رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تكتيكات التجنيد العصري.. من الشبكات الرقمية إلى الهندسة النفسية

التجنيد والاستقطاب
التجنيد والاستقطاب الكترونيًا- أرشيفية

لم يعد التجنيد الفكري والأيديولوجي عملًا تنظيميًا تقليديًا كما كان في بدايات القرن العشرين، حين اعتمدت جماعة الإخوان على حلقات المساجد والدروس العامة لصناعة قواعدها التنظيمية، ففي ظل التحول الرقمي، بات التجنيد عملية نفسية وإدراكية مركّبة، تستند على الدعم الاجتماعي وبناء الانتماء الافتراضي، قبل الانتقال إلى مرحلة الانتماء العقائدي والتنظيمي.

شهدت العقود الأخيرة ثورة في أدوات الاستقطاب والتجنيد، وأصبح العالم الافتراضي الإلكتروني ساحة التجنيد الأولى للجماعات الأصولية على اختلاف توجهاتها ومشاربها؛ من الإخوان مرورًا بالتيارات السلفية التقليدية، وانتهاء بتنظيمات السلفية الجهادية المسلحة مثل "داعش" و"القاعدة" التي استثمرت التكنولوجيا لتجنيد اتباعها.

من التلقين إلى الإغراء الاجتماعي

في بداياتها، ارتكزت أساليب الاستقطاب والتجنيد لدى جماعة الإخوان على فكرة "الصحبة الصالحة" و"البيعة الروحية" انتهاء بـ "البيعة التنظيمية"، من خلال شبكة قواعدها ولجانها التي تستهدف احتواء الفرد وتشكيل وعيه تدريجيًا. كانت العملية تعتمد على الترغيب الناعم في فكرة الجماعة بوصفها "الفئة المؤمنة"، التي تعمل على أسلمة المجتمع، بجانب التكريس لمفهوم المسؤولية والمشاركة في "مشروع الإصلاح الإسلامي العالمي"، أو "استاذية العالم" التي طرحها مؤسس الجماعة حسن البنا، ومن ثم "إقامة دولة الخلافة".

أحد طرق تجنيد المراهقين 
أحد طرق تجنيد المراهقين 

لكن مع الانغلاق التنظيمي والضغوط الأمنية، تطورت هذه الأساليب لتتبنى مفهوم "الإغراء والدعم الاجتماعي"، عبر تقديم الجماعة كمجتمع بديل أو دولة موازية تمنح العناصر المستهدفة الاحتواء والتكافل المادي والمعنوي، خاصة بين الشباب الذين عانوا حالة من التهميش والاغتراب داخل المجتمع في ظل تراجع دور الحكومة ومؤسساتها خلال العهود النظامية السابقة. 

التحول في عمليات الاستقطاب والتجنيد لم يكن مقتصرًا على جماعة الإخوان، بل شمل التيارات السلفية التي استبدلت الخطاب الوعظي التقليدي بخطاب عاطفي يعزف على وتر "الهوية المهددة" و"الدين المستباح"، لتغذية مشاعر الغيرة الدينية وتراجع المسلمين.

الخطاب العاطفي وصناعة الهوية

تقوم عملية التجنيد الحديثة على بناء سردية وجدانية تجعل الفرد يشعر بأنه جزء من قضية كبرى، مرتبطة وملتصقة بفكرة "المؤامرة الغربية على الإسلام"، مع تقديم هذه الجماعات نفسها في طور المظلومية والاضطهاد على اعتبار دورها في "حمل رسالة التنوير والإنقاذ للأمة" من التدهور والانهيار، ومن ثم يتحول الانضمام إلى الجماعة إلى عمل بطولي يمنح المنتمي شعورًا بالجدوى والفخر.

  أتقنت وأجادت جماعة الإخوان هذه اللعبة منذ عقود، عبر تقديم رموزها في صورة "المجاهدين ضد الظلم"، مستخدمين القصص الإنسانية والشهادات العاطفية، بينما الجماعات المحسوبة على السلفية الجهادية فقد نقلت هذا الأسلوب إلى مستوى أعلى؛ إذ قدّمت معاركها باعتبارها ملحمة بين الحق والباطل، وجعلت "الشهادة" أعلى مراتب البطولة الوجودية.

التحول الجوهري يكمن في توظيف الدعاية للترويج للمشروع التنظيمي بعيدًا عن آلية الوعظ والإرشاد، وإنما تحولت إلى فنًّا لإدارة المشاعر تجاه "العاطفة الدينية"، من خلال الصور المؤثرة والمقاطع القصيرة والرموز البصرية التي تبني هوية رقمية بديلة تتغذى على الانفعال وليس على الفكر والأيديولوجية، بهدف التعاطف مع القضية، ثم التحفيز المعنوي، فالتبرير العقائدي، وصولًا إلى الاندماج الكامل في شبكة الولاء والطاعة.

أحد طرق تجنيد المراهقين 
أحد طرق تجنيد المراهقين 

بين الخطاب الوعظي والهندسة النفسية

تستند تكتيكات التجنيد الحديثة إلى مبادئ علم النفس الاجتماعي، وتستهدف الفئات الأكثر هشاشة نفسيًا واجتماعيًا، فلم تعد الجماعات الأصولية في عمليات الاستقطاب والتجنيد تخاطب العقول، بل تعتمد على الاحتياجات الإنسانية مثل، الانتماء، أو البطولة، أو الهوية.

استخدمت جماعة الإخوان هذا النمط عبر النشاط الطلابي والاجتماعي والخيري، بينما استبدلت "داعش" و"القاعدة" النشاط الواقعي بمحتوى بصري مصنوع ومؤثر يضع المتلقي داخل "رواية البطولة"، وفي هذا السياق، ظهر نوع جديد من "الدعاة المؤثرين" الذين يجمعون بين الخطاب الديني والتحفيزي، في اعتماد واضح على لغة التنمية الذاتية والبشرية، لتمهيد المتابع نفسيًا للتجنيد دون وعي كامل بذلك.

الفضاء الرقمي كمنصة تجنيد مفتوحة

مع صعود المنصات الرقمية، تحولت تطبيقات مثل تلجرام وتيك توك و (X) إلى ساحات للتجنيد، وذلك من خلال اعتماد هذه الجماعات الأصولية على الخوارزميات لتحديد الفئات المستهدفة والأكثر قابلية للتأثر، سواء الطبقات المهمشة اجتماعيًا أو الفئات الساخطة سياسيًا.

استخدم تنظيم "داعش" هذا التكتيك بذكاء، بنشر مقاطع عالية الجودة تربط بين الجهاد المسلح والبطولة والتفوق الشخصي، أما الإخوان والتيارات السلفية، تبنّوا خطابًا أكثر نعومة  يعتمد على المواعظ القصيرة والمحتوى العاطفي لخلق بيئة رقمية متعاطفة تُعيد تدوير الفكرة الأيديولوجية في ثوب عصري، في إطار التغلغل في العمق المجتمعي.

إحدى طرق تجنيد الأطفال
إحدى طرق تجنيد الأطفال

هندسة المجتمعات المغلقة وبناء الولاء الرقمي

من أخطر مظاهر التجنيد الحديث ما يُعرف بـ"الولاء الرقمي"، بمعنى انتماء الفرد أو العنصر لجماعة افتراضية دون ارتباط تنظيمي مباشر، لا سيما أن ممثلي هذه الجماعات أنشأوا غرفًا مغلقة عابرة للحدود والقارات على المنصات المشفّرة، يُعاد فيها تشكيل الوعي والفكر عبر الدورات الشرعية والمناقشات الخاصة بالقضية الفقهية وتبادل المحتوى السري، ومن ثم تحول التجنيد إلى "تكييف ذهني" طويل المدى، يجعل الفرد يرى العالم من منظور ورؤية الجماعة دون أن يلتقي أحدًا من أعضائها، وفق ما يعرف بالانتماء الفكري دون الانتماء التنظيمي، ومن ثم يسهل التأثير على سلوكه ودفعه لتنفيذ الأوامر بالعمليات المسلحة، في إطار ما يعرف باستراتيجية "الذئاب المنفردة".

التجنيد الصامت 

ظهر نمط جديد من الاستقطاب يُعرف بـ"التجنيد الصامت"، لا يدعو المتابع للانضمام صراحة إلى التنظيم أو الإيمان بالمنهجية الفكرية، بل يُعيد تشكيل وعيه تدريجيًا عبر المحتوى المطروح، وقد مارس  الإخوان هذا التكتيك من خلال ما سُمّي بـ "المقاومة المعنوية"، إذ يكتفي الخطاب بالتحريض على رفض النظام السياسي القائم، من خلال تشويه صورته وسمعته وبناء جدار من انعدام الثقة مع مؤسسات الدولة، بهدف خلق قاعدة جماهيرية قابلة للتعبئة والحشد، بينما الجماعات المسلحة طورت "التحريض الإلكتروني"، الذي لا يدعو إلى القتال مباشرة، لكنه يزرع الكراهية والعداء الممنهج، تمهيدًا لتبرير العنف لاحقًا.

 

تجنيد الأطفال والمراهقين - أرشيفية
تجنيد الأطفال والمراهقين - أرشيفية

من الجماعة إلى العلامة التجارية

في عصر التطور التكنولوجي أصبحت الجماعات الأصولية تسوّق نفسها كـ"علامة تجارية"، من خلال بناء شعارات أو "أيقونات" عاطفية، أو سياسية أو قتالية، محملة بالمشروع الفكري بهدف صناعة هوية بصرية، مثل شعار "رابعة" وشعارات حركة "حسم"، و"الرايات السوداء" المرتبط بتنظيم "داعش" أو غيرها من "الرموز القتالية" التي تم توظيفها سياسيًا وفكريًا وعقائديًا، للتأثير على العقل الجمعي دون المطالبة بالانتماء التنظيمي، نظرًا لقدرة هذه الشعارات في بناء ذاكرة جماعية قائمة على العاطفة لا الفكر، وتجعل الولاء استجابة شعورية أكثر منه قناعة فكرية.

الإعلام البديل كذراع للتجنيد

أنشأت الجماعات الأصولية منظومات إعلامية موازية تعمل على إعادة إنتاج خطابها وفق استراتيجية الاستقطاب والتجنيد، فيمتلك الإخوان شبكة قنوات ومواقع تبث من الخارج، تروّج لخطاب حقوقي وإنساني مغلف بالأيديولوجية الفكرية والسياسية، بينما استخدم "داعش" و"القاعدة" ما عُرف بـ"الإعلام الجهادي"، لتجنيد المقاتلين عبر أفلام دعائية عالية الجودة تُظهر التنظيم كدولة قوية تمتلك مشروعًا عالميًا، فضلا عن الألعاب الإلكترونية، ومن ثم لم يعد الإعلام هنا لم ناقلًا للرسالة فحسب، بل صانعًا للهوية والانتماء.

 

التجنيد الإلكتروني
التجنيد الإلكتروني

استراتيجيات التحصين

الحرب على التطرف اليوم رقمية أكثر منها ميدانية، وتحتاج إلى مقاربة شاملة تقوم على: "التحصين المعرفي"، من خلال التعليم والتثقيف الإعلامي، لتمكين الشباب من التفرقة بين الديني وبين التوجه الأيديولوجي، بجانب "المواجهة الرقمية"، ببناء محتوى بديل جذاب يقدم الأطر الشرعية في سياق التطور العصري والحديث، فضلا عن ضرورة "التأهيل النفسي والاجتماعي"، بدعم الفئات المهمشة وتوفير بيئة إيجابية تمنع وقوعها في فخ الخطاب المتطرف، مثلما فعلت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة من برامج الحماية الاجتماعية مثل تكافل وكرامة، وحياة كريمة، وتحالف المنظمات الأهلية، لتجفيف منابع هذه الجماعات ووقف تمددها بين الفئات الأكثر احتياجًا في إطار استغلال ثقافة "العوز" .

 معركة  الوعي

تكشف تجارب الإخوان والسلفيين وغيرهم من العناصر الأصولية المتطرفة، أن معركة التجنيد في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُخاض بالسلاح ولا بالمنشورات ولا بالتلقين، وإنما بالعاطفة والرمز والمعنى، حيث تتنافس هذه الجماعات على إعادة تعريف الدين والهوية في العقل الجمعي، فالمعركة الحقيقية ليست بين مؤمن وكافر، بل بين عقل منفتح، ووعي أخر أسير لخرافة الإسلام السياسي والجماعات الأصولية.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء