رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هاني عبد العزيز يرد على السؤال الصعب.. كيف نحافظ على التراث الشعبي؟

هاني عبد العزيز الكاتب
هاني عبد العزيز الكاتب وباحث في التاريخ والتراث

قال هاني عبد العزيز؛ الكاتب وباحث في التاريخ والتراث، إن للتراث سحرًا خاصًا، فهو الذي يشكّل ملامح الوجدان الشعبي، ويمنحنا الإحساس بالانتماء والهوية، إذ إنه الجسر الحي الذي يصل الماضي بالحاضر، ويعيد الإنسان إلى جذوره الضاربة في عمق التاريخ.

 

وأوضح عبد العزيز، في تصريح خاص لـ"إيجبتك"، أن الفنون الشعبية ليست مجرد أداءٍ فني، بل هي تعبير عن هويةٍ وطنيةٍ عميقة، وعن وعيٍ جمعي تشكّل عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والمكان. فهي مرآة المجتمع التي تعكس عاداته وتقاليده ومعتقداته.

 

هل يوجد من يوثق هذا التراث؟

 

ولفت إلى أنه على المستوى الرسمي، تقوم الدولة ممثَّلة في الهيئة العامة لقصور الثقافة، والإدارة المركزية للفنون الشعبية بالوزارة بدورٍ مشهود في الحفاظ على التراث الشعبي وإحيائه، من خلال تنظيم العديد من المهرجانات والفعاليات التي تحتفي بالفنون الشعبية في ربوع مصر كافة.

 

فعاليات الحفاظ على التراث الشعبي
 

وأضاف عبد العزيز، أن من أبرز الفعاليات للمحافظة على التراث الشعبي: 

 

  • مهرجان الطبول الدولي.
  • مهرجان الإسماعيلية الدولي للفنون الشعبية.
  • مهرجان تعامد الشمس في أسوان، وغيرها من المهرجانات التي تعكس ثراء الموروث الثقافي المصري.
هاني عبد العزيز، الكاتب وباحث في التاريخ والتراث
هاني عبد العزيز، الكاتب وباحث في التاريخ والتراث

 

ولفت عبد العزيز، إلى أن الدولة المصرية عملت على تسجيل العناصر التراثية الثقافية المميزة في قائمة التراث غير المادي للبشرية في منظمة اليونسكو، مشيرًا في ذلك إلى السيرة الهلالية في عام 2008، التحطيب 2016، فن الأراجوز 2018، النخلة 2020، النسيج اليدوي بالصعيد 2020، فنون الخط العربي 2021، الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة 2022، الفنون والمهارات المرتبطة بالنقش على المعادن النحاس والفضة والذهب 2023، وأخيرًا تم تسجيل صناعة وعزف آلة السمسمية عام 2024.

تطوير شارع المعز لدين الله الفاطمي

 

وأضاف أنه في عهد الوزير فاروق حسني، حققت الدولة المصرية إنجازًا بارزًا حين نجحت في الحصول على دعم منظمة اليونسكو لتطوير شارع المعز لدين الله الفاطمي؛ بهدف الحفاظ على هذا المعلم الأثري الفريد الذي يندرج ضمن مواقع التراث العالمي. وجاء هذا التعاون تتويجًا لجهود حثيثة بذلتها الدولة لصون تراث القاهرة التاريخية، إذ قدّمت اليونسكو الدعم الفني والمالي اللازم، وأسهمت في أعمال الترميم وتطوير البنية التحتية للشارع، ليعود إلى رونقه القديم ومكانته الحضارية المرموقة كأحد أهم الشواهد على عظمة العمارة الإسلامية في مصر والعالم.

 

دور وزارة الثقافة 

 

وأشار عبد العزيز، إلى أنه يُؤخذ على وزارة الثقافة أن دورها اقتصر في الغالب على تقديم فرق التراث الشعبي القائمة بالفعل، دون أن يمتد إلى اكتشاف المواهب الجديدة أو إحياء الفنون التراثية التي أوشكت على الاندثار، وهو ما حرم الساحة من تنوّعٍ كان من شأنه أن يثري المشهد الثقافي ويجدّد دماءه.

 

وقال: "افتقدنا الدور الرائد الذي اضطلع به الراحل زكريا الحجاوي، ذلك الرجل الذي نذر حياته لخدمة التراث والفن الشعبي، فقام بمسح شامل لأرجاء القطر المصري، يجوب القرى والنجوع ليجمع كل كلمةٍ ترددت في الذاكرة الشعبية من ينابيعها الأصيلة. وخلال رحلته، اكتشف كنوزًا من المواهب الفطرية؛ من بينهم خضرة محمد خضر، ومحمد طه، ومحمد أبو دراع، وإبراهيم خميس، وفاطمة سرحان، وجمالات شيحة، وغيرهم من الفنانين الذين صقل مواهبهم، فسطع نجمهم في سماء الفن الشعبي، ومثّلوا مصر في مهرجانات دولية مرموقة، حصدوا فيها جوائز رفيعة، وأثبتوا أن الفن الشعبي هو التعبير الأصدق لروح الأمة ووجدانها".

 

واستطرد، "حيث كان يؤمن بان الإبداع الحقيقي ليس هو ما كتبه المثقفون أو ما نشر فى الكتب، لكنه إبداع رجل الشارع، وقد تمكن من جمع أكثر من اثنين وسبعين ملحمة شعبية، وإليه يرجع الفضل فى بعث كثير من فنوننا الشعبية التى تمكن من العثور عليها فى مسوحه الجغرافية، وقدم من صور هذه الفنون: الرقص، والغناء، والمواويل، والبكائيات، والأراجوز، وخيال الظل، والسامر، والألعاب، والحواديت، والأساطير، والموالد، والأفراح، كما نجح فى تسجيل المدائح حتى سمى «عاشق المداحين»، كما جمع الأمثال والحكايات الشعبية، والملاحم والسير بألحانها البدائية بأصوات الباقين من أصحابها قبل انقراضهم".

 

على المستوى الشعبي

 

وتطرق عبد العزيز إلى أن المجتمع المصري شهد غزوًا فكريًا وثقافيًا مع التحول من النهج الاشتراكي إلى الرأسمالي خلال التحولات الكبرى التي اجتاحت العالم في سبعينيات القرن الماضي. كانت تلك الحقبة مليئة بالأفكار الوافدة التي تسللت تحت شعارات براقة كالعولمة والانفتاح، تحمل في طياتها محاولات لتغيير ملامح الشعوب وتشويه تقاليدها الراسخة، وطمس هويتها وإرثها الحضاري العريق.

 

وأوضح أن الشعب المصري، بوعيه الفطري وعمق انتمائه، تنبّه إلى تلك الأخطار المحدقة، فرفضها، وتمسك بتراثه الأصيل وجذوره الممتدة في عمق التاريخ. وأدرك أن الحفاظ على هذا الإرث مسؤولية وطنية وأمانة أخلاقية، لا تقل شأنًا عن الدفاع عن الأرض ذاتها، وهكذا ظل التراث المصري العريق بكل مفرداته وألوانه وفنونه مصدر فخرٍ واعتزاز، وحصنًا منيعًا في وجه رياح العولمة، والفكر الظلامي، والعادات الدخيلة، ليبقى شاهدًا على صلابة الهوية المصرية وقدرتها على التجدد دون أن تفقد أصالتها.

 

ولفت عبد العزيز، إلى أن هذا المشهد تجلّى بوضوح في مدينة بورسعيد، مع دخولها عصر الانفتاح الاقتصادي وتحويلها إلى منطقة حرة، إذ تراجع فن السمسمية ذلك الفن التراثي العريق أمام موجة انتشار شرائط الكاسيت، وما عُرف آنذاك بـ«الأغنية الشبابية»، ورحيل جيل الصحبجية القدامى الذين حفظوا هذا الفن، وفي تلك اللحظة الفارقة، برز اسم الريس زكريا إبراهيم، الذي حمل على عاتقه مهمة إعادة إحياء تراث السمسمية، فجمع أوتارها المبعثرة، وسعى جاهدًا إلى إحياء تراثها بعيدًا عن القيود المؤسسية لقصور الثقافة.

 

وأضاف أن الريس زكريا إبراهيم، جمع تراث السمسمية والبحث عمّن تبقّى من حَفَظَة هذا التراث العريق، فأسّس بهم فرقة «الطنبورة»، لتكون منارةً لإحياء تراث السمسمية في بورسعيد ومدن القناة.

 

وأشار عبدالعزيز، إلى أن الريس زكريا إبراهيم، أسس فرقًا للتراث والموسيقى الشعبية المصرية، وعمل على رعاية فرق أخرى، مثل فرقة الوزيرى في الإسماعيلية 1994 مع عازف السمسمية محمد الوزيري، بجانب فرقة الحنة السويسي عام 1994، وفي عام 1996 أسس فرقة الرانجو مع عازفها حسن ديدموا، بجانب اكتشاف ورعاية فرقة البرامكة بالمطرية، وهم عائلة يتوارثون فنونهم من أجدادهم، وفي عام 2003 أسس فرقة الجركن البدوية، لتقديم التراث السيناوي، ورعاية فرقة مزامير النيل وتقدم تراث سوهاج، بجانب فرقة الكفافة، وتأسيس فرقة نوبة نور، برعاية فرقة دراويش أبو الغيط، وتأسيس فرقة أسياد الزار.

 

من الريس زكريا إبراهيم؟

 

أوضح عبد العزيز، أن الريس زكريا إبراهيم حاز على العديد من الجوائز داخل مصر وخارجها؛ تقديرًا لجهوده في صون التراث الشعبي.

 

كما وثق الريس زكريا إبراهيم، مرويات شفاهية، عن رواة هذا الفن التراثي وحفظته، من أمثال علي أبو حجي (مواليد 1913) وأحمد السواحلي (مواليد 1916)، مستعينًا بالحكي الشفاهي، ومقارنته بين الروايات المختلفة، حتى توصّل إلى نصٍ واحدٍ متكاملٍ ودقيق يوثّق تاريخ السمسمية ويحفظه للأجيال المقبلة.

 

وأسّس زكريا إبراهيم عام 2000 مركز المصطبة للموسيقى الشعبية المصرية، كمبادرة رائدة لإحياء الفنون الشعبية وصونها من الاندثار. وجاء المركز ليضم اثنتي عشرة فرقة، من بينها سبع فرق أسّسها زكريا بنفسه، وخمس فرق أُنشئت برعايته ودعمه المباشر.

ويُعد مركز المصطبة أرشيفًا حيًّا للموسيقى الشعبية الأصلية، إذ عمل على توثيقها وتقديمها للجمهور من خلال حفلات منتظمة، إلى جانب تسجيل المواد الفنية وإصدار الأسطوانات التي تحفظ هذا التراث وتعيد تقديمه للأجيال الجديدة. 

 

مسرح الضمة بالقاهرة: 

 

وأشار عبد العزيز، إلى أنه نتج عن تكوين فرق التراث الشعبي المختلفة أن أصبح لزامًا عليها أن تمارس نشاطها في العاصمة القاهرة، إلى جانب التدريب المستمر والاستعداد الدائم للقاء الجمهور. فكان المسرح هو الفضاء الذي يجمع بين الناس وفرق مركز المصطبة؛ حيث يتجدد اللقاء دائمًا بين الفنان وجمهوره في حالةٍ من التفاعل الحيّ، تُعيد إلى التراث روحه الأصيلة.

 

وما زالت فرق السمسمية تؤدي دورها على أكمل وجه للحفاظ على هذا التراث والعمل على نشره، وقد تُوّج الريس زكريا إبراهيم جهوده المخلصة، بإنشاء مدرسة للبراعم داخل فرقة الطنبورة، هدفها غرس روح الفن الشعبي في الأجيال الجديدة. ومن بين هؤلاء البراعم تخرّج العديد من شباب العازفين الذين حملوا الراية من بعده، ومن أبرزهم فرقة «صحبة سمسمية» التي قدمت الألحان القديمة مع تجديد روحها.

 

التراث المادي

 

وحول التراث المادي، أشار إلى أن مشروع تطوير القاهرة التاريخية أثار مخاوف العديد من المهتمين بالتراث، خشية أن يؤدي التطوير إلى طمس معالم المدينة القديمة، أو المساس بهويتها التي تشكلت عبر قرون من التاريخ، وهو ما انعكس في تزايد اهتمام فئات كبيرة من الشباب بتراث المدينة، وإدراكهم لقيمته المعمارية والتاريخية، بما تحمله من طابعٍ عمرانيٍ فريد يعكس هوية القاهرة وأصالتها، كما قاموا بتدشين العديد من المبادرات، في محاولة للإمساك بتلابيب الفن والجمال، وقد حملوا على عاتقهم مهمة الحفاظ على تراث المدينة من الاندثار. 

 

وأكد عبد العزيز، أن هذه المبادرات أسهمت في إيقاظ الوعي الجمعي، وإعادة توجيه الأنظار نحو القيمة الحقيقية للتراث كذاكرة حية للمكان، ومع تزايد الاهتمام الشعبي، تلاقت الجهود، لتتشكل حالة من التكامل الهادئ بين جميع الأطراف المعنية، هدفها حماية الملامح التاريخية للمدينة، والحفاظ على روحها الأصيلة.

 

وأوضح أن الملفت للنظر هو أن أغلب المهتمين بتاريخ القاهرة وتراثها المعماري من فئة الشباب غير المختصين بالتاريخ والآثار، ولا يربطهم شيء سوى أنهم اجتمعوا على عشق هذه المدينة الموغلة فى القدم، مضيفًا أن تلك المبادرات قامت بدورٍ بالغ الأهمية في تنشيط الذاكرة الجماعية، من خلال تنظيم جولات أسبوعية في دروب القاهرة التاريخية، وإقامة ندوات تعريفية تسلط الضوء على تاريخ المدينة العريق. وقد ساهمت هذه الأنشطة في رفع الوعي الأثري والثقافي لدى الإنسان المصري المعاصر، وربط الأجيال الجديدة بجذورهم الحضارية.

 

ولفت عبد العزيز إلى أن التجربة أفرزت مواهب لافتة في مجالات الإبداع الفني والتوثيقي، فظهرت أعمال متميزة في صناعة الأفلام الوثائقية التي تناولت تاريخ القاهرة وتراثها المعماري والإنساني، إلى جانب مؤلفاتٍ جادةٍ أرّخت لذاكرة المدينة ومكوناتها الثقافية، مضيفًا أنه لا يمكن إغفال الدور الحيوي الذي يلعبه التوثيق الفوتوغرافي في الحفاظ على الهوية البصرية للمدينة، إذ تحوّل إلى وسيلةٍ واعية لتسجيل ملامح المكان وصونها من النسيان.

 

الخطط المستقبلية للمحافظة على التراث الشعبي

أكد عبد العزيز أنه يجب استغلال فوز الدكتورخالد العناني بمنصب المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم الثقافية (اليونسكو)، في توفير الدعم المالي اللازم من المنظمة لعمليات ترميم الآثار التي تحتاج إلى مبالغ طائلة.

 

بالإضافة إلى ذلك توفير مساحات ثقافية في وسائل الإعلام، من خلال إطلاق المزيد من القنوات المتخصصة في الشأن الثقافي، فالإعلام هو الواجهة الأولى للوعي الجمعي، ومن خلاله يمكن تسليط الضوء على عناصر التراث، والحرف التقليدية والفنون الشعبية والموروثات التي تشكل ملامح الهوية المصرية، علاوة على ذلك إعادة اكتشاف المواهب في القرى والنجوع من خلال فرق متخصصة من كشافي المواهب.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء