رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لبنان في مواجهة الهيمنة الإيرانية.. الدولة تستعيد قرارها من قبضة حزب الله

الرئيس اللبناني جوزيف
الرئيس اللبناني جوزيف عون- أريفية

تشهد العلاقات بين إيران ولبنان على المستوى الرسمي تحوّلًا لافتًا على عدة مستويات، ويتجه الخطاب الرسمي اللبناني إلى تعزيز الاستقلال عن القرار الإيراني، وترسيخ مفهوم الدولة بعد سنوات من تدخلات طهران وهيمنتها على القرار السياسي من خلال نفوذ "حزب الله" وتأثيره على علاقات لبنان الخارجية، وخاصة الإقليمية، وسط مساعٍ من الدولة اللبنانية إلى إنهاء ابتلاع الحزب لسيادة الدولة.

وضعت الحكومة اللبنانية حدودًا جديدة لعلاقتها مع إيران، تمثلت في إبلاغ الرئيس اللبناني جوزيف عون، علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أثناء زيارة الأخير للبنان، بأن لبنان يرفض أي تدخل في شؤونه الداخلية من أي طرف، مشددًا على أن رفض أي تدخل في شؤون لبنان الداخلية من أي جهة ضرورة وطنية، وأن تبقى الساحة اللبنانية آمنة ومستقرة لما فيه مصلحة جميع اللبنانيين من دون تمييز.

سلاح حزب الله - أرشيفية
سلاح حزب الله - أرشيفية

وبدا التحرك الرسمي اللبناني من خلال التأكيد على حصر السلاح بيد الدولة ونزعه من "حزب الله"، وأن يكون قرار الحرب بيد الدولة وحدها، وهو الأمر الذي يرفضه الحزب ويصر على الاحتفاظ بسلاحه، بدعم من إيران التي لا تزال ترى في الحزب "جبهة دفاع متقدمة". ويمكن رصد الاتجاه الرسمي لتقويض النفوذ الإيراني من خلال عدة مظاهر تتمثل في:

أولًا: نزع سلاح حزب الله

تعتبر الحكومة اللبنانية بقيادة نواف سلام أن نزع سلاح حزب الله اللبناني، وحصر السلاح بيد الدولة عبر "خطة درع الوطن"، يمثل أولى خطوات الاستقلال اللبناني عن القرار الإيراني. وقد وضعت الحكومة اللبنانية خطة تتكون من خمس مراحل للوصول إلى إنهاء تسليح حزب الله، وحصر السلاح بيد الأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية، وذلك وفقًا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه في نوفمبر الماضي.

ووفقًا للخطة التي عرضها قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل على مجلس الوزراء، فإن المرحلة الأولى تمتد إلى نهاية نوفمبر 2025، ومن المفترض أن تنتهي هذه المرحلة بنزع السلاح بشكل نهائي جنوب نهر الليطاني، على أن تتضمن مظاهر نزع السلاح كل ما يتعلق بالمقاتلين والمخازن وأي مظاهر مسلحة، مع تشديد الإجراءات الأمنية وتعزيز الحواجز.

ومن المخطط أن تشمل المراحل الأربع التالية بقية الأراضي اللبنانية، لكن لم توضع خطط زمنية لهذه المراحل، وهو ما أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام موافقة الحكومة عليه، مؤكدًا أنه لا تراجع عن هذه القرارات، مشددًا في الوقت نفسه على أنه بالتزامن مع تنفيذ الخطة ينبغي دعم الجيش اللبناني لتنفيذ المهام الملقاة على عاتقه.

لكن هذه الخطوة من جانب الحكومة اللبنانية تأتي وسط رفض من جانب الحزب لتسليم السلاح، وهو ما أعلنه الحزب خلال اجتماعات مع موفدي رئيس الجمهورية جوزيف عون، وهو الأمر الذي يمثل عقبة كبيرة أمام الحكومة اللبنانية في تنفيذ خطتها لنزع السلاح وتحقيق سيادة الدولة بشكل كامل، ليصبح ملف سلاح حزب الله الاختبار الأصعب أمام الحكومة لتحقيق استقلال القرار اللبناني.

ويبدو رفض حزب الله لخطة الحكومة اللبنانية مدعومًا بشدة من جانب إيران، التي أعلنت رفضها لخطة نزع سلاح الحزب، وهو ما بدا من خلال تصريحات علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، الذي قال إن "الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعارض بالتأكيد نزع سلاح حزب الله، لأنها ساعدت على الدوام الشعب اللبناني والمقاومة، وما زالت تفعل ذلك".

واعتبر ولايتي أيضًا أن خطوة الحكومة اللبنانية "مؤامرة على المقاومة"، قائلًا: "المقاومة ستصمد في مواجهة هذه المؤامرات، ليست المرة الأولى التي تُطرح فيها مثل هذه الأفكار في لبنان، لكنها كما فشلت سابقًا ستفشل هذه المرة أيضًا". وهو ما توافق مع تصريحات الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، الذي أكد أن سلاح الحزب هو "روحه وشرفه"، رافضًا أي مسعى لتسليمه أو وضعه تحت سلطة الدولة، متهمًا الحكومة باتباع إملاءات إسرائيلية وأمريكية، ما يشير إلى مدى التوافق بين الحزب وإيران في إجهاض خطة الحكومة.

وتسببت تصريحات ولايتي في غضب رسمي لبناني، حيث أدانت وزارة الخارجية اللبنانية تصريحاته باعتبارها تمثل تدخلًا سافرًا وغير مقبول في الشؤون الداخلية اللبنانية، معتبرة أن هذا التدخل ليس الأول من نوعه، فقد تجاوز بعض كبار المسؤولين الإيرانيين مرارًا حدودهم بالإدلاء بتصريحات غير مبررة بشأن قرارات داخلية لبنانية لا تعني الجمهورية الإسلامية. وأكدت الوزارة أن الدولة اللبنانية لن تتسامح مع هذا السلوك غير المقبول تحت أي ظرف من الظروف.

المرشد الإيراني -أرشيفية
المرشد الإيراني -أرشيفية

ثانيًا: استقلال المؤسسات اللبنانية

تشمل مساعي الحكومة اللبنانية لاستقلال القرار الرسمي وتقويض النفوذ الإيراني، خطوات باتجاه استقلال المؤسسات اللبنانية وحمايتها من أي تدخلات خارجية أو ضغوط من جانب أي طرف، خاصة وأن النفوذ الإيراني مرتبط بنفوذ حزب الله داخل المؤسسات، والتخلص من التبعية والهيمنة الإيرانية يتطلب القضاء على أي مظاهر لهذه السيطرة أو الضغوط التي قد تُمارَس عليها.

وتأتي المؤسسات المالية في مقدمة هذه المؤسسات التي تسعى الدولة اللبنانية إلى تحقيق استقلالها وتحررها من أي هيمنة إيرانية قد تتمثل في التعامل مع حزب الله، وذلك بعدما أصدر مصرف لبنان المركزي تعميمًا يحظر على البنوك وشركات الوساطة التعامل مع مؤسسة "القرض الحسن"، وهي مؤسسة مالية تابعة لحزب الله. ويأتي قرار المصرف المركزي ضمن ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد الظل".

وتعمل مؤسسة "القرض الحسن" كمنظمة غير ربحية بموجب ترخيص حكومي، ولديها أكثر من 30 فرعًا، معظمها في المناطق ذات الأغلبية الشيعية في بيروت وجنوب لبنان وسهل البقاع. وقد فرضت عليها وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عام 2007، قائلة إن حزب الله استخدمها كغطاء لإدارة أنشطته المالية والوصول إلى النظام المالي الدولي.

وتسعى الحكومة اللبنانية إلى تحصين المؤسسات المالية ضد أي أنشطة مشبوهة قد تخدم أجندات خارجية، حيث أقرّ مجلس النواب قانون السرية المصرفية، الذي يقضي برفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد لصالح مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمدققين أو المقيمين المستقلين المعينين رسميًا من قبل هذه الهيئات، مما يمكّن السلطات من الوصول إلى المعلومات، بما في ذلك أسماء العملاء وتفاصيل الودائع، والقدرة على النظر في أي نشاط مشبوه محتمل.

وتأتي مؤسسة القضاء أيضًا ضمن المساعي الحكومية لتحقيق استقلال المؤسسات من أي هيمنة أو نفوذ خارجي، وهو ما أكده وزير العدل عادل نصار، مشددًا على أن استقلال القضاء يظل من الأولويات الأساسية في عهده، وضرورة حماية القضاء من التدخلات السياسية والضغوط الخارجية. ونفى نصار تعرضه لأي ضغوط أو تدخلات سياسية في ما يتعلق بالتعيينات القضائية، مؤكدًا ثقته برئيس الجمهورية جوزف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود.

نعيم قاسم- الأمين العام لحزب الله في لبنان 
نعيم قاسم- الأمين العام لحزب الله في لبنان 

ثالثًا: رفض المنح والمساعدات الإيرانية

إدراكًا من الحكومة اللبنانية بأن المنح والمساعدات المالية قد تكون أحد أدوات النفوذ أو التأثير على القرار السياسي، اتجهت السلطات الرسمية في لبنان إلى رفض أي منح أو مساعدات من جانب إيران، وذلك ضمن خطة الحكومة لتحرير القرار اللبناني من الهيمنة الإيرانية، وإرسال رسائل إلى طهران بأن لبنان لن يقبل بأي نوع من أنواع التدخلات.

وقد تمثل هذا التوجه في رفض الحكومة اللبنانية منحة مالية من إيران، حيث صرح السفير الإيراني في لبنان، مجتبى أماني، بأن الحكومة اللبنانية رفضت منحة مالية بقيمة 60 مليون دولار كانت مقدمة من طهران. وأوضح أماني أن المسؤولين اللبنانيين برروا رفضهم بأن هذه المساعدات تقع ضمن نطاق العقوبات الدولية المفروضة على إيران.

ورغم تبرير رفض الحكومة اللبنانية للمنحة الإيرانية بمسألة العقوبات المفروضة على إيران، إلا أن ذلك يأتي في إطار المسار الجديد الذي تتبعه الحكومة اللبنانية بقطع الطريق أمام أي مسببات للتدخل الإيراني في الشؤون الداخلية اللبنانية وما يتبعه من نفوذ أو هيمنة.

ختامًا:

يعتمد المسار الرسمي في لبنان على خطوات فعالة ومتتابعة لاستعادة الدولة من خلال الإصلاح المؤسسي، وذلك عبر خطة أعلنها رئيس مجلس الوزراء نواف سلام لإدارة مؤسسات الدولة بطريقة مؤسسية، وضخ دماء جديدة عملًا بمعايير الأولوية والتنافس وتكافؤ الفرص، وغياب تضارب المصالح، والشفافية، والمساءلة، بعيدًا عن خدمة الطوائف الدينية أو السياسيين.

هذه الرؤية من جانب الحكومة اللبنانية تسعى إلى تقويض نفوذ أي جهات فاعلة مدعومة من الخارج أو تتبنى أجندة خارجية، وإنهاء الهيمنة الإيرانية من خلال ذراعها الأقوى المتمثل في "حزب الله"، وهو الأمر الذي يحتاج إلى دعم للحكومة الجديدة في ظل تمسك "حزب الله" بنفوذه، وتمسك إيران باستمرار الهيمنة.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء