمويل الأنشطة الإرهابية، كما تُلزم البنوك باتخاذ تدابير لتحديد المعاملات المشبوهة.

وتنص الفقرة الأولى من المادة الثانية على أنه: "يرتكب جريمة بمقتضى هذه الاتفاقية كل من قام بأية وسيلة مباشرة أو غير مباشرة، وبصورة غير مشروعة وعن علم، بتوفير أو جمع أموال بقصد استخدامها أو مع العلم بأنها ستُستخدم كليًا أو جزئيًا من أجل القيام بأي عمل يشكل جريمة."

كما تتيح الاتفاقية في المادة الثامنة منها للدول الأطراف مصادرة وتجميد أي أموال مخصصة للأعمال الإرهابية، إذ تنص المادة على: “تتخذ كل دولة طرف التدابير المناسبة لتحديد وكشف وتجميد أو ضبط أي أموال مستخدمة أو مخصصة لارتكاب الجرائم الواردة في المادة (2)، وكذلك عائدات هذه الجرائم، وللمصادرة في نهاية المطاف".

 

وتوفر الاتفاقية التعاون الدولي في مواجهة جرائم الإرهاب، حيث تنص المادة (11) على أن الجرائم المنصوص عليها في المادة (2) جرائم موجبة للتسليم في أي معاهدة قائمة بين الدول الأطراف، وتتعهد الدول الأطراف بإدراج هذه الجرائم ضمن الجرائم الموجبة للتسليم في أية معاهدة تسليم تُبرم فيما بينها مستقبلًا.

ويتضح من خلال المواد الرئيسية في الاتفاقية أنها تتضمن إجراءات وأدوات قانونية لمواجهة الإرهاب، خاصة الجانب التمويلي أو الدعم المادي للتنظيمات والحركات الإرهابية، مما يمثل أداة فعالة إلى جانب الأداة العسكرية في مواجهة الإرهاب، خاصة إذا كانت الاتفاقية تكافح أيضًا عمليات المصارف السرية التي قد تُوجَّه لصالح عمليات إرهابية.

وفي وقت سابق، أرجعت إيران تأخرها في الانضمام إلى الاتفاقية إلى اعتبارات أمنية وسياسية، حيث وضعت مشروع الانضمام على جدول أعمالها عام 2018، لكن مشروع القرار اصطدم بمعارضة داخلية شرسة، وهو الأمر الذي تكرر مع القرار الأخير، لكن لم يتم وضعه في الحسبان.

دلالات التوقيت

يأتي إصدار قانون الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب (CFT) في الوقت الذي تعاني فيه إيران من عزلة دولية، خاصة بعد إقدام دول الترويكا الأوروبية (فرنسا – ألمانيا – بريطانيا) على تطبيق آلية الزناد "سناب باك"، التي تقضي بإعادة العقوبات الأممية التي تم رفعها في عام 2015 بموجب الاتفاق النووي.

ويبدو أن الموافقة الإيرانية على الانضمام إلى الاتفاقية تهدف إلى إثبات المساعي الإيرانية للاندماج مع المجتمع الدولي واستعدادها للالتزام بالمقتضيات التي تضمن الأمن والسلم الدوليين، وذلك بعد سنوات من رفض أو تجميد هذه الخطوة. لكن في ظل الضغوط التي تُمارَس ضدها الآن، تبحث إيران عن أي فرصة لتخفيف هذه الضغوط وتفويت الفرصة على أي طرف لفرض مزيد من العقوبات.

ما يعزز هذه الفرضية هو الرفض الإيراني السابق للاتفاقية؛ ففي يناير عام 2020 أعلن أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام أن الوقت لدراسة لائحتي الانضمام إلى معاهدة مكافحة تمويل الإرهاب (CFT) ومعاهدة باليرمو قد انقضى، وأن رأي مجلس صيانة الدستور هو المعيار في هذا الموضوع، وأن الحكومة والبرلمان بصدد متابعة القضايا عبر طرق أخرى، والحصول على إذن لإعادة الدراسة في مجمع تشخيص مصلحة النظام.

البرلمان الإيراني
البرلمان الإيراني

وكان تبرير الرفض وقتها من جانب محسن رضائي أن الانضمام إلى الاتفاقية قد يعرقل قدرة إيران على الالتفاف على الخطر، معتبرًا أنه في ظل الظروف التي تمر بها إيران استخدمت أمريكا كل قواها للمواجهة، وعلينا في المقابل أن نستخدم كل قوانا، حتى إنهم كانوا يريدون أن نلتحق بمجموعة العمل المالي الدولية (FATF) لئلا نتمكن من الالتفاف على الحظر، معتبرًا أن إيران نفذت العديد من توصيات FATF، وبما أنها لم تقم بشيء في المقابل، فإن مجمع تشخيص مصلحة النظام فقد ثقته بها.

دوافع قرار الانضمام إلى الاتفاقية

قوبل قرار الانضمام إلى الاتفاقية بموجة معارضة حادة داخل البرلمان الإيراني، حيث تقدم عدد من النواب بطلب "عاجل" يلزم الحكومة بعدم تسليم وثائق قبول الانضمام إلى الاتفاقية. ويرى المعارضون أن الموافقة على الانضمام قد تشجع أطرافًا غربية على ممارسة "الضغوط القصوى" على البلاد. إلا أن الحكومة والبرلمان تجاهلا هذه الاعتراضات، كما تم رفض الطلب البرلماني، ما يؤشر على وجود دوافع اضطرت إيران إلى اتخاذ قرارها، وتتمثل هذه الدوافع في:

أولًا: الخروج من العزلة الدولية التي تتزايد بعد تفعيل آلية الزناد "سناب باك"، والتي بموجبها ستعود جميع العقوبات الأممية التي تم رفعها في 2015 بموجب الاتفاق النووي، وهو ما سيعرضها لمزيد من القيود الدولية.

ثانيًا: تعطيل سياسة "الضغوط القصوى" وتفويت الفرص على فرض مزيد من العقوبات في ظل الأزمة المالية الطاحنة التي تعاني منها، وربما ترى الحكومة الإيرانية أن هذه الخطوة قد تمثل بداية للخروج من الأزمة المالية أو تقليل أثرها.

ثالثًا: تحسين المبادلات المالية والاقتصاد الداخلي، في ظل إحجام العديد من المؤسسات المالية والبنوك الدولية عن التعامل مع إيران، ما يمثل عائقًا أمام الاقتصاد الذي يعاني من أزمات متعددة.

رابعًا: إنعاش القطاعات الحيوية، خاصة النفط والطاقة، ورفع القيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية في هذه القطاعات نظرًا لاستمرار إيران في "القائمة السوداء".

ختامًا:

رغم الموافقة الإيرانية على الانضمام إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT)، إلا أن هذا الانضمام جاء مشروطًا ومقيدًا بالدستور والقوانين الداخلية الإيرانية، ما يعني أن هذا الانضمام قد يكون شكليًا في ظل السعي لتجاوز مرحلة "الضغوط القصوى" التي تمر بها إيران في الوقت الراهن.

وتعتبر إيران الشرطين اللذين أقرهما البرلمان ومجمع تشخيص مصلحة النظام بمثابة "ضمانة"، وبناءً عليه، فإنه إذا تعارض أي من أحكام هذه الاتفاقية مع القوانين الداخلية للجمهورية الإسلامية، فإن القوانين الداخلية هي المعيار المعتمد. ولذلك وافق مجمع تشخيص مصلحة النظام على انضمام إيران إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب بهذين الشرطين، وهو ما أكده محمد دهنوي، المتحدث باسم مجلس الشورى.

وقد تكون المناورة الإيرانية في ربط الموافقة بالقوانين الداخلية والدستور من باب الإبقاء على الدعم المقدم للوكلاء في "محور المقاومة"، خاصة في ظل المعارضة الداخلية التي ترى أن الانضمام إلى الاتفاقية قد يعرقل التزامات إيران تجاه هذا المحور، وهو الأمر الذي لن تقدم عليه إيران لعدم فقدان أهم أوراقها.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء