رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كل الوعود مؤجلة.. “إيجبتك” يحلل 5 سنوات من عمل حكومة مدبولي (ملف)

صورة مولدة بالذكاء
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

خمس سنوات كانت كفيلة بأن تضع حكومة مصطفى مدبولي في مواجهة مرآة الواقع، فبين عامي 2020 و2025، تراكمت القرارات، وتعاقبت الوعود، وامتلأت الملفات بالتصريحات، لكن الصورة النهائية ظلت ضبابية، أيضًا تعددت الوعود بالإصلاح الإداري وتحسين الخدمات، غير أن المواطن المصري لم يلمس تغيرًا جذريًا في معيشته، بل بقيت الأزمات تتكرر وإن تغيّرت وجوهها وأرقامها.

ويضع "إيجبتك" في الملف التالي، الأداء الحكومي في مصر تحت المجهر، من خلال مراجعة دقيقة لأربع وزارات شكلت عصب الدولة ومؤشرًا على مدى فاعلية الجهاز التنفيذي؛ التعليم العالي، التضامن الاجتماعي، الصحة، والتموين، والتي جمع بينها مشاهد متكررة؛ قرارات متأخرة، وملفات مفتوحة بلا نهاية، ووعود مؤجلة تنتظر التنفيذ.

" التعليم العالي" وفوضى القرار

من وزارة التعليم العالي بدأت القصة، حيث بدا أن الوزارة تمضي بخطى متسارعة على الورق نحو التوسع في إنشاء الجامعات الحكومية والأهلية، بينما كانت الأروقة الأكاديمية تئن من فراغ إداري مزمن، وظل مشهد “القائم بالأعمال” عنوانًا لإدارة الجامعات، في ظل تأخر القرارات الخاصة بتعيين القيادات الجامعية.

وبينما كانت الأرقام الرسمية تشير إلى وجود 240 كلية بلا عمداء، و40 معهدًا بلا رؤساء، و80 معهدًا بلا مجالس إدارة، كان الخبراء يحذرون من أن غياب القرار أضعف فاعلية التخطيط الأكاديمي، وخلق فجوة واضحة في الإدارة التعليمية، وتقول مصادر من مجلس الجامعات الأهلية إن التوسع في إنشاء الجامعات الخاصة لم يكن كافيًا لتغيير واقع الإقبال الضعيف من الطلاب، فالرسوم المرتفعة وانعدام الثقة في الاعتراف بسوق العمل جعلا الجامعات الأهلية تواجه تحديًا وجوديًا.

وبحسب بيانات وزارة التعليم العالي، بلغ عدد المقبولين في الجامعات الخاصة والأهلية لعام 2024-2025 نحو 55 ألف طالب فقط، رغم الزيادة في عدد الجامعات إلى 32 جامعة أهلية و128 جامعة إجمالًا في مصر.

وفي مقابل هذه الأرقام، بقيت الكيانات التعليمية الوهمية كابوسًا متجددًا في المحافظات، رغم إعلان الوزارة غلق نحو 500 كيان وهمي، وهو ما جعل أصوات الأساتذة الجامعيين مثل الدكتور محمد كامل من جامعة الوادي الجديد تحذر مرارًا من أن استمرار هذه الكيانات يقوّض الثقة في منظومة التعليم، ويكشف خللاً في الرقابة الرسمية رغم الوعود الحكومية المتكررة بالإصلاح.

مولدة بالذكاء الاصطناعي
مولدة بالذكاء الاصطناعي

حقوق مؤجلة في "التضامن"

ومن التعليم إلى وزارة التضامن الاجتماعي، حيث ينعكس الوجه الاجتماعي للسياسة على الأرض، فهنا، تبدو الوعود أكبر من التنفيذ، والقرارات أبطأ من احتياجات الناس.

قضية العلاوات الخمس كانت شاهدة على هذا البطء؛ فبينما أقرّ القضاء بحق أصحاب المعاشات في الحصول على فروق العلاوات، اتخذت الوزارة نهجًا من المماطلة والتأجيل، تاركة أكثر من 2.4 مليون مستحق في انتظار العدالة، وبالرغم من توجيهات رئاسية عام 2020 بصرف العلاوات، بقيت فئات مثل العاملين في الشركة المصرية للاتصالات خارج الحسابات، بسبب ثغرات قانونية لم تعترف بها الوزارة رغم وضوح المستندات.

20 مارس ..الحكم فى دعوى العلاوات الخمس - جريدة الأهالي المصرية
أرشيفية

وفي عام 2024، طرح النائب إيهاب منصور القضية داخل البرلمان، موضحًا بالأرقام أن العلاوات لم تُضم فعليًا إلى الأجر الأساسي كما زعمت الشركة، وهو ما أثبتته مستندات رسمية وأحكام قضائية سابقة، لكن رد وزارة التضامن ظل غائبًا، والصمت الرسمي كان سيد الموقف.

وفي موازاة ملف العلاوات، ظهر برنامج تكافل وكرامة كعنوان آخر للغموض، فمنذ انطلاقه قبل أكثر من عقد، تصدر البيانات المتضاربة حول أعداد المستفيدين، فبينما أعلنت الوزارة عام 2020 أن عددهم بلغ 3.8 مليون مواطن، ارتفع الرقم في 2025 إلى 4.7 مليون، إلا أن مراجعة البيانات السنوية كشفت فجوة مقدارها 230 ألف حالة غير مفسّرة، ما أثار تساؤلات حول مصداقية الإحصاءات وشفافية الوزارة.

وعلى الأرض، يواجه المواطنون طوابير طويلة أمام مكاتب الشكاوى، ومعاشات تُقطع دون إنذار، وزيادات لا تتجاوز 200 جنيه سنويًا لا تكفي لسد فجوات الأسعار المتصاعدة ثلاث مرات في العام، وفي هذا المشهد الاجتماعي، بدت وزارة التضامن وكأنها تغلق أبوابها أمام الحقوق، بينما يُترك المواطن البسيط عالقًا بين البيروقراطية والتجاهل.

صحيفة الدستور المصرية | كيفية تحديث بيانات مستفيدي معاش تكافل وكرامة لضمان  الاستمرار في الصرف
أرشيفية

خصخصة مقنّعة في أروقة "الصحة"

أما وزارة الصحة، فقد كانت على مدار السنوات الخمس الماضية ساحة تتقاطع فيها القرارات الحكومية والأزمات الصحية، من جائحة كورونا إلى مشروع التأمين الصحي الشامل، بدت الوزارة في حالة حركة دائمة، لكنها لم تنجُ من الاختبارات الصعبة التي كشفت هشاشة البنية الصحية.

نستهل بأزمة قوائم الانتظار التي بدأت عام 2018، والتي استمرت رغم مبادرة «إنهاء قوائم الانتظار» التي أطلقتها الرئاسة، ورغم ما أُنجز من 450 ألف حالة جراحية بتكلفة تجاوزت 7.3 مليار جنيه، إلا أن التكدس لم ينتهِ، وتكررت الشكاوى من طول فترات الانتظار ونقص الإمكانات.

ثم جاءت أزمة نقص الأدوية لتعيد النقاش حول جدوى الإصلاحات، فمنذ منتصف عام 2024، عادت شكاوى المرضى من اختفاء أصناف أساسية، رغم تصريحات هيئة الدواء المصرية بتوافر المخزون الكافي، وتدخل النائب أيمن أبو العلا مطالبًا بقرارات عاجلة، محذرًا من أن عجز الحكومة عن ضبط السوق يهدد حياة المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة الذين لا يحتملون تأخير جرعاتهم.

قانون "خصخصة المستشفيات الحكومية" يدخل حيز التنفيذ في مصر | اندبندنت عربية
أرشيفية

وفي عام 2024 أيضًا، فُتح باب الجدل على مصراعيه حين بدأت الحكومة تنفيذ قانون خصخصة المستشفيات، المعروف بـ«قانون تأجير المستشفيات»، ولعل أبرز مثال لتطبيق هذا القانون كان إسناد إدارة مستشفى هرمل جوستاف روسيه إلى القطاع الخاص.

الوزارة بررت القرار بأنه جذب للاستثمار وتحسين للخدمة، لكن النقابة العامة للأطباء حذّرت من أن الخطوة قد تخرج 30% من الأسرة المجانية من الخدمة العامة، وتحوّل العلاج إلى سلعة في سوق تنافس فيه القدرة على الدفع.

ولم يتوقف الجدل عند الخصخصة، ففي منتصف عام 2025 أعلنت وزارة الصحة نيتها تأجير العيادات الخارجية في ثلاثة مستشفيات حكومية للأطباء الشباب، ما أثار انقسامًا واسعًا، فالمتحدث باسم الوزارة الدكتور حسام عبد الغفار قال إن الهدف دعم الأطباء وتوسيع الخدمة، بينما رأى نقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي أن القرار خطوة نحو خصخصة تدريجية تهمّش دور الدولة في الرعاية الصحية.

وبينما كانت الحكومة تؤكد أن هذه القرارات تعزز جودة الخدمات، كان المواطن المصري يواجه واقعًا مغايرًا؛ نقص في الأدوية، وتكدس في المستشفيات، وتراجع في مستوى الخدمة العامة.

أزمة نقص أدوية الأورام منتصف 2025 كانت المثال الأوضح، إذ تصاعدت الشكاوى من نفاد أدوية السرطان في المستشفيات الحكومية، مما دفع النائبة سلمى مراد إلى توجيه سؤال عاجل لرئيس الوزراء ووزير الصحة حول مسؤولية هيئة الشراء الموحد عن تأخير التوريد، ووقتها أعلنت الوزارة المتابعة اليومية للأزمة، لكن المرضى بقوا بلا علاج كافٍ، في اختبار قاسٍ لقدرة الحكومة على حماية حق العلاج المجاني.

مولدة بالذكاء الاصطناعي
مولدة بالذكاء الاصطناعي

دعم "التموين" يتهاوى

وفي خضم تلك الأزمات الصحية، جاءت وزارة التموين والتجارة الداخلية لتُكمل الصورة بمزيج من النجاحات المحدودة والتحديات المتكررة، فمنذ تولي الدكتور شريف فاروق حقيبة الوزارة في يوليو 2024، بدا واضحًا أن التموين تقف على خط رفيع بين الاستقرار الغذائي وتذبذب الأسعار.

فمن جهة، أعلنت الوزارة تأمين مخزون استراتيجي من السلع الأساسية يكفي لأكثر من ستة أشهر رغم الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما اعتُبر إنجازًا في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، لكن في المقابل، واجهت الأسواق المصرية موجات متكررة من التلاعب في الأسعار وغياب الرقابة الفعالة، لتبقى الأسعار في السوق الحر مرتفعة رغم الحملات التموينية.

وطرح الوزير فكرة التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، معتبرًا أن المنظومة الحالية تعاني من "تشوهات"، وأن الإصلاح قادم، لكن التحول إلى الدعم النقدي أثار مخاوف ملايين المواطنين الذين يخشون أن يتحول الدعم إلى عبء جديد مع كل موجة تضخم، خاصة في ظل ما يشهده الاقتصاد المصري من أزمات سعر الصرف وارتفاع تكلفة المعيشة.

أرشيفية
أرشيفية

ورغم تأكيد الوزير على أن الأسعار في بطاقات التموين لن تتغير، شهدت منصات التواصل الاجتماعي شكاوى متكررة من تراجع جودة السلع التموينية وتأخر صرف الحصص، إضافة إلى بطء الخدمات الإلكترونية في بوابة مصر الرقمية، وتلك الأعطال المتكررة في النظام الإلكتروني دفعت المواطنين إلى العودة للمكاتب الورقية، في مشهد بدا وكأنه تراجع عن وعود التحول الرقمي والإصلاح الإداري.

في الوقت نفسه، واجهت الوزارة أزمات متكررة في منظومة الخبز المدعم، سواء بنقص الدقيق أو توقف المخابز لعدم صرف الحصص في مواعيدها، ورغم إعلان الوزير أن سعر رغيف الخبز سيبقى ثابتًا عند 20 قرشًا، فإن شكاوى المواطنين من طوابير الأفران وتكدس البطاقات التموينية كشفت عن خلل في التنفيذ الميداني.

500 جنيه دعمًا إضافيًا على بطاقة التموين.. آخر موعد للصرف - عالم المال
أرشيفية

من جهة أخرى، سعت الوزارة إلى تخفيف الأعباء بإطلاق المجمعات الاستهلاكية وقوافل الخير، لكن الفجوة بين الأسواق الحرة والمنافذ التموينية بقيت واسعة، خاصة مع استمرار التلاعب في الأسعار وظهور سلع منتهية الصلاحية في بعض المناطق.

خمس سنوات من الأداء الحكومي بدت وكأنها توازن دقيق بين الوعود والأزمات، ففي كل وزارة تكررت المفارقة نفسها؛ مشاريع تُعلن بالأرقام، وخطط تُعرض في المؤتمرات، وواقع لا يتبدل بالسرعة الموعودة، فالحكومة تتحدث عن الإصلاح الإداري والرقمنة ومحاربة الفساد، لكن البيروقراطية ظلت حائطًا صلبًا أمام التنفيذ، بين التعليم الذي يعاني فراغًا إداريًا، والتضامن الذي يؤجل الحقوق، والصحة التي تفتح أبوابها أمام الخصخصة، والتموين الذي يراوح بين الدعم والتقشف، تبدو حكومة مصطفى مدبولي وكأنها تدور في دائرة مغلقة من القرارات المتعثرة والوعود المؤجلة.

في نهاية المشهد، يبقى السؤال معلّقًا كما بدأ: هل كانت تلك السنوات الخمس مرحلة انتقال نحو إصلاح حقيقي، أم محطة جديدة في تاريخ ممتد من إدارة الأزمات؟ والإجابة، حتى الآن، ما زالت حبيسة الملفات التي لم تُغلق بعد.

حكومة مصر الجديدة تضع برنامج عمل "يشمل 4 محاور أساسية" | سكاي نيوز عربية
أرشيفية
تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء